FILE - In this Monday, Sept. 7, 2020 file photo released by Russian Foreign Ministry Press Service, Syrian President Bashar al…

بإرسالها لمذكرة دبلوماسية خاصة إلى حكومة النظام السوري خلال الأيام الماضية، تذكرها فيها بالتزاماتها حسب اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، تكون الحكومة الهولندية قد قطعت الإجراءات الأولية الممهدة لرفع قضية ضد النظام السوري في محكمة العدل الدولية في مدينة لاهاي، حسبما صرح أكثر من مسؤول هولندي، بما في ذلك رئيس الوزراء الهولندي. 

فالنظام السوري حسب المسؤولين الهولنديين قد اقترف جرائم مروعة بحق مواطنيه المدنيين طوال العقد الماضي، تجاوزت أعدادهم نصف مليون ضحية مؤكدة، وشرد قُرابة نصف سكان بلاده، وهو أمر يدفع الحكومة الهولندية لرفع مثل هذه الدعوة، طالما أن البلدين، هولندا وسوريا، عضوان موقعان على اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب.

رغم الغبطة الأولية بالحدث، لكن يصعب للغاية فهم وتصنيف هذا الإقدام الهولندي المفاجئ بسهولة، دون طرح كتلة من التساؤلات التي تحيط به.

إذ لا يُعرف أكانت هذه خطوة ضمن الالتزام الأخلاقي لهولندا والدول الأوروبية بالمنظومة العالمية لحقوق الإنسان! وتاليا لماذا الانتظار لعقد كاملٍ حتى تُتخذ هذه الخطوة! حيث بدأ النظام السوري سلوكه في ممارسة القتل العام الممنهج منذ الشهور الأولى للثورة السورية، وأعداد ضحاياه تجاوزت عشرات الآلاف بعد أسابيع قليلة من ذلك التاريخ (مارس 2011)، وما يزال مستمرا بنفس الوتيرة، فأين كان هذا الالتزام الأخلاقي والحقوقي منذئذ؟

لا يحق للغرب طلب تعاطف إنساني عالمي في مواجهته لآفة التطرف والإرهاب دون إصراره على روحه الأخلاقية تلك

أم أن المسألة سياسية، وبالتالي فإن الخطوة الهولندية/الأوروبية/الغربية هي فقط واحدة من أدوات الضغط على الأسد ونظامه، لاجتراح بعض التنازلات منه، السياسية منها بالذات، تحديدا منها تلك التي تمس الأمن القومي الأوروبي، حيث ثمة محاولات لإغلاق الملف السوري نسبيا، الذي صار يمس المصالح الأوروبية جذريا.

هذا التفسير الأخير الذي يتطلب بالضرورة إيقاف كل أشكال التهليل والترحيب بالخطوة الهولندية، الذي يشبه في بُعدٍ هزلي منه دراما السينما الهندية التقليدية، حينما تدخل إحدى الشخصيات الدرامية نوبة من صحوة الضمير الأخلاقي فجأة، فيغير تماما من سلوكه الذي كان!

لا يدخل هذا الجدال في باب خطاب سياسي كان وما يزال رائجا وتتداوله بعض النُخب والقواعد الاجتماعية السورية التي تزجر الدول والثقافة الغربية من باب "لكن لماذا لا ينقذوننا من ديكتاتورية الأسد طالما أنها دول تدعي دعمها للديمقراطية وحقوق الإنسان؟". فإزاحة الأسد، أو ما شابهه من ديكتاتوريات شمولية، ليس واجبا سياسيا أو حتى أخلاقيا لأية دولة كانت، وحيث لأي من هذه الدولة مجموعة من الحسابات والمصالح التي قد تمنعها عن فعل أشياء من مثل ذلك.

بل ينزاح لأن يكون سؤالا في المضمون الروحي والالتزام الأخلاقي للديمقراطية الغربية، في وعيها لنفسها وللعالم من حولها، وبالتالي لدورها الحيوي والمركزي في كل ما يجري في العالم. أي أن السؤال لا يتعلق بالسلوك السياسي والعسكري الواجب على أية دولة ديمقراطية/غربية أن تتبعه في مواجهة الدكتاتوريات الدموية التي مثل نظام الأسد، حيث يمكن لحسابات ما أن تمنعها، بل هو سؤال عن العوائق النفسية والثقافية والسياسية والبيروقراطية التي كان يمنعها من ممارسة أبسط السلوكيات والخطوات الحقوقية/الأخلاقية تجاه مجزرة مفتوحة مثل المجزرة التراجيديا السورية، منذ عقد كامل وحتى الآن! عن الإجراءات والسياسات التي كان يمكن اتباعها بالحد الأدنى، تلك التي ما كانت تكلف شيئا قط، وفي حيز شديد البداهة، يتعلق بالالتزام الحقوقي والأخلاقي تجاه مجتمعات تواجه محقا مرئيا.

