صورة لإحدى عائلات دمشق في أربعينيات القرن العشرين (مكتبة الكونغرس)
صورة لإحدى عائلات دمشق في أربعينيات القرن العشرين (مكتبة الكونغرس)

في التاريخ فقط، تتمكن الأمم والشعوب من وعي ذاتها بشكل صحي، وهذا يتطلب قراءة تاريخها كما هو بدون رتوش وعمليات تجميل، ويتطلب أيضا غوصا في تفاصيل الحياة لمعرفة ذلك المنعطف الذي أدى للطريق الخطأ.

هذا ما خطر لي وأنا غائب ملء الوعي عن شوارده من كل ما يحدث في العالم، منهمكا بإعادة قراءة لواحد من أكثر الشخصيات الشامية التي بهرتني منذ صباي بلطفها وطرافتها ونضالها التنويري مع بساطة وتواضع تجعله رجلا عاديا ترك خلفه تراث غير عادي.

أتحدث هنا عن فخري البارودي، الزعيم السوري وكبير دمشق ووجيهها والذي ولد في حي القنوات الدمشقي بقصر العائلة المعروف، وهذا يعكس أصوله الأرستقراطية، والتي لو تتبعها أي مهتم بعلم الاجتماع السياسي لوجد أن جده الأعلى مباشرة هو ظاهر العمر، ملك الجليل الذي كان فعليا بحد ذاته أول ثورة ضد الاستعمار العثماني لبلاد الشام.

بالنسبة لي، تلك معلومة لافتة ومهمة ترسم بوضوح العلاقات الاجتماعية في منظومة بلاد الشام أو سوريا الكبرى فيصبح حفيد ملك الجليل مثلا، زعيم دمشق المتوج شعبيا.

لقد قتلنا نخب التنوير المحلية الخاصة بمجتمعاتنا و "هوياتها" المحلية

في سيرة حياة فخري البارودي المتخمة بالأحداث والمنعطفات والمفاصل أنتبه إلى تفاصيل كثيرة تحمل في داخلها قراءات مهمة لا يمكن العبور عنها بدون توقف.

لكن سأتوقف عند 3 مفاصل مهمة في سيرة حياة الرجل بكل تفاصيلها:

1 ـ الموقف الحازم والتقدمي بتحرير المرأة، وقد ألف زعيم دمشق في ذلك كتابا عام 1934 (تخيلوا معي كم هو مبكر هذا الزمن) وعنونه بفصل الخطاب بين السفور والحجاب، ودعا فيه علانية المرأة السورية المشرقية إلى التحرر من سلطة العادات والتقاليد الدينية، وحثها على التعليم منوها أن المرأة حين تتعلم تنهض بالمجتمع.

نحن هنا أمام رجل سياسة وثقافة ووجه من وجوه سوريا المعروفين يتحدث في ثلاثينيات القرن العشرين بصراحة عن سفور المرأة كخطوة إيجابية في مواجهة التغييب والتعمية والجهل.

وتلك كانت إحدى معاركه الشرسة مع التيارات الدينية والمحافظة التي واجهها فخري البارودي بالجدل والطرافة والمحاججة.

في إحدى حدائق دمشق. الصورة تعودة للفترة الزمنية بين 1890-1900 (مكتبة الكونغرس)

أقارن معركة الرجل (ومعاصريه) في تلك القضية التي يتم عمدا إخفاء حقائقها التاريخية عبر إنتاج بصري مكلف وباهظ للدراما التي تصور المرأة في البيئة الشامية في ذلك الزمن نموذجا عن شخصية "أم عصام" في المسلسل البائس والشهير للأسف، "باب الحارة".

ثم أقارنه، بمن يطرحون أنفسهم بالشخصيات التنويرية في زماننا المعاصر، وقد أحبوا لقب "نسويين ونسويات" فأتأسف على تلك الشجاعة في الطرح التي حملها البارودي لا بقصد خوض معارك وحسب لغايات الظهور، بل لخوضه معركته الفكرية التي آمن بها لصالح مجتمعه، بدون أي شبهة تمويل تكسر صفاء الفكرة.

لقد كانت فكرة البارودي أصيلة منبثقة من المجتمع الشامي الضيق، والمجتمع السوري الكبير المتنوع، وهي فكرة تحمل آخر بقايا مناهضة التصحر الوهابي المتوغل في الأطراف السورية منذ القرن التاسع عشر.

نحن هنا أمام رجل سياسة وثقافة ووجه من وجوه سوريا المعروفين يتحدث في ثلاثينيات القرن العشرين بصراحة عن سفور المرأة كخطوة إيجابية في مواجهة التغييب والتعمية والجهل

2 ـ التوقف التالي كان عند منهجية الرجل في السخرية والظرف كأداة يخوض بها مجمل معاركه، وتلك من أذكى الأدوات التي يمكن استخدامها ما دامت لا تهبط إلى التهريج أو التفاهة.

