FILE PHOTO: People gather at the Place de la Republique in Paris, to pay tribute to Samuel Paty, the French teacher who was…
تجمع تضامني مع الأستاذ الفرنسي المقتول

في الخامس من شهر أكتوبر الحالي قام صاموئيل باتي، وهو رب أسرة وأب لطفل في الخامسة من العمر ويعمل أستاذا للتاريخ والجغرافيا والتربية المدنية في مدرسة إعدادية بإحدى ضواحي باريس، قام بتنظيم حلقة نقاش حول حرية التعبير في الصف الثالث إعدادي، تناولت بعض الرسوم الكاريكاتيرية التي نشرتها صحيفة شارلي إيبدو حول النبي محمد، واقترح على الطلاب الذين لا يريدون المشاركة في الحلقة عدم النظر إلى الرسوم.

بعد عدة أيام قام إبراهيم شنانيا وهو والد إحدى طالبات باتي بحملة على الإنترنت تضمّنت تسجيلات تحضّ على التعبئة ضد الأستاذ، وصفه فيها بالمجرم وناشد من تصله الحملة بالتعاون لدفع الأستاذ للتوقف "لا تلمس أطفالنا"، ووضع على الموقع اسم الأستاذ وعنوان المدرسة، وفي التاسع من أكتوبر اشترك موقع مسجد "بانتان الكبير" على فيسبوك في الحملة على الأستاذ ونشر تسجيلا لوالد الطالبة الغاضب، كما قالت تسريبات صحفية إن التحقيقات أشارت إلى أن من قتل هذا الأستاذ تواصل مع والد الطالبة قبل تنفيذه لجريمته.

تجاوبا مع هذه الحملة قام عبد الحكيم صفريوي وهو داعية إسلامي من أصول مغربية ومؤسس جمعية أحمد ياسين، على اسم الأب الروحي لـ"حركة حماس" الفلسطينية، مع والد أحد الطلاب بزيارة المدرسة وطالب بإيقاف المدرس عن العمل لأنه معادي للإسلام، كما اتّهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتأجيج مشاعر الكراهية ضد المسلمين، وعلى ما يبدو أن الداعية غادر المدرسة غاضبا لأنه وجد أن الأمر لم يكن صادما بنظر الإدارة، وصرّح بأنه يرفض السلوك غير المسؤول والعدواني الذي لا يحترم حق الأطفال المسلمين في الحفاظ على سلامتهم النفسية، وتابع "طالبنا بالتعليق الفوري لهذا النذل لأنه ليس مدرّسا".

الفترة القصيرة بين حلقة البحث التي نظّمها الأستاذ وبين اغتياله توضّح وجود شبكة علاقات قوية بين المتطرفين في فرنسا

في 16 أكتوبر أي بعد 11 يوما فقط من درس حرية التعبير، أتى لاجئ روسي شيشاني حاصل على حق الإقامة في فرنسا في الثامنة عشر من عمره إلى المدرسة، وسأل الطلاب عن الأستاذ ودفع أموالا لبعضهم لإرشاده إليه عندما يخرج من المدرسة، ثم تبعه وهاجمه وهو في طريق عودته إلى منزله وذبحه وقطع رأسه، وصوّر الضحية مقطوعة الرأس ونشرها على تويتر مع رسالة قال فيها "بسم الله الرحمن الرحيم... إلى ماكرون زعيم الكفار، أعدمت أحد كلاب الجحيم التابعين لك الذي تجرّا واستخفّ بالنبي محمد".

الفترة القصيرة بين حلقة البحث التي نظّمها الأستاذ وبين اغتياله توضّح وجود شبكة علاقات قوية بين المتطرفين في فرنسا، ويبدو فيها الشاب الشيشاني صاحب المستوى التعليمي المتواضع الحلقة الأخيرة المنفّذة لهذه الجريمة ولكنها الحلقة الأقل أهمية، بل يكاد يكون هو نفسه ضحية لخطاب الكراهية الذي زرعته في عقله أطراف أخرى أكثر وعيا وإدراكا لما تقوم به، ولذلك قال وزير الداخلية الفرنسية جيرار دارمانان إلى إذاعة أوروبا 1 الفرنسية "من الواضح أنهم أصدروا فتوى ضد الأستاذ" متهما تحديدا والد إحدى الطالبات وأحد الدعاة المسلمين المعروفين. لذلك، فإن اقتصار العقوبة على من يقوم بتنفيذ المرحلة الأخيرة من العمليات الإرهابية لن يحل المشكلة، ولا بد من ملاحقة ومحاسبة كل من يساهم في إيجاد مناخ الكراهية والغضب الذي يؤدي إلى هذا النوع من الجرائم.

