Sylva Debrito reacts in front of Notre Dame church after she received a news that a victim was a friend of her, in Nice, France…
فرنسية تبكي صديقتها التي قتلت في نيس

ليس لعاقل أن يقلل من شأن الأزمة المحتدمة بين فرنسا من جهة، وحكومات وجماعات عربية وإسلامية من جهة ثانية... الأزمة "هبطت" من القمة إلى القاعدة، وأخذ الرأي العام على ضفتيها بالانخراط المتزايد في سجالاتها التي غالبا ما تأخذ شكل "حوار الطرشان"... وليس من المنتظر للتراشق الإعلامي بين الجانبين، أن يهدأ في وقت قريب، ومن أسفٍ فإن احتمالات تنفيذ جرائم واعتداءات إرهابية على خلفية هذه الأزمة، في فرنسا وخارجها، تبدو مرتفعة جدا.

المسألة من المنظور الفرنسي

يعيد السيد إيمانويل ماكرون طرح السؤال الذي طُرِح بقوة في إعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001: لماذا يكرهوننا؟... وبعد مرور عقدين على تلك الجريمة النكراء، وبمناسبة جريمتي باريس ونيس المروعتين، يصل الرئيس الفرنسي إلى الإجابة ذاته: إنهم يكرهون قيمنا ونمط حياتنا، وفي ظني أن في الأمر كثير من التبسيط، وأحيانا "التبرير" لمواقف وسياسات استفزازية، أطلقت مارد "الصراع الديني" من قمقمه، وغالبا لأغراض سياسية قصيرة النظر.

قيم الجمهورية العلمانية الفرنسية، التي كفلت التعددية وتحييد الدولة وفصل فضاءاتها عن فضاء الدين والكنيسية، وضمنت لكل مواطنيها حرية الرأي والتعبير والضمير... قيم الجمهورية هذه، هي التي جذبت ملايين المهاجرين واللاجئين إلى فرنسا، هربا من سيوف القمع والاستبداد ومطارق الفقر والجوع والبطالة... حتى عتاة المتطرفين، يدركون تمام الإدراك، أنه لولا هذه القيم لما نجو بأنفسهم وعائلاتهم من الأخطار التي أحاقت بهم في بلدانهم الأصلية.

حتى أصدقاء فرنسا من حكام وحكومات ونخب سياسية وثقافية وإعلامية، باتوا في موقع حرج، لا يستطيعون الدفاع عن ردة الفعل الفرنسي على الجريمة التي قارفها متطرف شيشاني

لكن قيم الديمقراطية ـ الليبرالية ـ العلمانية، تفترض من ضمن ما تفترض، السماحة والتسامح، ومراعاة مشاعر "الآخر"، والآخر هنا ليس نفرا قليلا من الناس، مع أنه لا يجوز التطاول والتعدي على معتقدات وعقائد هذا النفر، حتى وإن كان قليلا، فما بالك ونحن نتحدث عن أزيد من مليار و800 مليون مسلم في العالم، منهم ثمانية ملايين مسلم فرنسي، مواطنين بكامل حقوق المواطنة وواجباتها.

نفهم ألا يكون بالإمكان ـ قانونيا ـ ملاحقة أصحاب الرسوم الكاريكاتيرية أو منعهم من التعبير بالطرق التي يرونها عن المواضيع التي يختارونها... بيد أننا لا نفهم أن يقدم الرئيس شخصيا، وفي لحظة غضب وانفعال بعد جريمة باريس، على إجازة نشر وتعميم هذه الرسوم وتعليقها على الأبنية العامة في الشوارع والميادين... لا نفهم الإشارات، تصريحا وتلميحا، التي تُلقي باللائمة عن فعل إرهابي متطرف، قارفه شخص واحد، أو أشخاص محدودون، على "أمة بأكملها" ورسالة سماوية هي الأكثر والأسرع انتشارا في العالم... لا نفهم، أن يقدم الرئيس الفرنسي على فعل ذلك، دون انتظار عاصفة من ردود الأفعال الغاضبة ضد فرنسا والفرنسيين.

