A school child attends a class in Raqqa, Syria November 7, 2018. Picture taken November 7, 2018. REUTERS/Aboud Hamam
تجارة الكتب المستعملة، مهنة غير جديدة في السوق السورية، لكنها تشهد مؤخرا رواجا ملفتا

أرخت سنوات الحرب بظلالها الثقيلة على حياة الفرد السوري في جميع مستوياتها، وما عجزت نيران السلاح عن التهامه مما تبقى من الحصانة الذاتية، يقضي عليه اليوم تغول الأزمات الاقتصادية والمعيشية المتواصلة، التي تشي بأوقات قادمة يتوقع أن تكون أكثر ضراوة، دون أن تلوح في الأفق القريب أية انفراجات إنقاذية، أو نهايات سعيدة.

شظايا الخراب العام أصابت الجميع دون استثناء، ولم يسلم الثري والمقتدر شأنه شأن أصحاب الدخل المحدود، باختلاف المهن والمناصب والأعمال والاهتمامات، من ندبة تركت أثرا ما، أجبرت أصحابها إلى اللجوء إلى الخيارات المتاحة المتوفرة، والتي انحصرت بين استبدال مهنة بأخرى أكثر يسرا ومردودا، أو الاستمرار بالمهنة ذاتها مع القبول بالشروط التعجيزية أو الدنيا لمردودها، أو الرحيل.

أكثر من طالتهم هذه التأثيرات الحادة، هم الفئة المنتمية إلى عالم الثقافة، من منتجين وصانعين للثقافة أو متلقين. وليس بمستغرب أن تطال مثل هذه التداعيات أصحاب الشأن أو الاهتمام الثقافي في أوقات الحروب، في كل زمان ومكان، حيث يصير الحديث عن الهم الثقافي ترفا أمام وطأة الهموم المعيشية وأولويات الحياة.

حصل تجار الورق والكتب المستعملة في السنوات الأخيرة على ثروة حقيقية من الكتب النادرة، لم يكترث لأهميتها الفوج الأول من الذين "عفشوا" البيوت المدمرة أو المهجورة من أصحابها

رغم ذلك، يمكن الحديث عن التراجع الثقافي العام، بأنه مقتلة وجدانية للسوريين، أطفأ شعلة من أرواحهم التي كانت تواقة على الدوام لتلقف كل تحديث ثقافي والشغف بالبحث عنه، وبشكل خاص في الأرياف والقرى والنواحي البعيدة، التي عرف عن أبنائها شغفهم بالقراءة ومواكبة أي حدث كان ينظم في أحد المراكز الثقافية المنتشرة في كل الأراضي السورية دوريا، أو يزورهم كضيف، كاتب أو فنان، يستضاف من أحد وجهائهم الثقافيين، وكانت لديهم المقدرة دوما على تحويل مثل هذه الزيارات والنشاطات إلى احتفاليات تشبه المهرجانات الكبيرة السعيدة.

في ظل هذه الظروف المتعسرة، لم يعد مفاجئا أن تعلن كل حين واحدة من دور النشر المتبقية الإغلاق إلى أجل غير مسمى، لأسباب اقتصادية تتعلق بارتفاع سعر الورق والحبر وأجور المطابع وانعدام المقدرة الشرائية ومنافسة الكتاب الإلكتروني، إضافة إلى تشديد الرقابة على المنشورات، لكن السبب المخفي والمثير للأسى، يكمن في تراجع الاهتمام أو ما كان يعرف بالشغف.

قلة من أصحاب دور النشر الخاصة ممن ما زالوا يقاومون لإيمانهم بالجدوى الثقافية، ويغامرون من حين إلى آخر بإصدار كتاب جديد، صمدوا لسنوات بالتعويل على ما تعوضه نسبيا مشاركاتهم الدورية في معارض الكتاب التي تقام هنا أو هناك، لتحل جائحة كورونا هذا العام وتفرض آثار كارثيتها على كل العالم، وتقضي على ما تبقى من فتات أمل.

لأكثر من أربعين عاما، لعبت المطبوعات الثقافية الكويتية، الشهرية والدورية، زهيدة الثمن والهامة للغاية، دور الرافد والداعم الثقافي الصديق والحنون للشعب السوري، الذي تفاخر معظم أفراده، في المدن والأرياف، بما اقتنوه من هذه السلاسل ثقافية التي كانوا يحجزون نسخا منها قبل وصولها بأسابيع، والتي توقفت بدورها مطلع 2012، رغم توفر معظمها إلكترونيا، لكن متعة اقتناء نسخها الورقية الحديثة اختفت من المكتبة المنزلية السورية.