ففي هذه الحادثة، بالإضافة للداعية الإسلامي ووالد الطالبة، هناك من أفتى بأن انتقاد النبي محمد هو "جريمة" يجب أن يعاقب مرتكبها بالقتل، في تناقض مع كلمة الرحمن الرحيم التي افتتح بها القاتل رسالته إلى ماكرون، ومع واقع أن النبي محمد في الإسلام بشر يخطئ ويصيب وارتكب حسب القرآن وكتب السيرة عدة أخطاء، كما تعرّض من قومه للهجوم والانتقاد في بدايات الدعوة ثم عفا عمن هاجمه عندما قويت شوكته. ويفهم من الرسالة التي تركها الشاب الشيشاني أن هناك من لقّنه أن أتباع بقية الديانات كفار لذلك ذكر فيها ماكرون كزعيم لهؤلاء الكفار، وكذلك هناك من علّمه أن الإسلام محارب في الغرب ويتم استهدافه دون غيره، مع أن حرية الاعتقاد والانتقاد في العالم الحديث تشمل جميع الديانات.

وبالإضافة إلى هؤلاء، يجب محاسبة كل من يدّعي أنه يستنكر الجريمة الإرهابية ثم يعقبها بكلمة "ولكن" ليجد مبررات لها، وكذلك كل من يضع مناقشة فكرة حرية التعبير مع قطع رأس الأستاذ في كفتين متساويتين، فجميع هؤلاء يجب أن يتحملوا المسؤولية القانونية عن كل جريمة ارتكبها متطرّف غسلوا دماغه بمعزوفات الكراهية. 

وهناك ناحية ينبغي على العرب والمسلمين معرفتها وهي عدم وجود أساس قانوني لتجريم أي شخص نتيجة قناعات أو آراء يحملها، "فازدراء الأديان" هي جريمة فقط في الدول الإسلامية والعربية ولم يعد لها وجود في العالم المتحضّر الذي يعتمد على قاعدة "من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"! (الكهف 29)، رغم أنه في بعض الحالات الخاصة قد يتم فرض غرامة مالية على من يقوم ببعض التصرفات الاستفزازية تجاه بعض المعتقدات، ولكن أغلب الدعاوى التي تقام حول أمثال هذه القضايا لا تنتهي إلى شيء.

يجب أن يتحمّل شيوخ الأزهر مثل غيرهم من رجال الدين مسؤولية كل كلمة قالوها وكل فتوى أصدروها، فلا يجب أن يتمتّع بالحصانة من ينشر مشاعر الغضب ويتسبب في موت الأبرياء

وكان اللافت في الفترة الأخيرة أن الأزهر قد أصبح المرجع الرئيسي للفكر المتطرف وثقافة الكراهية، فشيخه أحمد الطيب اعتبر رسومات "شارلي إيبدو" جريمة وهذا يعني ضرورة معاقبة مرتكبها، كما أن الأزهر اتهم ماكرون بالعنصرية في موقف مماثل للداعية المتطرف الصفريوي، كما يستنكر الأزهر ويغضب من استخدام مصطلح "الإرهاب الإسلامي" رغم مئات الجرائم التي ارتكبها هذا الإرهاب عبر العالم وما نجم عنها من عشرات آلاف الضحايا.

ولذلك يجب أن يتحمّل شيوخ الأزهر مثل غيرهم من رجال الدين مسؤولية كل كلمة قالوها وكل فتوى أصدروها، فلا يجب أن يتمتّع بالحصانة من ينشر مشاعر الغضب ويتسبب في موت الأبرياء، ومع خط الأزهر الحالي لم تعد المنظمات المتطرفة مثل "القاعدة" والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين والإخوان المسلمين و"حماس" و"حزب الله" بحاجة لإصدار بيانات شجب واستنكار لمواقف دول الغرب، بل يكفيها إعادة نشر بيانات الأزهر فهذا يوصل رسالتها دون أن تأتيها اتهامات بالتطرف.

وفي النهاية لا يمكن مواجهة هذا النوع من الإرهاب بدون درجة كافية من الحزم، حتى يعرف كل من يروج لخطاب الكراهية وكل من يجد المبررات لهذه العمليات الإجرامية أنه ستتم ملاحقته ومعاقبته. وبما أن جرائم الإرهاب الإسلامي تستهدف دول الغرب تحديدا نتيجة تطورها العلمي وقوتها الاقتصادية والعسكرية وازدهارها وطريقتها في حب الحياة والاستمتاع بها بدل ثقافة الموت التي يروج لها الإسلاميون المتطرفون، فلا يجب القبول بوجود هؤلاء الأعداء في دول الغرب كقنبلة موقوته تبحث عن أي ذريعة للقيام بجرائم تعبّر عن الحقد الذي يملأ قلوبهم ضد هذه الحضارة، ولا يجب الانخداع بألاعيبهم واستغلالهم لمناخ حرية الاعتقاد واحترام حقوق الإنسان الموجود في الغرب لتوظيف هذه المفاهيم لحماية أنفسهم هناك رغم أنهم لا يؤمنون بها، بل يتحيّنون الفرصة للهجوم على الشعوب التي فتحت ذراعيها واستقبلتهم وحمتهم عندما فرّوا هاربين من حياة البؤس والاضطهاد في بلدانهم الأصلية.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.