Demonstrators chant slogans during an anti-France protest in Istanbul, Sunday, Oct. 25, 2020. Turkish President Recep Tayyip…
تظاهرة معادية لفرنسا في اسطنبول

عندما نقول: الإسلام؛ فعن أي "إسلام" نتحدث؟ هل نقصد الإسلام في نصوصه الأولى الثابتة قطعا (القرآن تحديدا)، أم نقصد النصوص الأولى الثابتة قطعا (القرآن)، بالاقتران مع النصوص المظنونة (نصوص الحديث) وفق مستويات درجة الثبوت الظني التي هي محل خلاف واسع؟ وإذا كان الحديث محصورا على الإسلام في نصه الأول (اليقيني ثبوتا أو الظني ثبوتا)، فعن أي تأويل/ قراءة لهذا النص نتحدث، وعلى أي نسخة مذهبية نُحِيل كلامنا؟ ثم هل نقصد بالإسلام هذا المنتج النظري في كلامنا عن الإسلام، ونتجاهل كل تحققات التجربة التاريخية، أم نجمع بينهما، أم نجعل التجربة حَكَما على المنتج النظري، وبالتالي، تُصْبح التجربة الواقعية هي الممثل الشرعي للإسلام؟

أسئلة كثيرة من هذا النوع تدخل على خط الحديث عن الإسلام؟ لكن، في الحديث عن "ماهية الإسلام" هل المسألة عائمة وهلامية إلى هذا الحد الذي يجعل من رسم حدود تقريبية للمصطلح مستحيلا؟ في اعتقادي، لو كانت كذلك لم يكن ثمة إسلام أصلا، ولا حتى "إسلامات" على سبيل التنوع المذهبي والفكري. فالحديث عن الإسلام مهما كان مجملا، يُحِيل إلى وجود "تصوّر متماسك" رغم كل التنوع والاختلاف، ورغم كل صور التمرد الداخلي، بل ورغم كل الجدل الدائر حوله في القديم أو الحديث.

نعم، الإسلام لا يُحَدّده فرد/ رجل دين، بل ولا مجموعة أفراد/ رجال دين، بل ولا حتى مؤسسة دينية؛ مهما كان رسوخها التاريخي وكثرة أتباعها قديما وحديثا. ولكن ـ في المقابل ـ نجد أن مجموعة هذه المؤسسات، إضافة إلى الغالبية الساحقة من رجال الدين، مع التراث الضخم المتجذّر في عمق التاريخ (الذي يتشرعن بهؤلاء الرجال وتتشرعن به هذه المؤسسات)، كل ذلك مجتمعا ومُتَعاضِدا يُحَدّد ـ في إطارٍ عامٍ/ في صورة مجملة ـ ما هو الإسلام.

إن هذه المرتكزات: 1ـ ما توافق عليه الأغلبية الساحقة من رجال الدين المتبوعين من الأغلبية الساحقة من المسلمين. 2ـ المؤسسات الراسخة تاريخيا، والمعتبرة حاليا من قِبَل رجال الدين ومن قِبَل جماهيرهم/ مقلديهم. 3ـ التراث الضخم المتجذر في عمق التاريخ، والمعتمد من قبل هذه المؤسسات، ومن قبل رجال الدين. هذه ثلاثة مرتكزات من الضروري التنبه لها، وأخذها في الاعتبار في كل ما نقوله لاحقا عن الإسلام في هذا المقال؛ لأنها هي التي ستكوّن محور "المشكلة/ الأزمة والحل؛ عندما نتحدث إمكانية إسلامية للتصالح مع العالم.

الإسلام لا يُحَدّده فرد/ رجل دين، بل ولا مجموعة أفراد/ رجال دين، بل ولا حتى مؤسسة دينية؛ مهما كان رسوخها التاريخي وكثرة أتباعها قديما وحديثا

بالنظر إلى الإسلام من خلال هذه المرتكزات (ولا نستطيع الحديث عن الإسلام كواقعة بشرية تتحقق في التاريخ باستمرار إلا من خلالها، ومن خلالها فقط)، نجد أن الإسلام في أزمة حادة مع منطق العصر/ مع العالم كله، بل ونجد الإسلام في أزمة حتى مع بعض مكوناته في إطار التأزمات الداخلية، وهي التي تنتهي ـ في متتاليات مباشرة وغير مباشرة ـ إلى تأزّمات خارجية تتسع بها دائرة تصادم الإسلام مع العالم، أو ـ ولا فرق! ـ تصادم العالم مع الإسلام.