ثمة الكثير من التساؤلات الفرعية التي يمكن أن تنفرز عن ذلك، وعلى رأسها سؤال مركزية قرار المنظومة الغربية.

فإذا كانت دول مثل فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة لا تستطيع أن ترفع مثل تلك الدعوة ضد النظام السوري، لواجبات ومحاذير تتعلق بالتوازنات والمصالح التي تربطها بدولة مثل روسيا، التي تُعتبر حامية للنظام السوري؛ فلماذا لم يكن لدولة أوربية صغيرة، مثل الدنمارك أو اللكسمبرغ أن تفعل ذلك؟ هذه الدول التي ليس من شيء قد يمنعها من فعل ذلك قط، لو التزمت بالحد الأدنى من الواجب الأخلاقي والحقوقي. بالتالي يحق للمتابعين السؤال حول حقيقية وجود مركز سياسي ما لهذا الغرب، يمنع جميع أعضاء منظومته من ممارسة هذه السلوكيات التي لن تكلف شيئا! وإلا لماذا هذا الإجماع المريب على عدم ممارسة بداهة ما بالحد الأدنى، وغير مكلفة!

يُطرح هذا السؤال الأخلاقي والحقوقي على دول المنظومة الغربية الديمقراطية لا على غيرها. لأن المسألة الحقوقية والأخلاقية أولية وتأسيسية بالنسبة لهذه المنظومة لا بالنسبة لغيرها، كما تدعي هي نفسها على الأقل، وكما هو بنية نظامها السياسي والقانوني والثقافي حقيقة.

فالغرب الديمقراطي يُعرف نفسه بناء على ذلك الخيار الحقوقي، ويعتبره ميزته الاستثنائي في كامل الكون. فالمنظومة الأخلاقية والحقوقية التي أنتجها الغرب على شكل دول ومؤسسات وقيم عليا، اعتبارا من أواسط القرن الثامن العشر، هي التي رسمت صورة هذا الغرب وهويته ومركزيته الإنسانية، وبالتالي هي التي أنتجت هذه الموقع القوي والمركزي للغرب في المشهد الإنساني.

لا يشكل السؤال الأخلاقي في الغرب راهنا مجرد نقاش في القضايا الثقافية والروحية فحسب، بل يتسرب لأن يكون نقاشا حقيقيا وواضحا في مصالح وموقع هذا الغرب

المسألة الأخلاقية في الغرب، بالذات منها الالتزام بالحقوق الأولية للإنسان، كانت الجوهر المؤسس والمفرز للحداثة السياسية والاجتماعية والمعرفة والعلمية، وبالتالي المنتجة لمؤسسات الدولة الديمقراطية ونُظمها، وكل ما يخطر على البال من أدوات القوة العالمية، التي أنتجت هذا الغرب القوي والمتفوق على المستوى العالمي. هذا الموقع وتلك القوة التي فرضت على هذا الغرب مجموعة من الالتزامات والقيم، حسب ما بُني وتفوق على أساسه، أي المنظومة الأخلاقية لحقوق الإنسان.

لم تكن تلك القوة والمركزية الغربية التي انفرزت عن المنظومة الأخلاقية مجرد قيم ومبادئ عُليا فحسب، بل كانت إنتاجا فعليا للقوة المحضة. فدول مثل فرنسا والمملكة المتحدة أصبحت قوى حاكمة في المنظومة الدولية، ولم تصبح دول أكبر حجما وسكانا مثل الهند والبرازيل في تلك المواقع، ليس بناء على قوة الدولتين الأولتين الاقتصادية والعسكرية فسحب، بل أيضا حسب قدراتها ودورها في إنتاج هذه الحداثة الإنسانية. ومثل ذلك ثمة أمثلة لا تُحصى لأفضلية الغرب على باقي الكيانات العالمية، بناء على العلاقة الصميمية والتداخلية مع المنظومة الأخلاقية والحقوقية مع القيم الإنسانية العُليا.

لا يشكل السؤال الأخلاقي في الغرب راهنا مجرد نقاش في القضايا الثقافية والروحية فحسب، بل يتسرب لأن يكون نقاشا حقيقيا وواضحا في مصالح وموقع هذا الغرب. إذ ليس من شيء قد يميزه عن النمور الاقتصادية المزاحمة له سواء مثل تلك الميزة الإنسانية، ولا يحق له طلب تعاطف إنساني عالمي في مواجهته لآفة التطرف والإرهاب دون إصراره على روحه الأخلاقية تلك. 

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.