EDITORS NOTE: Graphic content / Iraqi protesters hold a national flag national flag as they take to the streets to mark the…
يكفي احتجاجات تشرين منجزا أنها حددت خطوطا فاصلة بين مَن يسعى للسلطةِ ويريد البقاءَ ضمن المنظومة الحاكمة والمتنفذة ومَن يريد الإصلاح

لا تزال الفجوة الإدراكية بين جمهور الاحتجاجات وبين الطبقة السياسية في العراق تتقاطع في مفهوم النظام السياسي الذي يريده ويبحث عنه المواطن العراقي، وبينما يحاول السياسيون ترسيخ بقاء وديمومة المنظومة السياسية الراهنة. وعند هذه النقطة الخلافية تحديدا يكمن صراع الإرادات؛ بين احتجاجات تطالب ببناء مفهوم جديد للدولة يكون هدفها رعاية المواطن وليس رعاية مصالح الاقطاعيات السياسية، وبين منظومة سياسية تدير الدولة وفق منطق التخادم المصلحي بين مافيات عائلية وحزبية وجماعات مسلّحة.

ومنذ 2003 حتّى الآن، فشلت الطبقةُ السياسيةُ في تغيير الصورة النمطية للعلاقة بين المجتمع والدولة، لا بل عملت على تعميق الأزمة بينهما. إذ عمدت إلى قتل الدولة وضياع دمها بين المكونات الطائفية والقومية، وجعلت المجتمع يتخندق وراء الهويات الفرعية، وتحول بعض سياسيينا إلى زعماء وحماة المذهب والقوميات. كل هذا يحدث في ظلّ غياب تام لأي مشروع لإعادة بناء الدولة.

حتّى العنف الذي يفترض أن تحتكره الدولة ومؤسساتها، تنازلت عنه الأحزاب والقوى السياسية بعد 2003 لصالح ميليشياتها التي شكلتها بأيام المعارضة وظلَّت تحتفظ بها وتشرعن وجودَها وتعمل على تغلغلها داخل المؤسسات السياسية والأمنية لتعمل بعناوينها المليشياوية وليس بعنوان الدولة.

صحيح أن النظام الدكتاتوري أُسقِط في العراق، لكن نمط التفكير بالسلطة لم يتغير. وما تغيَّر هو تمركز السلطة، إذ تحولت من الحاكم الدكتاتوري والقائد الأوحد، إلى منظومة حاكمة تتقاسم السلطةَ فيها زعاماتٌ أوليغارشية. لذلك أقولها مرارا وتكرارا مَن هم في السلطة الآن لم يعارضوا نظام الحكم السابق على وفق مبدأ رفض الدكتاتورية، وإنما لأنه كان يقف حائلا أمام مشاركتهم بمغانم السلطة.

واهم من يعتقد أن احتجاجات تشرين لم تحقق أهدافَها، إذ يكفي أن يحسب لها منجَزا بأنها كسرت صنمية الزعامات التي كانت تتفاخر بأنها هي لوحدها تحرّك الشارعَ وتحشّد للتظاهرات

ولا يمكن وصف النظام السياسي في العراق على أساس العلاقة بين السلطات، كما عمدت أدبيات الأنظمة السياسية والقانون الدستوري، فهو نظام سياسي هجين عنوانه برلماني، لكن من يتحكّم بالقرار السياسي زعماء الطبقة السياسية وليس المؤسسات. إذ يوفّر هذا النظام فرصة لزعماء الطبقة السياسية للعب دور السلطة والمعارضة في آن واحد، فالتوافقات والصفقات تقوم على أساس توزيع المناصب في الحكومة من معادلة الأوزان الانتخابية التي تُترجَم بعدد المقاعد البرلمانية، ولذلك تكون مهمة الانتخابات في هذا النظام ليس مدخلا لشرعيته وإنما موسم لتقاسم الحصص في الحكومة. وعليه فإن فَهم هذه المعادلة يجعلنا محصَّنين من خديعة المنادين بتغيير النظام السياسي مِن زعماء السلطة والنفوذ بهذا النظام.

