Muslim women hold up placards during a protest outside the French embassy in the  Jordanian capital Amman on October 27, 2020…
اعتصام أمام السفارة الفرنسية في عمان

"الغرب يكره الإسلام والمسلمين".

"الإرهاب مؤامرة غربية لتشويه صورة الإسلام والمسلمين".

"الغرب يخاف من انتشار الإسلام".

♦♦♦

بهذا المنطق، وكما كتب صديق صحفي مغربي، يفترض أن الغرب لا يَدْرس، لا يُنجز أبحاثا، لا يَصنع ولا يُصَنِّع. لا ينتج. يفترض أن كل أخبار الاختراعات العلمية ملفقة، إذ ليس للغرب وقت للاختراع أو الدراسة... هو فقط مهووس بنا مشغول بعدائه لنا.

الغرب لا يخاف الصين، وهي القوة العظمى القادمة. لا يحاربها ولا يسعى لتشويه معتقداتها ولا يصنع الإرهاب باسمها.

الغرب لا يكره اليابان التي دمرتها أميركا سابقا بقنبلتين ذريتين، ولا اليابان تتحجج بهذا الماضي الأليم وتتوقف عنده لكي تبرر تخلفا ممكنا... بل أنها، حكومة وشعبا، بنت بلدها مجددا وجعلته من أقوى الاقتصادات العالمية ومن أكبر الدول المصنعة والمبتكرة عالميا.

ما دمنا نصر أن الخلل في الآخر، فسنبقى نتخبط في أمراضنا إلى ما لا نهاية!

سنغافورة التي كانت إلى حدود الخمسينيات دولة جد فقيرة، لتصبح، بفضل التعليم ومحاربة الفساد، دولة قوية متقدمة آمنة... لا يتآمر الغربيون ضدها حسدا أو خوفا منها.

الهند، التي أنهكها الاستعمار البريطاني وقسّمها فعليا. حتى هي، لا يتآمر الغرب ضدها.

وحدها مجتمعات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يستهدفها الغرب الكافر ويتآمر ضدها. يستيقظ الرؤساء وتستيقظ الشعوب وهي مشغولة كيف تتآمر ضد المسلمين وتغضب مشاعرهم وتساهم في تخلفهم.

رجاء... متى سنتوقف عن هذه النرجسية المرضية وعن نظرية المؤامرة؟

ما الذي نملكه والذي يجعل العالم يتآمر ضدنا؟

معظم اقتصادات الدول المتطورة في أوروبا وآسيا اعتمدت على التعليم الجيد، البحث العلمي والتصنيع.

هل هناك بلد واحد في منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط يصنف تعلميه ضمن أحسن بلدان في العالم، على مستوى التعليم؟

هل هناك بلد واحد في المنطقة يضاهي مستوى التصنيع فيه، الدولَ الآسيوية التي انطلق معظمها من الفقر والحرب؟ (الحديث هنا عن التصنيع، وليس عن اقتصادات استثنائية في المنطقة تطورت بفضل تطوير الخدمات). هل يوجد بلد واحد من المنطقة يملك مستوى تصنيعٍ ينافس ألمانيا أو اليابان؟

لماذا سيتآمرون ضدنا؟

بالفعل، للغرب مصالحه الاقتصادية والجيوسياسية التي يدافع عنها، وأحيانا بأحقر الطرق. لكن، علينا أيضا أن نمتلك شجاعة الاعتراف أن كل مشاكلنا، من تطرف وإرهاب وتخلف وفقر، هي أساسا ناتجة عن تراكمات داخلية، قد يستغلها الغرب... لكنَّ أصل الداء فينا.

حتى حديثنا عن "العلماء المسلمين" الذين أناروا الطريق للغرب، هو مجرد وهم نتعلق به لعلّنا نجد بعض نور في طريقنا.

هؤلاء العلماء، في معظمهم، تعرضوا للتكفير والاتهام بالزندقة وحتى القتل أحيانا من طرف مجايليهم أو حكام تلك الفترات. كذلك، فهم يشكلون حالات فردية منعزلة. عباقرة تميزوا في زمانهم كما تميز غاليلي في زمن كانت فيه الشعوب المسيحية متخلفة رافضة للعلم. 

لكن، هل سمعنا يوما في تاريخ دول المنطقة، منذ خمسة عشر قرنا وإلى غاية اليوم، اللهم بعض الاستثناءات القليلة، عن مأسسة التعليم والبحث العلمي وتطوير الصناعة؟ هل هناك دولة اهتمت بالإنسان المواطن وصممت نظاما اجتماعيا يحارب الفقر والمهانة، خارج نظام الصدقة والإحسان؟ 

في زمننا الحالي، هل هناك دولة في المنطقة قررت مثلا أن هدفها، بعد عشرين سنة، هو التطوير الفعلي للصناعة، أو التطوير الجدي (وليس عبر الشعارات) للتعليم والبحث العلمي؟ كم هي ميزانيات دولنا في البحث العلمي؟

حديثنا عن "العلماء المسلمين" الذين أناروا الطريق للغرب، هو مجرد وهم نتعلق به لعلّنا نجد بعض نور في طريقنا

فكيف، بكل هذا، نتخيل أن الغرب يترك التعليم والصناعة وكورونا... ويتآمر ضدنا؟ ما الذي سيخيفه عندنا حتى يرغب في تدميرنا وتشويه صورتنا دونا عن العالم؟

حتى الإرهاب الذي نتبجح أنه صناعة غربية. حين ضربت الكعبة بالمنجنيق عقودا قليلة بعد وفاة الرسول، هل كان ذلك مؤامرة من الغرب؟ حين قتل عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب باسم الإسلام، وهم خلفاء الرسول وأقرب أقربائه، هل كان ذلك مؤامرة من الغرب؟ تفاصيل قتل عثمان بن عفان والتمثيل بجثته ورفض دفنه في مقبرة إسلامية بحجة أنه كفر (وهذا كله موثق في أمهات الكتب السنية) وهو ثالث الخلفاء... كل هذا يفترض أن تجعلنا نستفيق من وهم مفاده أن الإرهاب كصناعة غربية.

نحتاج اليوم لأن نستفيق من أوهامنا المتعددة لكي نبني ولكي نطور مجتمعاتنا. نحتاج لأن نواجه ذواتنا بأشكال الخلل الساكنة فينا.

ما دمنا نصر أن الخلل في الآخر، فسنبقى نتخبط في أمراضنا إلى ما لا نهاية!

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.