Andre Katona packs away his French tricolor after paying his respects to slain teacher Samuel Paty in front of Marseille's town…
اعتراض شيخ الأزهر ومن معه من الحكماء أقرب إلى من يمتعض ألا يكون الانصياع كاملا لأحكام الشريعة الإسلامية، وأن أهل الذمة في فرنسا وسائر الغرب ليسوا صاغرين كما تقتضي العهود معهم

قبل أعوام طويلة، عمد رسّام مغمور لدى صحيفة متواضعة الانتشار، في بلد صغير عند أطراف العالم، إلى "خربشات" عابثة، بعضها فيه قلة ذوق أو استدعاء لمخاوف شائعة في مجتمعه، كلها رديئة فنيّا، لا قيمة لها ولا اعتبار. كان هذا هو الفعل.

أما ردة الفعل، فمد وجزر على مدى الأعوام المنصرمة من غيظ متعاظم على مدى الكوكب، ومظاهرات حاشدة تحرق المباني وتقطع الأرزاق والأعناق، وتتوعد بالويل، وتعلن الحملات لمقاطعة المنتجات، وتطلق الدعوات لقصاص قضائي حاسم في الدنيا والأدعية لعقاب رباني صارم في الآخرة. وصولا، اليوم، إلى موقف قاطع من "مجلس حكماء المسلمين" إذ أعلن، خلال اجتماع عقده برئاسة شيخ الأزهر، عزمه على رفع الدعاوي القضائية، رافضا بشدة استخدام "لافتة حرية التعبير في الإساءة لنبي الإسلام محمد ومقدسات الدين الإسلامي".

شيخ الأزهر وزملاؤه في المجلس ومعهم سائر حكماء المسلمين، يريدون من الرئيس الفرنسي أن يمتنع عن أي نقد للإسلام، إذ في كل نقد إساءة، ويدعون فرنسا كدولة ومجتمع واقتصاد أن تلتزم الأدب إزاء رموز الإسلام، وإلا تحملت مجتمعة عواقب تخلف أي من مواطنيها عن الأمر. ويطالبون فرنسا والعالم أجمع بسنّ التشريعات التي تحظّر الإساءات لدينهم وتعاقبها، إذ هي جرائم لا تغتفر.

أما قطع رأس مدرس آمن في وطنه، فمسألة فيها نظر.

الحاجة ماسة إلى من يلتزم الموقف المبدئي إزاء جرائم العقائديين الإسلاميين دون تحفظ، ولكن من غير أن يجرف في نقده حق المسلمين بأن يعترضوا على تسفيه مقدساتهم

اعتراض شيخ الأزهر ومن معه من الحكماء أقرب إلى من يمتعض ألا يكون الانصياع كاملا لأحكام الشريعة الإسلامية، وأن أهل الذمة في فرنسا وسائر الغرب ليسوا صاغرين كما تقتضي العهود معهم. سوى أن شريعة الشيخ والحكماء ليست هي الحكم في العلاقات الدولية، وفرنسا والغرب ليسوا بذمتهم.

الجلي هنا ليس وحسب أن الإسلام يواجه أزمة ـ هي في واقع الحال أزمات عديدة، أصولية، معرفية، فقهية، سلوكية، فكرية، أخلاقية ـ بل إن العالم ككل، من خلال التصادم بين حرية التعبير والمقدس الديني، يعيش مأزق ضياع مرجعية معنوية عقلية موحدة.

إحدى أزمات الإسلام تخرج هنا إلى العلن في التعارض المفجع بين الفعل ورد الفعل، في أن هذا الدين الحاضن لما يقارب ربع البشرية، هذا الثقل الحضاري على مدى قرابة ألفية ونيف، هذه النعمة الإلهية العظيمة وفق إيمان المؤمنين به، يخرج العديد من أهله عن طورهم، ويتدافع حماته وأتباعه في أفعال قتل وتدمير لا حدود لها في الزمان والمكان، نتيجة بضعة خطوط عابثة لم يرَها أكثرهم، خطّها رجل نكرة.

ولكن الأزمة الأشدّ ربما هي في ضياع الميزان الأخلاقي في اعتبار أن إهانة مفترضة لشخص الرسول في إحدى الحصص الدراسية (في الواقع لم يكن في فعل المدرّس لا نية ولا إشهار لأية إهانة، ولكن ليجرِ التسليم جدلا بأن القصد والعمل كان الإهانة) جزاؤها قتل نفس وتيتيم أطفال وترويع مجتمع.