حتى أصدقاء فرنسا من حكام وحكومات ونخب سياسية وثقافية وإعلامية، باتوا في موقع حرج، لا يستطيعون الدفاع عن ردة الفعل الفرنسي على الجريمة التي قارفها متطرف شيشاني... رأينا أصدقاء خلّص لماكرون وباريس، يوجهون انتقادات لاذعة لمواقفه، حتى وإن لم يسموه بالاسم، حفاظا على "شعرة معاوية"... رأينا حملات نشطة إعلامية وسياسية في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، رأينا مقاطعة شعبية، أحيانا مدعومة رسميا، للبضائع والمنتجات الفرنسية، وتجارة فرنسا مع العالمين العربي والإسلامي، ليست هامشية، بل تقارب "الربع ترليون دولار"، من دون احتساب الاستثمارات العربية والإسلامية في فرنسا... هذه مجازفة، أدرك حجمها وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان، ولكن بعد فوات الأوان.

كل من تعوزه من القادة العرب والمسلمين، الوسيلة لبناء قاعدة "شعبية" أو ترميم قواعده المتآكلة في صفوف شعبه، سيجد من السهل القفز على ظهر موجة الغضب الشعبي العارم من الرسوم المسيئة

"الإسلام في مأزق"، هكذا صرح ماكرون قبل جريمة اغتيال باتي، وبصرف النظر عمّا إذا كان هذا التصريح صحيحا أم لا، وما إذا كان هناك من يؤيده من المسلمين وما هي نسبتهم، إلا أن عاقلا لن يقدم على إطلاق مثل هذا الموقف الاستفزازي، أقله وهو على رأس أعلى سلطة في بلاده، فما بالك حين يكون المتحدة، إيمانويل ماكرون، أستاذ الفلسفة، وهو على رأس السلطة في بلاد بوزن فرنسا وحجمها... ما الذي كان ينتظره بعد كل ذلك؟

المسألة من المنظور الإسلامي

ما من أمة تهتاج غضبا لأي مسّ بعقيدتها أو نبيها مثل الأمة الإسلامية، ولطالما شهدنا انتفاضة احتجاجية عابرة لحدود الدول الإسلامية، ما أن يصدر كتابا (آيات شيطانية) أو رسما دنماركيا أو فرنسيا ينتقص من كرامة نبي المسلمين ومكانته... وفي ظني أن هذه الظاهرة بحاجة لبحث وتحليل، لا يحتمله هذا المقال، على أننا سنكتفي بالمرور على بعض أسباب هذه الظاهرة:

الأول؛ إن ثمة فشل متراكم وهزائم متكررة، عاشتها وتدفع أثمناها شعوب ومجتمعات عربية وإسلامية، إلى أن تأتي واقعة من هذا النوع، فتثور ثائرة "الجماهير" في حركات عفوية واسعة النطاق، تعوض بها عن مسلسل خيباتها المتواصل، وهي حركات على اتساعها، تبدو غير مكلفة، ولا تعرض أصحابها للمساءلة في دولهم ومن قبل حكوماتهم وأنظمتهم... الشعوب التي لا تستطيع الخروج للشارع احتجاجا على أية قضية في بلدانها، خوفا من حكوماتها، تستطيع فعل ذلك "انتصارا لرسول الله"، وفي رد على "العلمانية الفرنسية الكافرة والملحدة"، لا ضريبة على هذا الفعل، ولا حساب أو عقاب.

الثاني؛ أن حكومات عربية وإسلامية عديدة، ربما تنتظر بفارغ الصبر، وقوع حادثة من هذا النوع، تتلهى بها شعوبها، وتصرفها عن الاهتمام بأولوياتها الضاغطة في السياسة والاقتصاد والاجتماع والصحة والتعليم، إذ تدخل الحكومات والحكام في "بازار مزايدة" مع الرأي العام، انتصارا للإسلام والمسلمين، حتى وإن أدى ذلك إلى إضرار بمصالح بلدانهم مع فرنسا أو غيرها، أو أفضى على المدى الأبعد، إلى استعادة تيارات الغلو والتطور لنشاطها وعافيتها في دولهم ومجتمعاتهم.

