Demonstrators chant slogans during an anti-France protest in Istanbul, Sunday, Oct. 25, 2020. Turkish President Recep Tayyip…
تظاهرة معادية لفرنسا في اسطنبول

عندما نقول: الإسلام؛ فعن أي "إسلام" نتحدث؟ هل نقصد الإسلام في نصوصه الأولى الثابتة قطعا (القرآن تحديدا)، أم نقصد النصوص الأولى الثابتة قطعا (القرآن)، بالاقتران مع النصوص المظنونة (نصوص الحديث) وفق مستويات درجة الثبوت الظني التي هي محل خلاف واسع؟ وإذا كان الحديث محصورا على الإسلام في نصه الأول (اليقيني ثبوتا أو الظني ثبوتا)، فعن أي تأويل/ قراءة لهذا النص نتحدث، وعلى أي نسخة مذهبية نُحِيل كلامنا؟ ثم هل نقصد بالإسلام هذا المنتج النظري في كلامنا عن الإسلام، ونتجاهل كل تحققات التجربة التاريخية، أم نجمع بينهما، أم نجعل التجربة حَكَما على المنتج النظري، وبالتالي، تُصْبح التجربة الواقعية هي الممثل الشرعي للإسلام؟

أسئلة كثيرة من هذا النوع تدخل على خط الحديث عن الإسلام؟ لكن، في الحديث عن "ماهية الإسلام" هل المسألة عائمة وهلامية إلى هذا الحد الذي يجعل من رسم حدود تقريبية للمصطلح مستحيلا؟ في اعتقادي، لو كانت كذلك لم يكن ثمة إسلام أصلا، ولا حتى "إسلامات" على سبيل التنوع المذهبي والفكري. فالحديث عن الإسلام مهما كان مجملا، يُحِيل إلى وجود "تصوّر متماسك" رغم كل التنوع والاختلاف، ورغم كل صور التمرد الداخلي، بل ورغم كل الجدل الدائر حوله في القديم أو الحديث.

نعم، الإسلام لا يُحَدّده فرد/ رجل دين، بل ولا مجموعة أفراد/ رجال دين، بل ولا حتى مؤسسة دينية؛ مهما كان رسوخها التاريخي وكثرة أتباعها قديما وحديثا. ولكن ـ في المقابل ـ نجد أن مجموعة هذه المؤسسات، إضافة إلى الغالبية الساحقة من رجال الدين، مع التراث الضخم المتجذّر في عمق التاريخ (الذي يتشرعن بهؤلاء الرجال وتتشرعن به هذه المؤسسات)، كل ذلك مجتمعا ومُتَعاضِدا يُحَدّد ـ في إطارٍ عامٍ/ في صورة مجملة ـ ما هو الإسلام.

إن هذه المرتكزات: 1ـ ما توافق عليه الأغلبية الساحقة من رجال الدين المتبوعين من الأغلبية الساحقة من المسلمين. 2ـ المؤسسات الراسخة تاريخيا، والمعتبرة حاليا من قِبَل رجال الدين ومن قِبَل جماهيرهم/ مقلديهم. 3ـ التراث الضخم المتجذر في عمق التاريخ، والمعتمد من قبل هذه المؤسسات، ومن قبل رجال الدين. هذه ثلاثة مرتكزات من الضروري التنبه لها، وأخذها في الاعتبار في كل ما نقوله لاحقا عن الإسلام في هذا المقال؛ لأنها هي التي ستكوّن محور "المشكلة/ الأزمة والحل؛ عندما نتحدث إمكانية إسلامية للتصالح مع العالم.

الإسلام لا يُحَدّده فرد/ رجل دين، بل ولا مجموعة أفراد/ رجال دين، بل ولا حتى مؤسسة دينية؛ مهما كان رسوخها التاريخي وكثرة أتباعها قديما وحديثا

بالنظر إلى الإسلام من خلال هذه المرتكزات (ولا نستطيع الحديث عن الإسلام كواقعة بشرية تتحقق في التاريخ باستمرار إلا من خلالها، ومن خلالها فقط)، نجد أن الإسلام في أزمة حادة مع منطق العصر/ مع العالم كله، بل ونجد الإسلام في أزمة حتى مع بعض مكوناته في إطار التأزمات الداخلية، وهي التي تنتهي ـ في متتاليات مباشرة وغير مباشرة ـ إلى تأزّمات خارجية تتسع بها دائرة تصادم الإسلام مع العالم، أو ـ ولا فرق! ـ تصادم العالم مع الإسلام.