ومن جانب آخر باتت المنظومةُ السياسيةُ تعمل على أساس تغييب المعايير المؤسساتية الراسخة والآليات الديمقراطية، وترسيخ علاقات الولاء والتخادم لتكون الآلية المهيمنة في العمل السياسي. ومن خلال اعتمادها على مبدأ الزبائنية السياسية، عملت هذه المنظومة على إنتاج فوارق اجتماعية تسمح لجماعات معينة بميزات أفضل من الجماعات الأخرى لتنتج لنا طبقات اجتماعية ـ سياسية طفيلية باتت تهيمن على المجال العام.

ولذلك كرَّست المنظومةُ السياسيةُ حالةَ التشرذم الاجتماعي عبر السياسات الإقصائية ومبدأ العلاقات النفعية لتساهم بتعزيز الانقسام بين الفئات المنتفعة والجماعات التي أصبحت تعيش على الهامش. ومن ثمَّ، بدا أن هذه المنظومة تعمل من أجل ترسيخ وجودها على أساس علاقات نفعية تربط بين السياسي والفئات الاجتماعية المستفيدة، ومن هنا خُلِقَت ممانعة لأي إصلاح سياسي أو اقتصادي.

وبعد أن أوصلنا العمل بهذه المنظومة السياسية إلى مأزق الانسداد السياسي، جاءت حركةُ الاحتجاجات لتعبّر عن رفض بقاء هذه المنظومة ومن يتحكّم بها داخليا وخارجيا. لكن ممانعتها كانت أقوى من حراك احتجاجي يقوده جيل شبابي لم يجد غير التجمّع في الساحات العامة للمطالبة بحقوقه، ويواجه سلطة تتحكّم بها جماعات وأحزاب لا تعرف غير لغة التخوين والقتل ضدّ كل من تعتقد بأنه يهدد بقاءَها بالحكم، وتقف خلف هذه السلطة أرتال من الفئات المنتفعة.

معركة الاحتجاجات مع أحزاب السلطة ومنظومتها الحاكمة تعبّر عن فعل وممارسة لرفضِ توزيع السلطة على أساس تمثيل الهويات الفرعية، الشيعية والسنية والكردية. ولذلك هي معركة طويلة

على الرغم من ذلك، فإن هذه المنظومة بكل تغوّلها وجبروتها، ورغم أنّها تجيد لعبةَ المراوغة والتسويف والمماطلة، لكنّها لا يمكن أن تبقى صامدة أمام إرادة جيل الشباب الذي بات يرفض الإبقاء على دوره هامشيا في المجال العام، ويفرض واقعا سياسيا محكوما بثنائية لا تقبل الحياد؛ فإمّا أن تكون مع مطالب جمهور المتظاهرين أو تكون خاضعا لرغبة القوى والزعامات التي تُدير وتتحكم بمنظومة السّلطة والتي بدأت تصدأ وتتآكل تحت تأثير حركة الاحتجاجات وعجزها عن اكتساب شرعية المنجَز.

وواهم من يعتقد أن احتجاجات تشرين لم تحقق أهدافَها، إذ يكفي أن يحسب لها منجَزا بأنها كسرت صنمية الزعامات التي كانت تتفاخر بأنها هي لوحدها تحرّك الشارعَ وتحشّد للتظاهرات. ويكفيها منجزا أنها حددت خطوطا فاصلة بين مَن يسعى للسلطةِ ويريد البقاءَ ضمن المنظومة الحاكمة والمتنفذة ومَن يريد الإصلاح.

وكذلك يكمن المنجزُ الحقيقي الذي حققته حركة الاحتجاجات في محاولتها السعي لتغيير الوعي بأزمة المنظومة السياسية التي همشَّت المواطنَ وأبعدته من حساباتها واختزلته بعناوين طائفية وقوميّة. ولذلك هي تؤسس لمرحلةٍ مستقبلية مهمتها أكبر من تغيير سطحي في الحكومة من خلال استبدال النخب الحاكمة مع بقاء المنظومة السياسية فاعلة ومتحكمة.

ومعركة الاحتجاجات مع أحزاب السلطة ومنظومتها الحاكمة تعبّر عن فعل وممارسة لرفضِ توزيع السلطة على أساس تمثيل الهويات الفرعية، الشيعية والسنية والكردية. ولذلك هي معركة طويلة وممكن الرجوع إلى أنطونيو غرامشي لوصفها بأن: "القديم يحتضر، والجديد لا يستطيع أن يُولَد، وفي هذه الفترة الفاصلة، تظهر أعراض مَرَضية شديدة التنوّع".

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.