"شعبوية" ماكرون قوبلت بـ"شعبويات" متعددة، أكثرها تأثيرا "شعبوية أردوغان"، قبل أن يلتحق بهما رئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد

الثالث؛ أن ثمة فشل متراكم ومتكرر في إطلاق مشاريع "الإصلاح الديني" في العالمين العربي والإسلامي، برغم النداءات المتكررة التي أطلقتها مؤسسات سياسية ودينية رفيعة المستوى، لا سيما في السنوات العشر الأخيرة، التي شهدت تفاقم خطر الإرهاب ونجاح تنظيم "داعش" في بناء "خلافة إسلامية" ممتدة على ثلث مساحة سوريا وثلث مساحة العراق... لا الإصلاح الديني الذي دعا إليه عبد الفتاح السيسي، بدأ بالفعل، ولا مبادرات الأزهر أعطت أكلها بعد سنوات من التجريب والمحاولة الخجولتين، ولا رسالة عمان من قبل، تركت أثرا كفيلا بمنع تفشي مظاهر التطرف والغلو والإقصاء والاستثناء في الخطاب الديني العربي والإسلامي، ولهذا السبب نرى في محطات كهذه التي نعيشها اليوم، القادة والحكام يخضعون لابتزاز الأصوات المرتفعة، وينحنون أمام غضب الشارع، بل ويدخلون في مزايدات ومناقصات مع قوى وجماعات دينية، تحت شعار من منّا الأكثر حبا لرسول الله والأكثر استماتةً في الدفاع عن رسالته.

الرابع؛ كل من تعوزه من القادة العرب والمسلمين، الوسيلة لبناء قاعدة "شعبية" أو ترميم قواعده المتآكلة في صفوف شعبه، سيجد من السهل القفز على ظهر موجة الغضب الشعبي العارم من الرسوم المسيئة، لتحقيق حلمه... هنا، يبرز السيد رجب طيب إردوغان، بوصفه القائد الأمهر على امتطاء صهوة "الشعوبية" فيتحول إلى زعيم منافح عن الإسلام في نظر شعبه، وقائد عابر للحدود العربية والإسلامية بوصفه "إمام المسلمين وخليفتهم الجديد"... هنا يصبح شعار "إلا رسول الله" وسيلة إردوغان لتصفية حسابات ليبية وشرق متوسطية وجنوب قوقازية مع فرنسا وماكرون.

قد يقول قائل، إن ماكرون وقع في "مطب الشعوبية" ذاتها، وإنه انجرف إلى "مجاراة اليمين المتطرف" في بلاده، وهو الذي تتعرض سياساته الداخلية والخارجية للاهتزاز والفشل، وهذا صحيح، لكن الصحيح أن "شعبوية" ماكرون قوبلت بـ"شعبويات" متعددة، أكثرها تأثيرا "شعبوية أردوغان"، قبل أن يلتحق بهما رئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد، ليسبق الجميع على هذا المضمار، برغم ما عرف عنه من رصانة واتزان وطعون في السن (95 عاما)، إذ أجاز للمسلمين في تغريدة له حذفها تويتر، قتل ملايين الفرنسيين، انتقاما وغضبا لملايين المسلمين الذين قتلتهم فرنسا في الأزمنة الكولونيالية (؟!)

"الشعبوية" تتغذى بـ"الشعبوية" على الضفة الأخرى، والتطرف اليميني هنا يغذي التطرف الديني هناك، ويتغذى به كذلك، أما الخاسر الأكبر في "صراع الأديان" و"صدام الحضارات"، فهي شعوب مختلف هذه الدول، التي لا ناقة لها ولا جمل في "حوار الطرشان" هذا.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.