The Bahraini, Israeli and US flags are picture attached to an air-plane of Israel's El Al, adorned with the word "peace" in…
ما حدث في الأسابيع الماضية هو تطور تاريخي يفتح المجال لمقاربات جديدة لحل مشاكل المنطقة

الذين يراهنون بأن نتيجة الانتخابات الرئاسية الأميركية سوف تعطل من مسار إقامة العلاقات بين الدولة العربية وإسرائيل، هم ببساطة واهمون. الراجح أن هذه المسيرة سوف تتواصل بغض النظر عمن سيفوز بالبيت الأبيض. لماذا؟ لأن لها أساس عميق في الواقع كما سنرى بعد قليل.

تخطي الحواجز

وبالنسبة لأي مراقب أميركي أو دولي فإن ما حدث في الأسابيع الماضية هو تطور تاريخي يفتح المجال لمقاربات جديدة لحل مشاكل المنطقة. وهو تطور لم يكن ممكنا تصور حدوثه قبل سنوات قليلة فقط.

إن الأهمية التاريخية لاتفاقات السلام بين الدول العربية وإسرائيل لا تكمن في الخطوة نفسها، وإنما في التحول الذي طرأ على العقلية العربية والذي جعلها لأول مرة قادرة على تخطي الحواجز النفسية والأيديولوجية المنيعة، واجتراح حلول غير مسبوقة لقضية مضى عليها عقود. وهو أمر قد تكون له أيضا انعكاسات إيجابية على الطريقة التي سوف تعالج بها هذه الدول مشاكلها الأخرى.

كما أن أهمية إنهاء حالة العداء بين الدول العربية وإسرائيل لا تكمن في عدد الدول التي سوف تتخذ هذه الخطوة، ولكن في أن المنطقة برمتها تشهد بداية تحول في اتجاه جديد، يقوم هذه المرة على قراءات حصيفة للواقع، وما يفرزه من تحديات وما يجلبه من فرص. ومن الواضح أن المزيد من الدول، تتطلع إلى اللحاق بالمسار الذي اتخذته الإمارات والبحرين والسودان.

صنم الأيديولوجية

ولسنوات كانت المنطقة رهينة لأصحاب الشعارات والعقائد الأيديولوجية على الجانبين، وكان من الممكن رؤية الوقت الذي تم إهداره وحجم الفرص التي جرت إضاعتها وكذلك المآسي التي تسببت بها للشعوب والمجتمعات المحلية.

والواقع أن جدار الشعارات والعقائد الأيديولوجية لا زال قائما في المنطقة، لكن الاختراق الذي تحقق، قد أحدث ما يكفي من الشقوق في هذا الجدار، على أمل سقوطه ذات يوم.

ما هو الجوهري في مشاكل المنطقة؟

تعاني منطقة الشرق الأوسط من مشاكل جمة، فهناك المشاكل الاقتصادية وهناك الجمود السياسي والتطرف الديني وهناك الاحتراب الأهلي والطائفي.. إلخ، لكن في القلب من هذه المشاكل تكمن الروح الأيديولوجية المعطلة لكل تقدم أو تطور. وتغذي هذه الروح التصورات السلبية والإحباط لدى المواطنين العرب، كما تنفخ في نظريات المؤامرة والتي تصور بأن مصائر هذه الشعوب مرهونة بالخارج وأن ثمة من يتآمر عليها وأن الحلول لا بد أن تأتي من مكان معين، في الغالب من ماض سحيق، متخيل وغير قابل للتحقق والإثبات.

كما يشكل الخلط بين التصورات الدينية والعقائدية والقرارات السياسية والاقتصادية والمجتمعية وصفة مسمومة لطالما أنهكت المجتمعات العربية ونخبها السياسية والثقافية وجرتها إلى معارك خارج نطاق ساحة الفعل الرئيسية المستوجبة لنشاطها.

وقد آن الأوان لاختبار ذلك كله اليوم على أرض الواقع من خلال هذه الاتفاقيات.

محاولات التشكيك

يجادل معارضو هذا النهج بأن اتفاقيات السلام سوف تصب كلها في صالح إسرائيل ولن تجني منها الدول العربية شيئا. وهذا الادعاء الذي تغلفه الأهواء والآراء الخبيثة من كل جانب، لا تسنده أية معطيات حقيقية.

صحيح أن مصلحة إسرائيل الأساسية كانت ولا تزال تكمن في نيل الاعتراف بها من جوارها العربي كي يتسنى لها أن تعيش حياة طبيعية، لكن الصحيح أيضا أن هذه الاتفاقيات تمثل طوق خلاص للعديد من الدول العربية، للخروج من ربقة الأيديولوجية والتفسيرات الدينية ليس فقط للصراع العربي الإسرائيلي وإنما لمجمل القضايا التي تواجه الدولة العربية اليوم. وهي تفسيرات أصابت هذه البلدان بالتحجر لزمن طويل.

ويكمن خلف ذلك الادعاء أيضا الرغبة في الحط من شأن الحكومات التي وقعت على اتفاقات السلام، وإظهارها أمام المواطنين بمظهر المفرط في حقوقهم وقضاياهم. لكن هذه الحيلة القديمة لا يبدو أنها تنطلي اليوم على أحد.

فالحكومات العربية ليست مكسورة الجناح وهي ليست خلوا من الخبرات والمواهب، وهي قادرة على الاستفادة من الفرص التي تطرحها اتفاقيات السلام هذه لمصلحة شعوبها ودولها، تماما مثل الإسرائيليين.

الخروج من الشرنقة

يبقى القول بأن اتفاقيات السلام هي أبرز إشارة على أن الدول العربية الموقعة عليها قررت مغادرة الماضي إلى المستقبل، بعد أن ثبت لها عيانا جهارا بأن حالة الاحتباس والجمود السابقة، لم تعد منسجمة مع الوضع السائد في عالم اليوم. وأن استكانتها للبقاء في منطقة "Comfort Zone" أو "المنطقة المريحة" هي مسألة خادعة ومكلفة، وأن هذه الدول لا يمكنها أن تحقق أي شيء ذي مغزى إلا من خلال خروجها من تلك المنطقة.

هل سيكون هناك معارضون لهذا التوجه؟ بالتأكيد، والمعارضة ليست مسألة سلبية، هي أمر إيجابي عموما. لكن السلبي والضار هو أن تتحول هذه المعارضة إلى أعمال تحريض على زعزعة الأمن في هذه الدول أو إثارة الشقاق أو تشجيع التمرد الداخلي أو الابتزاز الديني والعاطفي للعامة من قبل تنظيمات وجهات ودول لم تحقق في السابق أي فائدة لشعوبها ومجتمعاتها، ومن باب أولى أنها لا يمكن أن تجلب أية فائدة لأي أحد آخر اليوم.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.