ربما يتذكّر بعض القراء مقالين نشرتهما قبل شهرين على هذه المنصة، وهما: "معضلة الوعي التراثي" و "أزمة الجمود السلفي"، وكانا يُنَاقشان تصريحا لأكبر شيوخ السلفية المعاصرة/ الحويني؛ حيث كان التصريح ينكأ جرح التراث؛ بأكثر مما يثيره من ردود الأفعال الصادرة عن أولئك الذين لم يتوقعوا أن تراثهم ـ بكل إلزاماته ـ على هذا النحو، أو لم يتوقعوا أن يتجرأ شيخ كبير معتبر في السياق الديني التقليدي؛ فيصرّح بما في التراث، بل ويزيد على كشف المستور بأن يمنحه صفة المعاصرة القابلة للتحقّق في الراهن، خاصة وأن التصريح/ الفتوى يندب المسلمين لغزو العالم، وأخذ أموال الآخرين ونساءهم وأولادهم غنائمَ وسبايا؛ لحل مشكلة الفقر في العالم الإسلامي!

من يتذكر مناقشتي لهذا التصريح، لا بد وأن يتذكر أنني أشرت إلى مسألة تتعلق به، وهي أخطر بكثير من منطوق التصريح. هذه المسألة هي أن الحويني في فتواه/ تصريحه كان يتحدث بكل ثقة عن "أحكام الإسلام"، وليس عن رأيه الخاص؛ ثم لا تجد أحدا من رجال الدين المعتبرين، ولا من المؤسسات الدينية الكبرى الراسخة، مَن يتصدى لتصريحه/ فتواه بالتفنيد، ولا من يقول له ـ صراحة ـ: هذا ليس من صميم الإسلام، وأنه ـ كوقائع في تاريخ الإسلام ـ ليس أكثر من مجرد تجربة تاريخية/ ظرفية عابرة، غير قبالة للاستعادة بأي حال، وتحت أي مبرر كان.

الذين انتقدوا الحويني، وشنّعوا عليه، وحاكموه فكريا، كانوا من خارج نطاق المنظومة الدينية التقليدية الرائجة جماهيريا. انتقده وشنّع عليه المفكرون وكبار الأدباء والإعلاميون من ذوي التوجهات العصرية ذات الطابع العلماني. بينما صمت كل رجال الدين الكبار، وخرست كل المؤسسات؛ فلم تعلق بالإنكار. ومن تكلّم من هؤلاء لـ"تلطيف" حدة الصراحة في تصريح الحويني، فهم انتقدوه ـ فقط ـ في تنزيل الأحكام على الواقع الراهن الذي لا يحتمل تنزيل مثل هذه الأحكام، ولم يقم أي منهم، بل ولم يُشِر ولو من بعيد، لأية محاولة لإعادة قراءة التراث قراءة جذرية تفصل بين ما هو تاريخي ظرفي تعاملي، وما هو أساسي وروحاني وتعبدّي يمثل جوهر المعتقد الإسلامي.

مشكلتنا ـ كمسلمين ـ أننا نتوهم في أنفسنا القدرة على خداع العالم، بكلام عابر ـ ولكنه جميل! ـ نُلَفّقه من هنا وهناك

إذن، قوة خطاب الحويني أنه كان يتحدث مرتكزا ـ بكل ثقة ـ على المرتكزات السابق ذكرها: "رجال الدين الكبار/ المعتبرين"، و"المؤسسات الدينية الراسخة"، و"التراث". ولهذا، فكل رجال الدين، وكل المؤسسات لم يستطيعوا الاعتراض على كلامه؛ لأن الاعتراض على كلامه ـ في تصورهم العميق ـ كان يعني ـ حرفيّا ـ: الاعتراض على الإسلام ذاته؛ المتمثل عندهم في هذه المرتكزات التي تُمَثّل ـ بحق ـ هوية الإسلام في تصوّر الأغلبية الساحقة من المسلمين.

هنا نصل إلى النتيجة التي سنبني عليها اقتراحنا اللاحق، وهي أن الإسلام كما هو في مقولات: "رجال الدين الكبار/ المعتبرين"، و"المؤسسات الدينية الراسخة"، و"التراث" يعاني من أزمة كبرى ذات تشعبات كثيرة، وأهمها أنه غير قادر على التصالح مع العالم. الإسلام الذي يكشف عن هويته/ عن جوهره من خلال هذه العناصر الثلاثة، هو إسلام يتصادم ـ بأعلى درجات التصادم حِدّة واستدامة ـ مع العالم، ولا يمكن للمجاملات الدينية ذات الطابع الدبلوماسي أن تُخْفي هذه الحقيقة التي تفرض نفسها على واقع المسلمين قبل غيرهم، منذ أكثر من مئة عام، ولا تزال.

