A relative of the sacristan victim of a knife attack cries in front of the Basilica of Notre-Dame de Nice in Nice on October 29…
قريبة أحد ضحايا الهجوم على كنيسة في مدينة نيس الفرنسية

لا بد من التوقف عند السجال الذي رافق الجريمة المروعة التي ارتكبها المراهق الشيشاني في فرنسا عبر قطعه رأس المدرس، والذي خاضه مثقفون وناشطون عرب أو من أصول عربية، وهم بدورهم هالتهم الجريمة، فقد ارتأى بعضهم أن يضع الجريمة في سياق أزمة المجتمعات الأوروبية وخصوصا منها المجتمع الفرنسي، واعترف بعضهم الآخر بأزمة الإسلام، إلا أن هذه الأزمة بحسبهم لم تكن وحدها وراء الجريمة، إنما أيضا هي استجابة لما تعيشه أوروبا من أزمات، لعل أبرزها صعود اليمين المتطرف في معظم دولها.

أوروبا في أزمة، لا بل في أزمات، ولكل دولة فيها حكايتها الخاصة وتوتراتها الخاصة بما يتعلق بصعود اليمين وانخفاض مستويات التسامح. وهي، أي أوروبا، تفكر في نفسها، وتناقش وتتأمل وتقلق، وينقسم ممثلو النقاش بين من يعيد صعود اليمين إلى موجات النزوح واللجوء، وبين من يعيده إلى الاختناق الاقتصادي والركود الذي يضرب العالم. ولنا كل الحق في أن نكون جزءا من هذا النقاش. لنا الحق كبشر ننتمي إلى قيم تقول أوروبا إننا جزءا منها، ولنا الحق أيضا كأفراد صادرين عن ثقافة صارت جزءا من ثقافة القارة العجوز ومن فسيفسائها. 

الأمر مذهل فعلا، والإسلام في مأزق فعلي، ذاك أن ممثليه في هذا السجال الجوهري بلغوا من الحمق ما يهدد فرص وجود مكان لهذه الثقافة خارج إمارات "التوحيد والجهاد"

أما أن نقحم هذا النقاش بأزمة الإسلام بصفتها جزءا من أزمات القارة، وفي لحظة جريمة حملت توقيعا لا لبس فيه، وهو توقيع يردها إلى هوية وإلى مشهد متصل بممارسات لطالما أعادتنا إلى نصوص دينية ما زالت حية ومعتمدة، فهذا ينطوي على ميل إلى تنصل (ثقافي) من الجريمة.

الجريمة هي لحظة من المفترض أن تأخذ النقاش نحو مسؤولية المسلمين ومسؤولية الإسلام عن قضايا الاندماج والقبول بثقافة يمثل فيها أقلية. "الحق في السخرية" ليس جزءا من أزمة صعود اليمين المتطرف في أوروبا، وتحديدا في فرنسا. ثم أنه لماذا لا يستهوينا نقاش دور الانهيارات الاقتصادية الكونية في صعود هذا اليمين، ونقدم عليه صدام الهويات، وميول التقوقع والانكفاء، علما أن المعضلة الأولى هي مصدر الثانية! 

لكن، قبل أن نصل إلى هذا المستوى من الخلاف مع أصحاب مقولة المسؤولية الفرنسية عن الجريمة، أو مع أصحاب مقولة مسؤوليتا فرنسا والإسلام، لا بد من التذكير بأن الجريمة مناسبة للتفكير في الإسلام، وتحديدا في أوروبا، أما مأزق فرنسا مع نفسها ومع نظامها ومع علمانيتها، فهذا جارٍ التفكير فيه والخلاف حوله، والجريمة دفعته نحو مستويات خطيرة على فرنسا، ولكن أيضا على مسلميها ومهاجريها بالدرجة الأولى. إنها، أي الجريمة، مساهمة الإسلام الراديكالي في هذا النقاش وفي هذا الانقسام.

لكن لهذا المشهد سياقات أخرى أكثر وضوحا وتأثيرا، فقد تجندت في المعركة على فرنسا دول وأحزاب ووسائل إعلام شديدة التأثير. قناة الجزيرة التي تنعقد حولها أمزجة جماعات الإخوان المسلمين في معظم دول العالم لم تستعن بالتقية لتصريف مأزق الإسلام الذي عبرت عنه الجريمة. القيم الفرنسية وراء الفعلة الرهيبة للمراهق الشيشاني. على الفرنسيين أن يعتقدوا بذلك، وعليهم أن يتحملوا مسؤولية انتخابهم إيمانويل ماكرون رئيسا. الأزهر بدوره قرر رفع دعوى قضائية على صحيفة "شارلي إيبدو". هذه الخطوة تجعل من جريمة المراهق الشيشاني أمرا طبيعيا، ذاك أنه ارتكب جريمته ردا على نفس الرسوم التي قرر الأزهر أن يقاضي الصحيفة عليها.

إردوغان حوّل البرلمان التركي إلى تكية صوفية أثناء نقاشه الإجراءات الفرنسية في أعقاب الجريمة، والأزهر الذي كان رفض أن يصدر فتوى تكفير لـ"داعش" قرر مقاضاة "شارلي إيبدو"!

الأمر مذهل فعلا، والإسلام في مأزق فعلي، ذاك أن ممثليه في هذا السجال الجوهري بلغوا من الحمق ما يهدد فرص وجود مكان لهذه الثقافة خارج إمارات "التوحيد والجهاد". رجب طيب إردوغان، الشريك الأكبر في "الجهاد في سوريا" حوّل البرلمان التركي إلى تكية صوفية أثناء نقاشه الإجراءات الفرنسية في أعقاب الجريمة، والأزهر الذي كان رفض أن يصدر فتوى تكفير لـ"داعش" قرر مقاضاة "شارلي إيبدو"! أليس هذا كافيا للقول بأن الإسلام في أزمة، وأن هذه الأزمة انتقلت معه إلى أوروبا؟ 

وقد يتفق المرء مع أصحاب مقولة أن أزمة الإسلام وصلت إلى أوروبا والتقت هناك بأزمات تلك القارة وعقدا قرناهما وأنجبا المراهق الشيشاني، لكن هذا نقاش لاحق، ويجب أن يسبقه تفكير بالنفس بصفتها أمارة بالسوء. فـ"شارلي إيبدو" حين ذهبت في هزئها من الأديان إلى حيث تتيح لها الحرية فعل ذلك، صار بوسعها أن تفعل ذلك بعد أن فكرت فرنسا بنفسها وأعطت الحق للصحيفة بأن تذهب في رسوماتها إلى حيث تريد، طالما أن فعلتها لا تنتقص من حرية الآخرين ولا تهدد حياتهم.

لكي نصبح جزءا طبيعيا من فرنسا، كمسلمين مؤمنين وغير مؤمنين، علينا أن نعتقد أن لـ"شارلي إيبدو" الحق في أن تنشر رسومها. هذا تفصيل صغير في السجال، وبعد ذلك نبدأ بالمشاركة في النقاش حول مسؤولية فرنسا عن صعود يمينها، وإطاحته بوسطها ويسارها.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.