Candles and flowers are set at the steps of the Notre Dame church in Nice, France, Friday, Oct. 30, 2020. A new suspect is in…
متشدد قتل 3 أشخاص في مدينة نيس الفرنسية.

خلال أشهر الصيف الأربعة الأخيرة، توهم سكان النصف الشمالي من الكرة الأرضية أن فيروس كورونا قد اكتفى منهم، أو ذهب يستجم في إجازة صيفية بعيدا عنهم، فعادوا إلى حياتهم شبه الطبيعية في العمل والمقاهي والأسواق، والمشاركة في المناسبات الاجتماعية والثقافية، والحصول على بعض الدفء عند الشواطئ، وحركت بعض شركات النقل الجوي طائراتها في حركة شبه طبيعية.

لكن هذا الفيروس في الحقيقية لم يهدأ أو يسترح، وإن خفف ثقله عن بعض المناطق الذي ترافق بتراجع طفيف في تركيز وسائل إعلامها عليه، إلا أنه ظل يصول ويجول ويمارس دوره كقاتل محترف، يحصد ضحاياه في عدد من دول نصف الكرة الجنوبي خلال موسم شتائها، وفي رحلة تسكعه بين الشمال والجنوب، والتي تبدو أنها رحلة ستتكرر إلى أجل غير واضح، توقف في دول الوسط الجغرافي والشرق الأوسط، وروّع سكانها ولا يزال، قبل أن يستعيد نشاطه في القسم الشمالي الذي حلّ شتاؤه على الأبواب.

وأنت، مثل أي فرد ينتمي إلى بلاد منكوبة بآلاف الويلات، تجرب في كل مرة أن تختلي بنفسك وتتأمل ما يجري في هذا العالم، وتحاول أن تلتمس بعض الطاقة الإيجابية والآمال في إيجاد حلول، تنهي تغول هذا الفيروس وعدد من القضايا الشائكة مع اقتراب هذا العام من ختم أيامه الاستثنائية، ستصحو من خلوتك بصفعة أحداث جديدة تذكرك أن هذا العالم فقد البوصلة، ويبدو حقيقة كأنه ينتحر ويتجه نحو إفناء ذاته بإرادته.

لمن من هذين العدوّين صعبي المراس، ستمنح البشرية اهتمامها وأولويتها في ظل هذه الأجواء العالمية من معارك كسر العظم المستمرة؟

عشرات العناوين الصاخبة التي تضج حولك، جريمة همجية إرهابية مدانة بالمطلق تتمثل بقطع رأس مدرس فرنسي، عنصرية ونشاط اليمين المتطرف وحركات تمجد تفوق الرجل الأبيض، إسلافوبيا، مظلوميات ودعوات للمقاطعة، إهانات ـ مدانة ـ لجميع أتباع الديانات السماوية وغير السماوية، وجميع الملل والنحل في الفضاء الإلكتروني وعلى الأرض، مظاهرات غاضبة وتطرف من هذا الطرف يقابلها مظاهرات أكثر غضبا وتطرفا من ذاك الطرف، تصريحات استفزازية متبادلة لساسة دول كبرى تهيّج العامة، وتؤجج كل ما تقدم.

في الوقت ذاته، تُفتح جبهات وأزمات سياسية وعسكرية جديدة تلقي بآلاف الضحايا من القتلى واللاجئين والأرامل واليتامى، وتزداد مؤشرات اقتصاديات العالم تدهورا، ويسجل عدد العاطلين عن العمل ومستويات الهجرة أعلى مستوياتهما، ويزداد تغول الفقر والجوع، وانسداد الأفق عن جديد في إمكانية فتح ثغرات لتنشيط الحلول والمشاريع التنموية التي يمكن أن تنقذ بعض هذا التدهور العام.