مشكلتنا ـ كمسلمين ـ أننا نتوهم في أنفسنا القدرة على خداع العالم، بكلام عابر ـ ولكنه جميل! ـ نُلَفّقه من هنا وهناك. يتبرع أحد رجال الدين؛ فيقول: إن الجهاد المتقرر في الإسلام هو مجرد دفاع. هذا كلام جميل، وهو تَقَدّم يُشْكر عليه. ولكنه لا يغير الحقيقة التي تؤكد أن الإسلام ـ وفق المرتكزات السابق ذكرها ـ لا يقول بذلك. الأغلبية الساحقة من رجال الدين في القديم والحديث، وعند السنة والشيعة (أكبر طوائف الإسلام)، وكذلك المؤسسات الدينية الكبرى، والأغلبية الساحقة من كتب التراث، كلها تقول بـ"جهاد الطلب" وأحكامه، تقول بالغنائم والسبي والاسترقاق المبني على ذلك، لا كحالة تاريخية لها ظروفها الخاصة، وإنما كأحكام دينية/ إسلامية راسخة، لها صفة العبور الظرفي: عبور الزمان والمكان.

منذ مطلع القرن العشرين، وإلى اليوم (120 عاما)، خرج رجالُ دين، وتقدموا بقراءات تأويلية لبعض القضايا الشائكة التي كانت تخلق أزمات في الداخل الإسلامي، أو مع الخارج/ غير المسلمين. لكنها كانت مجرد جهود خاصة، عابرة، مجرد استثناءات تمرّدية على الأصل الذي تنتظمه تلك المرتكزات. ولم تقتنع الغالبية من المسلمين، ولا حتى الغالبية من غير المسلمين المعنيين بتعامل الإسلام معهم، أن هؤلاء "الاستثناء المشيخي العابر" يمثلون الإسلام حقيقة، خاصة وأن ممثلي المرتكزات الثلاثة لم يُؤيّدوهم ولو بأدنى تأييد، بل لم يقفوا منهم موقف الصمت الحيادي. ما حدث كان على العكس تماما، هاجموهم بشدة، ونبذوهم بعنف؛ فأصبحوا لا يُمثّلون إلا أنفسهم في نهاية المطاف.

أكثر من ذلك، لو خرج شيخ الأزهر (وهو شخصية اعتبارية؛ كون الأزهر أكبر مرجعية سنية معتبرة)، وخرج آية الله السيستاني (وهو المرجعية التي تحظى باعتبار كبير عند أكثر الشيعة العرب)، وقررّا التقدم بمرجعات وأحكام ذات طابع تصالحي مع العالم، ولكنها لا تنسجم مع منطق التراث، ولا مع منطق رجال الدين، ولا مع منطق المؤسسات الدينية الراسخة، فلن يكون لما يقدمانه أي أثر في تخليق إسلام متصالح مع العالم.

مِن قبل، حاول الإمام/ محمد عبده (وكان بمنصب: مفتي الديار المصرية)، أن يجدد الخطاب الديني على أسس عقلية ـ نسبية بطبيعة ظروف عصره ـ، وأدخل على الأزهر كثيرا من التعديلات، ولكن، كان السياق الديني ـ بمرتكزاته الثلاثة: الرجال والمؤسسة والتراث ـ ضده. ولهذا، بمجرد موته تلاشت الإصلاحات التي بدأها في المؤسسات الشرعية، وخاصة في التعليم الديني.

الذين انتقدوا الحويني، وشنّعوا عليه، وحاكموه فكريا، كانوا من خارج نطاق المنظومة الدينية التقليدية الرائجة جماهيريا

من الطبيعي أن فردا أو مجموعة أفراد؛ مهما اجتهدوا؛ فإنهم لن يستطيعوا نقل الإسلام من حالة "التصادم مع العالم" إلى حالة "التصالح مع العالم". فما يقوله هؤلاء الأفراد القلائل يُعاكِسه ويناقضه آلافٌ من رجال الدين، وتشجبه عشرات المؤسسات الإفتائية، وتحكم بشذوذه مئات الكليات الشرعية، وآلاف المعاهد الدينية، ومئات الألوف من كتب الدين التي يمتد بعضها لأكثر من ألف عام.

