Armenian soldiers fire artillery on the front line on October 25, 2020, during the ongoing fighting between Armenian and…
ثقة موسكو بأنقرة متأرجحة وتخضع لمدى تجاوبها في وقف اندفاع باكو العسكري، ورهانهما على الحل العسكري

نجحت أنقرة حتى الآن في تقييد دور موسكو في صراع قره باغ، وتحويلها إلى وسيط شبه محايد، فهي  ملتزمة أمام حلفائها بسبب اتفاقيات دفاع مشتركة شبه معطلة، ومنشغلة بضرورات جيواستراتيجية تضع شروطها على نظام مصالحها المعقد مع أنقرة، ما أوقعها في حيرة سياسية بين الثقة بحليف مستجد غير مضمون أو مواجهته. 

ويزداد قلق النخبة الروسية من تمادي القيادة التركية في مخططات توسعها داخل منطقة حيوية تعتبرها موسكو جزءا من ثوابت أمنها القومي، حيث يتصرف هذا الشريك المضارب بنوع من الإملاءات على موسكو التي أثار حفيظتها الكلام الأخير للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في آخر لقاء له مع كتلة حزب العدالة والتنمية الحاكم ومهاجمته روسيا، والذي تخلله الإعلان عن خط أحمر في قره باغ لا يسمح بتجاوزه.

يزداد قلق النخبة الروسية من تمادي القيادة التركية في مخططات توسعها داخل منطقة حيوية تعتبرها موسكو جزءا من ثوابت أمنها القومي

من وراء القوقاز تضطلع أنقرة بدور عسكري شبه مباشر، إلى أستانا في وسط آسيا التي وصلها وزير الدفاع التركي خلوص أكار في زيارة ملفتة في التوقيت والمضمون، ولقاؤه مع رئيس وزراء كازاخستان عسكر مامين ووزير الدفاع نورلان يرميكباييف، إلا أن هذه الزيارة المتعمدة تأخذ معنى خاصا كون القيادة الكزخية وخصوصا الرئيس السابق نور سلطان نزرباييف قد لعبوا دورا مهما في المصالحة بين الرئيسين بوتين وأردوغان بعد حادثة إسقاط الطائرة الروسية في سوريا، كما أنه ساعد على انتقال المواجهة غير المباشرة بينهما في سوريا إلى علاقة تفاوضية وهو ما عرف لاحقا بمسار أستانا الذي مكّن روسيا من الإلتفاف على مقررات مؤتمر جنيف لحل الأزمة السورية، وأعطى أنقرة اعترافا روسيا بنفوذها إضافة إلى طهران، حيث انحسر مسار الحل في سوريا بثلاثة فاعلين ميدانيين (موسكو أنقرة طهران).

بالنسبة لبعض المراقبين، فإن زيارة أكار تأخذ أبعادا متصلة بمسار التنافس الحاد بين موسكو وأنقرة، على عدة ملفات مشتركة أكثر حساسية من سوريا. فأنقرة غير المستعجلة على وقف إطلاق النار في قره باغ، تسللت من خلال كازاخستان، القوة الأكثر تأثيرا بين جمهوريات آسيا الوسطى، إضافة إلى طاجكستان وقرغيزستان، وهم أعضاء في منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تضم أيضا روسيا وبيلاروسيا وأرمينيا، ونجحت حتى الآن في تعطيل تدخلها الجماعي في الصراع، وعبر الدول الناطقة بالتركية داخل المجموعة للضغط على روسيا من أجل بقائها على حيادها.

وليس من المستبعد أن تطرح أنقرة على القيادة الكازاخية إنشاء مسار أستانا جديد متعلق بالصراع على ناغورني قره باغ، يضمن للثلاثي ذاته (ايران روسيا تركيا) دورا برعاية كازاخية، وهي فرصة أنقرة ومشروعها من أجل تعطيل عمل مجموعة مينسك، وهي تهدف من خلال هذا الطرح اللعب على وتر الحساسية الروسية من التدخل الغربي في شؤونها، والتي تزايدت حدتها لدى بعض مراكز صناعة القرار في الكرملين المتخوفة من أن تستغل واشنطن أزمة قره باغ من أجل انتزاع موطئ قدم إستراتيجي في هذه المنطقة، وهذا يدفع إلى الإعتقاد أن موسكو ستستجيب لهذا الطرح وذلك بهدف حماية هيمنتها خصوصا العسكرية في هذه المنطقة، وتتعامل مع تدخل إقليمي محدود مقابل إبعاد شبح التدخل الخارجي، وأي دور فاعل استراتيجي أو عسكري للدول الغربية.

ثقة موسكو بأنقرة متأرجحة وتخضع لمدى تجاوبها في وقف اندفاع باكو العسكري، ورهانهما على الحل العسكري

عمليا تأتي زيارة أكار إلى أستانا ضمن مساعي تركيا إلى تأمين دعم دول آسيا الوسطى لموقفها العسكري حاليا والتفاوضي مستقبلا في نزاع قره باغ، حيث تمكنت أنقرة مبكرا في بداية النزاع قبل شهرين من انتزاع تأييد أعضاء مجلس تعاون الدول الناطقة بالتركية، لباكو في حربها في ناغورني قره باغ. 

وعلى هذا يعلق أحد أبرز الباحثين السياسيين الكازاخيين زامير كارازانوف لأحد القنوات الكازاخيه بقوله "تتصرف تركيا الآن بشكل مستقل تماما، متجاهلة الناتو، فهي في المنطقة، تدافع عن مصالحها الخاصة، وتقوم أيضا بتوسيع نطاق اهتماماتها ليشمل جميع البلدان الناطقة بالتركية، أما بالنسبة لقره باغ، فقد أثبتت أنقرة قدرتها على ضمان أمن شركائها واستقرارهم، على مثال أذربيجان، ويمكن أن يصبح أمرا حاسما، لموقف شركائها الناطقين بالتركية منها". 

ثقة موسكو بأنقرة متأرجحة وتخضع لمدى تجاوبها في وقف اندفاع باكو العسكري، ورهانهما على الحل العسكري، هذا الرهان المستفز لموسكو، سيدفع الكرملين إلى مراجعة مواقفه تحت ضغوط الداخل المستاء من سياسة بلاده المتماهية مع أنقرة، في الوقت الذي تواصل فيه الأخيرة مد يدها على قضايا استراتيجية متصلة بالمجال الحيوي الروسي. ولعل هذه الضغوط دفعت وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى القول بأن "روسيا تعد تركيا مجرد شريك وليس حليفا استراتيجيا.
 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.