بدورها، ما زالت المؤسسات الثقافية الحكومية، وهي وزارة الثقافة والهيئة العامة للكتاب واتحاد الكتّاب العرب، تصدر سنويا عددا من المطبوعات الثقافية وبأسعار مدعومة، لكنها شهدت شأنها شأن الآخرين، تراجعا ملفتا في منافذ البيع، رافقه تراجع عام بالاهتمام بالشأن الثقافي لم يطل النخبة الثقافية كليا، لكنه طال الشريحة الشابة المعول عليها، والتي اتجهت إلى خيارات الفضاء الإلكتروني، أو عدم الاكتراث بهذا المنتج الثقافي وأشباهه.

عدد كبير من أصحاب المكتبات المنزلية، ممن حرصوا لعشرات السنين على اقتناء أهم المطبوعات وتصفيفها والتفاخر بمحتوياتها الثمينة، أجبر معظمهم على بيعها لتجار الورق والكتب المستعملة من أجل حفنة من الليرات تعينهم على العيش الصعب.

تجارة الكتب المستعملة، مهنة غير جديدة في السوق السورية، لكنها تشهد مؤخرا رواجا ملفتا، لا تعود أسبابه بالتأكيد إلى ازدياد عدد القراء أو ارتفاع منسوب الشغف الثقافي، بل لإدراك أصحاب هذه المهنة أن بعض الكتب والمجلدات والسلاسل باتت نادرة الوجود، أو لن تعاد طباعتها لتكلفتها الباهظة، أو لاحتمالية توقف الكتاب الورقي في المستقبل القريب.

لهذه الأسباب، يشترون مكتبة كاملة مؤلفة من مئات أو آلاف الكتب من أجل كتابين أو ثلاثة تتضمنها هذه المكتبة، ويقومون عبر التراسل بعرض عناوينها واسم مؤلفها ودار النشر وسنة إصدارها للمهتمين في الخارج، من أفراد أو مكتبات عالمية أو متاحف، ويعوضون ببيع كتابين أو ثلاث، بما يشبه ضربات الحظ، ثمن المكتبة بالكامل.

شظايا الخراب العام أصابت الجميع دون استثناء، ولم يسلم الثري والمقتدر شأنه شأن أصحاب الدخل المحدود، باختلاف المهن والمناصب والأعمال والاهتمامات، من ندبة تركت أثرا ما

في الوقت ذاته، حصل تجار الورق والكتب المستعملة في السنوات الأخيرة على ثروة حقيقية من الكتب النادرة، لم يكترث لأهميتها الفوج الأول من الذين "عفشوا" البيوت المدمرة أو المهجورة من أصحابها، سرعان ما تلقفها الفوج الثاني من "المعفّشين"، وباتوا يجادلون المحتاج والمضطر لبيع مكتبته العزيزة بثمن معقول، ويساومونه بأنهم يقتنون الأثمن والأكثر أهمية من كتبه، ومجانا.

من يرغب بتثقيف ذاته حقيقة لن يعدم الوسيلة، حيث تتوفر بدائل قادرة على تعويض النقص وسد الاحتياجات إن وجدت، لكنك في ظل تراجع التعليم والضرر الذي أصاب المشهد الثقافي العام، يمكنك أن تستدل بحدسك على أن موضع الضرر الحقيقي لم يصب الوسيلة تماما، بقدر ما أصاب قلب ذاك الشغف القديم بمفهوم الثقافة والاهتمام بشأنها كأولوية وجودية.

بحزن وعتب يلخص أحد عشاق الثقافة القدماء حكايته الخائبة، وكيف أهدر ماله ونظره وأعصابه مع تلك الأفكار التنويرية العظيمة والوجودية التي حملتها له عوالم كتبه دون أن تجده نفعا، حيث يمضي هذه الأيام معظم ساعات صباحه مع خير جليس له، وهو فنجان قهوته المرة، إن توفر ثمن البنّ، لعله يساعده على ترميم حطام روحه، ويفكر كيف سيتدبر قوت ما تبقى من يومه.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.