لو افترضنا أن الكوادر المشتغلة على تديين المجتمع أرادت إنتاج خطاب ديني تصالحي/ غير تصادمي مع العالم؛ كيف لها أن تُرَوج لرأي ديني تجديدي لشيخ عابر في صحيفة عابرة، أو في قناة عابرة، أو في مؤتمر عابر، بينما صحيح البخاري، وصيح مسلم، وتفسير الطبري، وتفسير ابن كثير، وتفسير القرطبي، وكل كتب المالكية والحنفية والشافعية والحنبلية والإباضية والجعفرية والزيدية، وشروحها وتعليقاتها المعاصرة، المُزَكّاة كلها بمقررات أكاديمية على امتداد العالم الإسلامي، كلها تقول بعكس ما يقوله "الشيخ العابر"، فمن سيكون محل ثقة الجماهير، ومن ضمنهم جماهير العاملين في الحقل الديني؟!

وكمثال للتوضيح، لو خرج شيخ بخطاب تنويري تسامحي فقال: ليس صحيحا أن الإسلام يُحرّم زواج المرأة المسلمة من غير المسلم، بل يجوز للمرأة المسلمة أن تتزوج غير مسلم. شخصيا؛ سأقول له: شكرا لك، ولكن هل أعتبر كلامك الجميل هذا، أم أعتبر الكلام المقرر في كل كتب التراث، وعلى ألسنة كل رجال الدين في القديم والحديث، والمعتمد في كل الكليات الشرعية الرائجة في عالمنا الإسلامي. سأقول له بكل وضوح: شكرا لك، ولكن ماذا تقول في كل هذا التراث الذي يقول بعكس رأيك؟ هل أصبت وأخطأ كل هؤلاء؟ طبعا، إذا لم يجرؤ على نقد التراث الذي يقول بالعكس، فمعنى ذلك مخادع؛ لأن شرط إقناعنا بصواب رأيه الجديد هو تفنيد كل الآراء التي تقول بغير رأيه، خاصة الآراء ذات القيمة الاعتبارية التي تقترب من كونها محل إجماعي ديني؟

قوة خطاب الحويني أنه كان يتحدث مرتكزا ـ بكل ثقة ـ على المرتكزات السابق ذكرها: "رجال الدين الكبار/ المعتبرين"، و"المؤسسات الدينية الراسخة"، و"التراث"

إذن، ما الحل؟ هل بقاء الإسلام التصادمي كما هو عليه في نسخته التراثية مسألة حتمية/ قَدَرٌ أبدي؟ هل إنتاج "إسلام متصالح مع العالم" مسألة مستحيلة في سياق الممكن الثقافي والاجتماعي؟

في تقديري أنه ليس مستحيلا، وإن كانت الصعوبات والتحديات كبيرة، وقادرة على إصابة كثير من المتفائلين بالإحباط. لكن، وكخطوات أولية لا بد من:

1ـ الاعتراف بوجود أزمة، أزمة الإسلام التقليدي الرائج اليوم ـ بمدونته التراثية ـ مع مجمل قضايا العصر، ومع العالم في أكثر من نقطة اشتباك/ صراع. بدون الاعتراف بالأزمة ابتداء؛ كل ما يتلو ذلك عبث.

2ـ فتح الباب لنقد التراث كله، من أوله إلى آخره، دون تردد أو توجس. ويكون هذا الاشتغال المعرفي/ النقدي ذي المنحى التجديدي التنويري ليس جهدا عابرا، ليس تصريحا اعتذاريا أو شبه اعتذاري، ليس مخاتلة دبلوماسية، بل وعي تجديدي إسلامي عام، تؤسس له المجامع العلمية، والكليات الشرعية/ الدينية، ووسائل الإعلام وساعة النطاق/ واسعة التأثير، ثم يتمّ ضخ مجمل الرؤى المستحدثة (بخلفياتها النقدية للتراث، إذ بدونها لا معنى للتجديد) في مقررات التعليم في كل المستويات؛ وفق المناسب لكل مستوى.

3ـ تنزيل مخرجات هذه الجهود المؤسساتية وشبه المؤسساتية على الواقع، تحويلها إلى ممارسات عملية؛ بحيث تشتغل على تغيير الوعي بالتعاضد مع الأطروحات النظرية التي يجري تأكيدها في ميادين التعليم والإعلام والدعوة والإرشاد الديني.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.