ربما يتذكّر بعض القراء مقالين نشرتهما قبل شهرين على هذه المنصة، وهما: "معضلة الوعي التراثي" و "أزمة الجمود السلفي"، وكانا يُنَاقشان تصريحا لأكبر شيوخ السلفية المعاصرة/ الحويني؛ حيث كان التصريح ينكأ جرح التراث؛ بأكثر مما يثيره من ردود الأفعال الصادرة عن أولئك الذين لم يتوقعوا أن تراثهم ـ بكل إلزاماته ـ على هذا النحو، أو لم يتوقعوا أن يتجرأ شيخ كبير معتبر في السياق الديني التقليدي؛ فيصرّح بما في التراث، بل ويزيد على كشف المستور بأن يمنحه صفة المعاصرة القابلة للتحقّق في الراهن، خاصة وأن التصريح/ الفتوى يندب المسلمين لغزو العالم، وأخذ أموال الآخرين ونساءهم وأولادهم غنائمَ وسبايا؛ لحل مشكلة الفقر في العالم الإسلامي!

من يتذكر مناقشتي لهذا التصريح، لا بد وأن يتذكر أنني أشرت إلى مسألة تتعلق به، وهي أخطر بكثير من منطوق التصريح. هذه المسألة هي أن الحويني في فتواه/ تصريحه كان يتحدث بكل ثقة عن "أحكام الإسلام"، وليس عن رأيه الخاص؛ ثم لا تجد أحدا من رجال الدين المعتبرين، ولا من المؤسسات الدينية الكبرى الراسخة، مَن يتصدى لتصريحه/ فتواه بالتفنيد، ولا من يقول له ـ صراحة ـ: هذا ليس من صميم الإسلام، وأنه ـ كوقائع في تاريخ الإسلام ـ ليس أكثر من مجرد تجربة تاريخية/ ظرفية عابرة، غير قبالة للاستعادة بأي حال، وتحت أي مبرر كان.

الذين انتقدوا الحويني، وشنّعوا عليه، وحاكموه فكريا، كانوا من خارج نطاق المنظومة الدينية التقليدية الرائجة جماهيريا. انتقده وشنّع عليه المفكرون وكبار الأدباء والإعلاميون من ذوي التوجهات العصرية ذات الطابع العلماني. بينما صمت كل رجال الدين الكبار، وخرست كل المؤسسات؛ فلم تعلق بالإنكار. ومن تكلّم من هؤلاء لـ"تلطيف" حدة الصراحة في تصريح الحويني، فهم انتقدوه ـ فقط ـ في تنزيل الأحكام على الواقع الراهن الذي لا يحتمل تنزيل مثل هذه الأحكام، ولم يقم أي منهم، بل ولم يُشِر ولو من بعيد، لأية محاولة لإعادة قراءة التراث قراءة جذرية تفصل بين ما هو تاريخي ظرفي تعاملي، وما هو أساسي وروحاني وتعبدّي يمثل جوهر المعتقد الإسلامي.

مشكلتنا ـ كمسلمين ـ أننا نتوهم في أنفسنا القدرة على خداع العالم، بكلام عابر ـ ولكنه جميل! ـ نُلَفّقه من هنا وهناك

إذن، قوة خطاب الحويني أنه كان يتحدث مرتكزا ـ بكل ثقة ـ على المرتكزات السابق ذكرها: "رجال الدين الكبار/ المعتبرين"، و"المؤسسات الدينية الراسخة"، و"التراث". ولهذا، فكل رجال الدين، وكل المؤسسات لم يستطيعوا الاعتراض على كلامه؛ لأن الاعتراض على كلامه ـ في تصورهم العميق ـ كان يعني ـ حرفيّا ـ: الاعتراض على الإسلام ذاته؛ المتمثل عندهم في هذه المرتكزات التي تُمَثّل ـ بحق ـ هوية الإسلام في تصوّر الأغلبية الساحقة من المسلمين.

هنا نصل إلى النتيجة التي سنبني عليها اقتراحنا اللاحق، وهي أن الإسلام كما هو في مقولات: "رجال الدين الكبار/ المعتبرين"، و"المؤسسات الدينية الراسخة"، و"التراث" يعاني من أزمة كبرى ذات تشعبات كثيرة، وأهمها أنه غير قادر على التصالح مع العالم. الإسلام الذي يكشف عن هويته/ عن جوهره من خلال هذه العناصر الثلاثة، هو إسلام يتصادم ـ بأعلى درجات التصادم حِدّة واستدامة ـ مع العالم، ولا يمكن للمجاملات الدينية ذات الطابع الدبلوماسي أن تُخْفي هذه الحقيقة التي تفرض نفسها على واقع المسلمين قبل غيرهم، منذ أكثر من مئة عام، ولا تزال.