الفتوى الواردة في العديد من كتب الموروث الديني هي بوجوب قتل من سبّ الرسول. هي فتوى مؤصلة بإجماع العلماء ملزمة واجبة فاضلة، باستتابة أو دونها. المحاولات المعاصرة للاعتذار لها وتبريرها عديدة، على أن هذه الفتوى خارجة عن القياس الأخلاقي، عند العودة إلى معيار للعدالة أو للفضيلة قائم على قدسية الحياة التي لا تعوّض، لا الكلام العابر. علماء الأزهر وغيره، كما يستخلص من كلامهم ووعظهم، يدركون هذه الإشكالية وإن كانوا لا يرغبون بالاعتراض على الفتوى المؤصلة. والقناعة بوجوب قتل من أهان الرسول ليست قائمة ولا هي ملزمة ذاتيا لكل من اعتبر نفسه مسلما. بل جلّ المسلمين ينفرون منها قولا وقلبا.

المبررون للشدة في ردة الفعل يتوقعون من العالم أن ينبهر لصلابة عقيدتهم وعمق محبتهم لرسولهم، ويعتزون بسرد آراء الآخرين التي تشير إلى ما يشابه ذلك. ما لا يلمحونه أو لا يقدّرونه هو أن معظم هؤلاء الآخرين مرتبكون إزاء الاختلال الصادم في ميزان الفعل وردة الفعل، بما يؤدي ذلك إلى توظيف من جانب البعض لوضع العالم الإسلامي ككل خارج إطار العقلانية، بل ينفي عنه صفة الرشد.

مع جريمة قتل صمويل پاتي، العالم بالفعل يواجه أزمة ضياع المرجعية المعنوية والأخلاقية الموحدة حول قيمة النفس الإنسانية وحدود حرية التعبير من جهة والمقدس الديني من جهة أخرى. على أن خطوط التماس في المواجهة في هذا الشأن ليست بين "الإسلام" و "الغرب"، بل هي بين من يلقي على كل من الإسلام والغرب تعريفات تأحيدية، رافضا المضمون المفترض أو مؤيدا له، وبين من يحاول المحافظة على رؤية للقيم مبنية على الفطرة والعقل والأخلاق ومحكومة باعتبارات الحق والعدل والسلام.

ليس ما يفيد بأن الرسّام الساخر قد أراد في يومه ما يتجاوز بعض الإثارة المحلية، وإذ بالنتيجة سياقات إسلامية بكاملها تنقلب رأسا على عقب. فمن الآن وصاعدا، من شاء إرباك دولة ما أو تحويل الأنظار عن موضوع ما، فما عليه إلا ببعض الاستفزاز الطفولي، ليبدو أن عالما بأكمله قد فقد الصواب.

في المقابل، حق الإنسان بأن يستاء من تسفيه إيمانه أو تحقير مقدساته قائم بالفطرة قبل الحجة. والمسألة وحسب هي حول كيفية توجيه هذا الشعور وتأطيره

التفسير السهل لظاهرة المبالغة بردة الفعل هي أن الجمهور الثائر، "عوام المسلمين"، يعاني من تضليل رجال الدين له، خدمة للسلطة أو لإفراط في العقيدة. والحل بالنتيجة سهل بدوره، يبتدئ باستبدال النخبة الدينية الضالّة المضلّة بأخرى منفتحة "تنويرية"، وبتعديل المناهج وإنشاء أجيال منسجمة مع القيم الغربية. في هذه المقاربة أخطاء بنيوية قاضية، ولكنها اليوم تشهد محاولات تطبيق.

تبدو الإمارات العربية المتحدة، بما للدولة من إمكانيات وهيبة وتقدير لدى جمهورها، الأقرب إلى احتمال نجاح مفترض ما في هذا الصدد، في حين أن المملكة العربية السعودية مرتبكة بين قدرة على الحد من دور النخبة الدينية القديمة، لارتباطها العقدي والمادي بأولي الأمر، وبين عجز واضح في استحداث نخبة بديلة. في حين أن مصر، والتي أبدى رئيسها الرغبة بالتحديث، لم تجد السبيل قط إلى تحقيق الإصلاح في المضمون، فاكتفى المناطون بالمهمة بالتصريحات والمؤتمرات والبيانات، قبل أن يعودوا أدراجهم عند الاستحقاقات الجدية، كما في "المواجهة" الأخيرة مع فرنسا، إلى القناعات القديمة الراسخة.

العلة البنيوية الأولى في مسعى التبديل النخبوي هي في أنه يستعيض عن القراءة التسطيحية التي يعتمدها المتشددون، والتي تعتبر بأن التشدد هو الإسلام بعينه وأن عامة المسلمين عليه حكما، بأخرى لا تبتعد عنها من حيث التسطيح، تقول بأن التشدد هو سمة المؤسسة الدينية وحدها، لأغراضها وأغراض أولياء نعمتها، وأن الجمهور تابع طيع لها بحكم خضوعه وخنوعه. أي أن إصلاح الخلل يتطلب استبدال الطالح من العلماء بالصالح ومن ثم توجيه الجمهور، الجاهل بطبعه، نحو المطلوب.