العالم الافتراضي لم يعد افتراضيا، ولم يعد المساحة الكونية النبيلة لممارسة التواصل الإنساني والاجتماعي، وبات الوسيلة المجانية الأخطر التي يستغل فيها أبشع استغلال مفهوم حرية التعبير، ويُسخّر من قبل الجبناء من منتحلي الحسابات الوهمية، وأصحاب الفكر الترهيبي من جميع الاتجاهات والانتماءات، لإشاعة التعصب وممارسة ترهيب أصحاب جميع الأفكار التنويرية، وتمجيد الإرهاب وأصحابه، ثم التوجه لإلغاء الآخر حقيقة على الأرض وليس مجازا، بعد الانتهاء من عملية شحن الكراهية والأحقاد الممهدة في العالم الافتراضي.

تعطلت الحوارات الإنسانية الرشيدة، وغُيَّب الحكماء والعقلاء والمفكرين، وتراخت القيادات الواعية، وحُللت القباحة بديلا عن الجمال، واستبدلت كل أشكال التفاهمات بكل أشكل العنف اللفظي والنفسي والجسدي. كل ذلك يحدث وفيروس كورونا يعظّم من شأنه ويخيم على الأرض، ويرمي بظلاله الثقيلة المتصاعدة مع كل جولة من جولاته الضاربة.

في المقارنة بين هذا الفيروس والفكر الإرهابي أو الترهيبي، سيبدوان متشابهين في الأثر وإن اختلفا في المنشأ، حيث فرض الفيروس على كل فرد في العالم أن يخشى الآخر ويهابه ويبتعد عنه، حتى وأن يكرهه ضمنا لأنه قد يشكل خطرا محتملا على وجوده. الاثنان عدوان للبشرية بلبوس واحد ويحصدان ضحاياهما دون تمييز، غير مرئيين، ويطوفان في الأرض ويجولان عابرين للضوابط والحدود والجغرافيا.

لمن من هذين العدوّين صعبي المراس، ستمنح البشرية اهتمامها وأولويتها في ظل هذه الأجواء العالمية من معارك كسر العظم المستمرة؟

العالم الافتراضي لم يعد افتراضيا، ولم يعد المساحة الكونية النبيلة لممارسة التواصل الإنساني والاجتماعي، وبات الوسيلة المجانية الأخطر التي يستغل فيها أبشع استغلال مفهوم حرية التعبير

لا شك أن المواجهة يجب أن تنصب في مسارين متلازمين، بما تعنيه من حرب مزدوجة تفتح جبهتين عميقتين، لن تستطيع قيادات الدول تحملهما بمفردها، إن لم تتضافر جهود الأفراد وتحمل المسؤوليات بأهمية التعاون المشترك لمساعدة الآخر للتخلص معا من بلاء كورونا، وأيضا التعاون المشترك بين الأفراد وتحمل مسؤولياتهم، لمواجهة أي فكر إرهابي أو ترهيبي، وعدم الخوف أو التراجع أمامه، والتصدي له عبر جميع الوسائل السلمية المتاحة.

فيما تناط مسؤولية ملحّة وشديدة الأهمية، بالمشرفين على وسائل التواصل الاجتماعي وجميع المنصات الإلكترونية، التي وإن يصعب ضبط فلتانها كليا، إلا أنه يمكن التشديد على الشروط التي تسمح بفتح الحسابات والتحقق منها، ومنع التعليقات المسيئة والتحريضية، وسد المنافذ أمام الإجرام ما أمكن، لعل هذا التشديد يساهم ولو نسبيا في تراجع للفكر الترهيبي، ويمنح الوقت للبشرية للالتفات إلى صحتها ومعافاتها لاحقا من البلاءين.

في هذه اللحظة وأنا أنهي مقالي، أقرأ عن هجوم على كنيسة في مدين نيس الفرنسية ومقتل ثلاثة بينهم امرأة نحر رأسها، وعن نصف مليون إصابة عالمية بفيروس كورونا خلال يوم واحد. خبران في لحظة واحدة سينسفان كل محاولات جلب الطاقة الإيجابية وبعض الطمأنينة الواهية، وينتابك إحساس مضن أن أحداث سنة 2020 قد تبدو لنا مزاحا، أمام ما ينتظرنا في السنوات القليلة القادمة.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.