مشكلتنا ـ كمسلمين ـ أننا نتوهم في أنفسنا القدرة على خداع العالم، بكلام عابر ـ ولكنه جميل! ـ نُلَفّقه من هنا وهناك. يتبرع أحد رجال الدين؛ فيقول: إن الجهاد المتقرر في الإسلام هو مجرد دفاع. هذا كلام جميل، وهو تَقَدّم يُشْكر عليه. ولكنه لا يغير الحقيقة التي تؤكد أن الإسلام ـ وفق المرتكزات السابق ذكرها ـ لا يقول بذلك. الأغلبية الساحقة من رجال الدين في القديم والحديث، وعند السنة والشيعة (أكبر طوائف الإسلام)، وكذلك المؤسسات الدينية الكبرى، والأغلبية الساحقة من كتب التراث، كلها تقول بـ"جهاد الطلب" وأحكامه، تقول بالغنائم والسبي والاسترقاق المبني على ذلك، لا كحالة تاريخية لها ظروفها الخاصة، وإنما كأحكام دينية/ إسلامية راسخة، لها صفة العبور الظرفي: عبور الزمان والمكان.

منذ مطلع القرن العشرين، وإلى اليوم (120 عاما)، خرج رجالُ دين، وتقدموا بقراءات تأويلية لبعض القضايا الشائكة التي كانت تخلق أزمات في الداخل الإسلامي، أو مع الخارج/ غير المسلمين. لكنها كانت مجرد جهود خاصة، عابرة، مجرد استثناءات تمرّدية على الأصل الذي تنتظمه تلك المرتكزات. ولم تقتنع الغالبية من المسلمين، ولا حتى الغالبية من غير المسلمين المعنيين بتعامل الإسلام معهم، أن هؤلاء "الاستثناء المشيخي العابر" يمثلون الإسلام حقيقة، خاصة وأن ممثلي المرتكزات الثلاثة لم يُؤيّدوهم ولو بأدنى تأييد، بل لم يقفوا منهم موقف الصمت الحيادي. ما حدث كان على العكس تماما، هاجموهم بشدة، ونبذوهم بعنف؛ فأصبحوا لا يُمثّلون إلا أنفسهم في نهاية المطاف.

أكثر من ذلك، لو خرج شيخ الأزهر (وهو شخصية اعتبارية؛ كون الأزهر أكبر مرجعية سنية معتبرة)، وخرج آية الله السيستاني (وهو المرجعية التي تحظى باعتبار كبير عند أكثر الشيعة العرب)، وقررّا التقدم بمرجعات وأحكام ذات طابع تصالحي مع العالم، ولكنها لا تنسجم مع منطق التراث، ولا مع منطق رجال الدين، ولا مع منطق المؤسسات الدينية الراسخة، فلن يكون لما يقدمانه أي أثر في تخليق إسلام متصالح مع العالم.

مِن قبل، حاول الإمام/ محمد عبده (وكان بمنصب: مفتي الديار المصرية)، أن يجدد الخطاب الديني على أسس عقلية ـ نسبية بطبيعة ظروف عصره ـ، وأدخل على الأزهر كثيرا من التعديلات، ولكن، كان السياق الديني ـ بمرتكزاته الثلاثة: الرجال والمؤسسة والتراث ـ ضده. ولهذا، بمجرد موته تلاشت الإصلاحات التي بدأها في المؤسسات الشرعية، وخاصة في التعليم الديني.

الذين انتقدوا الحويني، وشنّعوا عليه، وحاكموه فكريا، كانوا من خارج نطاق المنظومة الدينية التقليدية الرائجة جماهيريا

من الطبيعي أن فردا أو مجموعة أفراد؛ مهما اجتهدوا؛ فإنهم لن يستطيعوا نقل الإسلام من حالة "التصادم مع العالم" إلى حالة "التصالح مع العالم". فما يقوله هؤلاء الأفراد القلائل يُعاكِسه ويناقضه آلافٌ من رجال الدين، وتشجبه عشرات المؤسسات الإفتائية، وتحكم بشذوذه مئات الكليات الشرعية، وآلاف المعاهد الدينية، ومئات الألوف من كتب الدين التي يمتد بعضها لأكثر من ألف عام.