القراءتان، المتشددة والإصلاحية، تتفقان على أن الجمهور مفعول به لا فاعل، وأن الفاعل هو النخبة وأسيادها. لا داعي للانغماس بالطرح المثالي المعاكس، كما في معظم التصورات اليسارية والتي تعتبر أن محرك التاريخ هو الطبقة العاملة، وبعض التصورات اليمينية والتي ترى هذا المحرك في الجماعة القومية، وأن دور النخبة هو إطلاقه وحسب. بل الأنجع القبول بأن المسألة على قدر أكبر من التفاعلية، حيث أن الدفع إلى كل من التشدد والإصلاح مزخوم بمصالح ومواقف فاعلة ضمن الجمهور. فيصبح بالتالي دور النخبة لا التفكير عوضا عن الجمهور لإغداق رؤيتها الفوقية عليه، بل مساندة خروج النزعات والتوجهات الإيجابية من المرجوح إلى الراجح.

في موقف منسجم مع العقيدة العلمائية المقررة، رسول الإسلام لدى معظم الأوساط المسلمة هو من المقدس الديني. وفي موقف يتباعد عن هذه العقيدة، حرية التعبير في الأوساط المسلمة المختلفة استقرت على أنها من الحقوق الطبيعية، وأن القابلة أو الموجبة للتقييد، على تفاوت. مقومات هذا الترتيب وأوزانه تتشابه وتختلف مع ما هو قائم في الغرب. الأولوية هنالك هو للحريات، وحرية التعبير في مقدمتها. حرية التعبير بالتالي تتقدم وتتفوق على المقدس الديني.

ربما أن التجاوز، العملي والنظري على حد سواء، والذي يرتكبه العديد من التقدميين والمنفتحين في المحيطين العربي والإسلامي هو في إعلان التوافق مع القيم الغربية بشأن حرية التعبير على أنها قيم إنسانية "كونية" ملزمة، دون تقدير لمقام المقدس الديني في سياق هذين المحيطين. أي أن المسألة تصبح إدانة فوقية تمتزج فيها المسائل، بما يتيح المجال أمام المتشددين بكسب القاعدة من خلال التدليس.

رجل ذبح في وطنه لأداء مهمته التعليمية. ثم يأتي من يذبحه معنويا ويذبح وطنه بالشتائم، لعلل في نفسه هو

قتل صمويل پاتي جريمة ترويعية موصوفة تستوجب الإدانة دون تحفّظ ودون تلطيف ودون "ولكن...". كلام إيمانويل ماكرون كلام مسؤول متزن، بل كلام واجب من رئيس جمهورية في الظروف التي تواجهها بلاده، ولا ينضوي على أية إساءة إلا لدى من يترصدها أهوائيا. حرية التعبير المطلقة، بما في ذلك الرسوم البذيئة، والتي لا يوفر فيها رسامو "شارلي إيبدو" أحدا، لا من المقامات والرموز الدينية المسيحية واليهودية والإسلامية، ولا من الشخصيات السياسية التاريخية، حق قائم في فرنسا بموجب الدستور والقوانين المرعية، يجوز الاعتراض عليه قولا دون التعدي عليه فعلا. ومن ساء له الأمر من الوافدين فليرحل لطفا للإقامة حيث هذا الحق غير قائم.

في المقابل، حق الإنسان بأن يستاء من تسفيه إيمانه أو تحقير مقدساته قائم بالفطرة قبل الحجة. والمسألة وحسب هي حول كيفية توجيه هذا الشعور وتأطيره، ليبقى التعبير عنه منتجا وربما مقنعا للآخر، لا أن ينحدر إلى المقارعة العبثية.

رجل ذبح في وطنه لأداء مهمته التعليمية. ثم يأتي من يذبحه معنويا ويذبح وطنه بالشتائم، لعلل في نفسه هو. لا يستقيم بأن تكون الدماء تسيل هنالك، واللطميات تصدح هنا تزعم أن المعتدى عليه هو "الإسلام". ولا يمكن التوفيق بين الزعم أن "الإسلام دين السلام والتسامح"، ثم عند أول همسة ناقدة يتعالى الاستهجان بأن الاعتراض هو "حقد على الإسلام"، ويكال سيل من السباب على من تجرأ.

الحاجة ماسة إلى من يلتزم الموقف المبدئي إزاء جرائم العقائديين الإسلاميين دون تحفظ، ولكن من غير أن يجرف في نقده حق المسلمين بأن يعترضوا على تسفيه مقدساتهم. وبالتأكيد على أنه لا تعارض بين حرية التعبير والمقدس الديني، بل السلاح الأقوى في الدفاع عن المقدس الديني هو حكما وفعلا حرية التعبير.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.