وفي زمن السخرية والكاريكاتير الذي صار جزءا من صراع الحضارات المجنون، أقرأ أن زعيم دمشق أحد أكثر وجوهها وقارا في التاريخ الحديث كان قد شارك في تأسيس مجلة ساخرة اسمها "حط بالخرج"، وكتبها وحررها مع مجموعة من الكتاب باللغة الشامية المحكية وسخر فيها من السلطة والفرنسيين والعثمانيين، ورجال الدين، وهذا المشروع ـ وتلك مفاجأة ـ كان في عام 1909، يعني في ظل السلطة العثمانية الاحتلالية، وقبل الثورة العربية على ذلك الاحتلال، ومع ذلك، لم يخرج متطرف مهووس بقطع رأس البارودي آنذاك.

3 ـ التوقف الأخير والأكثر لفتا في تفاصيله كان في عام 1949، حيث توجه فخري البارودي العاشق للموسيقى والطرب إلى أصدقائه من أثرياء دمشق، لينفقوا على تأسيس "النادي الموسيقي الشرقي" والذي اتخذوا له مقرا في حي ساروجة العريق في دمشق، وبالتعاون مع من يعرفهم من موسيقيين تعاقد البارودي بعقود احترافية مع أساتذة موسيقى (منهم من جلبه من النمسا)، ثم وظف نفوذه الاجتماعي والسياسي في حكومة الرئيس شكري القوتلي ليحصل على بند نفقات في موازنة وزارة المعارف، فكان ذلك أساس ونواة "المعهد الموسيقي" في سوريا.

اللافت جدا أن المشروع التقدمي المذهل تعرض للإجهاض الممنهج، لا على يد سلفية دينية متطرفة (وكان وجود هؤلاء لا يذكر في حياة السوريين)، بل على يد مؤسس حزب البعث ما غيره: ميشيل عفلق والذي كان أيامها قد تولى منصب وزير المعارف في الحكومة السورية، فقام في نهاية عام 1949 بشطب بند الإنفاق على النادي الموسيقي من الموازنة لأنه رأى فيه إسرافا ونفقات غير مجدية!

♦♦♦

ما الفكرة من هذا المقال؟ وما هي الخلاصة فيه؟

في خضم الجدل المجنون والذي وصل في بعض مفاصله إلى نقاشات مسعورة غاب فيها وعنها العقل، بعد أزمة اغتيال المعلم الفرنسي البشعة، آثرت شخصيا أن أعود إلى قراءات تاريخية واجتماعية في تاريخ المنطقة، وهالني ما خرجت به من مقارنات بين عصر التنوير الحقيقي في زمن ما قبل ثورة تكنولوجيا المعلومات، و"التنويريين" في مشرقنا العربي في زمن الثورة المعرفية في التكنولوجيا.

اللافت جدا أن المشروع التقدمي المذهل تعرض للإجهاض الممنهج، لا على يد سلفية دينية متطرفة، بل على يد مؤسس حزب البعث

لقد كانت بداية انحطاط المشرق العربي الحقيقية تكمن بين فكي كماشة، الأولى هي تمدد التصحر الوهابي القادم بكل ما يحمله من تطرف وجهل وإقصاء، والثانية كانت في العسكرتاريا التي اتخذت من الشعارات الرنانة والجوفاء منهجية لا تقل تطرفا ولا جهلا ولا إقصاء في سبيل بسط سلطتها بأي ثمن.

لقد قتلنا نخب التنوير المحلية الخاصة بمجتمعاتنا و "هوياتها" المحلية.. فقتلتنا الردة، وصار الواحد فينا ـ فعليا ـ يحمل في الداخل ضده.

♦♦♦

وفي استطراد هو تأمل أكثر منه دراسة متخصصة في الشعر والبلاغة:

فإن فخري البارودي هو نفسه صاحب النشيد الأكثر شهرة وقد رددناه ببلاهة طويلا في طوابير الصباح والمساء، ومطلعه: بلاد العرب أوطاني.

وبعد قراءة "تأملية" في النشيد لأول مرة في حياتي أكتشف عمق الفكرة عند البارودي حين يقول: لسان الضاد يجمعنا... بغسان وعدنان.

الرجل يقول ببساطة أن لا شيء يجمعنا بغسان وعدنان إلا لسان الضاد: اللغة.

وهذا ـ حسب قراءتي الشخصية ـ طرح لحالة كومنولث نادرة تجمع الناطقين بالعربية، وليس نداء لوحدة قومية ساذجة تجمع ما لا يمكن جمعه من الخليج ـ إياه ـ إلى المحيط ـ ما غيره ـ فأسسنا عليها كل خيباتنا من تاريخه حتى اليوم.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.