لو افترضنا أن الكوادر المشتغلة على تديين المجتمع أرادت إنتاج خطاب ديني تصالحي/ غير تصادمي مع العالم؛ كيف لها أن تُرَوج لرأي ديني تجديدي لشيخ عابر في صحيفة عابرة، أو في قناة عابرة، أو في مؤتمر عابر، بينما صحيح البخاري، وصيح مسلم، وتفسير الطبري، وتفسير ابن كثير، وتفسير القرطبي، وكل كتب المالكية والحنفية والشافعية والحنبلية والإباضية والجعفرية والزيدية، وشروحها وتعليقاتها المعاصرة، المُزَكّاة كلها بمقررات أكاديمية على امتداد العالم الإسلامي، كلها تقول بعكس ما يقوله "الشيخ العابر"، فمن سيكون محل ثقة الجماهير، ومن ضمنهم جماهير العاملين في الحقل الديني؟!

وكمثال للتوضيح، لو خرج شيخ بخطاب تنويري تسامحي فقال: ليس صحيحا أن الإسلام يُحرّم زواج المرأة المسلمة من غير المسلم، بل يجوز للمرأة المسلمة أن تتزوج غير مسلم. شخصيا؛ سأقول له: شكرا لك، ولكن هل أعتبر كلامك الجميل هذا، أم أعتبر الكلام المقرر في كل كتب التراث، وعلى ألسنة كل رجال الدين في القديم والحديث، والمعتمد في كل الكليات الشرعية الرائجة في عالمنا الإسلامي. سأقول له بكل وضوح: شكرا لك، ولكن ماذا تقول في كل هذا التراث الذي يقول بعكس رأيك؟ هل أصبت وأخطأ كل هؤلاء؟ طبعا، إذا لم يجرؤ على نقد التراث الذي يقول بالعكس، فمعنى ذلك مخادع؛ لأن شرط إقناعنا بصواب رأيه الجديد هو تفنيد كل الآراء التي تقول بغير رأيه، خاصة الآراء ذات القيمة الاعتبارية التي تقترب من كونها محل إجماعي ديني؟

قوة خطاب الحويني أنه كان يتحدث مرتكزا ـ بكل ثقة ـ على المرتكزات السابق ذكرها: "رجال الدين الكبار/ المعتبرين"، و"المؤسسات الدينية الراسخة"، و"التراث"

إذن، ما الحل؟ هل بقاء الإسلام التصادمي كما هو عليه في نسخته التراثية مسألة حتمية/ قَدَرٌ أبدي؟ هل إنتاج "إسلام متصالح مع العالم" مسألة مستحيلة في سياق الممكن الثقافي والاجتماعي؟

في تقديري أنه ليس مستحيلا، وإن كانت الصعوبات والتحديات كبيرة، وقادرة على إصابة كثير من المتفائلين بالإحباط. لكن، وكخطوات أولية لا بد من:

1ـ الاعتراف بوجود أزمة، أزمة الإسلام التقليدي الرائج اليوم ـ بمدونته التراثية ـ مع مجمل قضايا العصر، ومع العالم في أكثر من نقطة اشتباك/ صراع. بدون الاعتراف بالأزمة ابتداء؛ كل ما يتلو ذلك عبث.

2ـ فتح الباب لنقد التراث كله، من أوله إلى آخره، دون تردد أو توجس. ويكون هذا الاشتغال المعرفي/ النقدي ذي المنحى التجديدي التنويري ليس جهدا عابرا، ليس تصريحا اعتذاريا أو شبه اعتذاري، ليس مخاتلة دبلوماسية، بل وعي تجديدي إسلامي عام، تؤسس له المجامع العلمية، والكليات الشرعية/ الدينية، ووسائل الإعلام وساعة النطاق/ واسعة التأثير، ثم يتمّ ضخ مجمل الرؤى المستحدثة (بخلفياتها النقدية للتراث، إذ بدونها لا معنى للتجديد) في مقررات التعليم في كل المستويات؛ وفق المناسب لكل مستوى.

3ـ تنزيل مخرجات هذه الجهود المؤسساتية وشبه المؤسساتية على الواقع، تحويلها إلى ممارسات عملية؛ بحيث تشتغل على تغيير الوعي بالتعاضد مع الأطروحات النظرية التي يجري تأكيدها في ميادين التعليم والإعلام والدعوة والإرشاد الديني.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.