"بلدان عربيان على الأقل تُغرق العملية الديمقراطية فيهما الحياة العامة"
"بلدان عربيان على الأقل تُغرق العملية الديمقراطية فيهما الحياة العامة"

في المشهدين المتوازيين للعمليات الديمقراطية التي تجري راهناً في كل من الولايات المتحدة وبعض البلدان العربية، يمكن مُلاحظة الكثير من المؤشرات والدلائل والديناميكيات والنتائج المتباينة، ورُبما المتناقضة، التي تنفرز عن تلك العمليات الديمقراطية.

فالديمقراطية شديدة الحيوية والإنتاجية والمضمون في النموذج الأميركي، تصبح آلة هائلة لتفخيخ وتقييد وتسعير كل أشكال وتفاصيل الحياة العامة في تجارب البلدان العربية، بطريقة تبدو فيها العملية الديمقراطية في الأخيرة منتجة لنفس المناخات والديناميكيات التي كانت ولا تزال تنتجها أنظمة الشمولية العربية. 

في الولايات المتحدة، سيتجه غداً عشرات ملايين الناخبين المنحدرين من أصول وحساسيات وأديان وإيديولوجيات وقوميات لا تُحصى، لاختيار مرشح واحد، سيكون حسب نتائج تصويتهم الحاكم والمقرر الفعلي لأربعة سنوات كاملة، وعلى دولة هي الأولى في العالم على مختلف المستويات، وتضم ذلك البحر من الثقافات والنزعات الإيديولوجية والحساسيات.

ومع كل ذلك، فإن تلك النتيجة لن تجر البلاد ومجتمعاتها نحو أي ردود فعل عكسية، يمكن لها أن تطيح أو تعكر الصفو العام. فسلطة الرئيس المُختار، لن تكون مقيدة إلا بالدستور والقانون العام والعلاقات المركبة بين مختلف السُلطات الأخرى، المستقلة عن بعضها والمتكاملة فيما بينها في الوقت عينه. وهو لن يحكم إلا بكونه موظفاً عمومياً بسلطات خاصة حسب القانون، وليس زعيماً أو ناطقاً بتطلعات الأميركيين من مُنتخبيه، دون غيرهم.

على المشهد النظير، فإن بلدين عربيين، على الأقل، تُغرق العملية الديمقراطية فيهما الحياة العامة بطيف من المُشكلات والصراعات التي تصبح فيهما أي إمكانية للحياة أو التنمية أو الاستقرار شبه مستحيلة. 

في لبنان، صار تشكيل حكومة لبنانية جديدة أمراً شبه مستحيل، حيث الخلافات بين القوى السياسية منحدر لمستوى نقاش مستفيض حول أحقية الطائفة الدرزية في الحصول على وزارة واحدة لو كانت الحكومة مؤلفة من ثمانية عشرة وزيراً، أو حصولها على حقيبتين وزاريتين لو تشكلت الحكومة من عشرين وزيراً، ويكاد هذا التفصيل الثانوي أن يُعيق تشكيل الحكومة، في بلد يشهد انهياراً فعلياً وشاملاً في مناح الحياة.

ومثله ثمة نقاش طويل في لبنان حول إمكانية تدوير الوزارات السيادية بين الطوائف أو عدم إمكانية ذلك!!، ومن مثل هكذا أمثلة ثمة ما لا يُحصى من العُقد التفصيلية، التي لا تعني شيئاً فعلياً، في أي نظام ديمقراطي حصيف. 

الساحة العراقية فيها ما يماثل ذلك تماماً. فالقوى السياسية العراقية، المُنتخبة ديمقراطياً، مختلفة فيما بينها على كل تفصيل في شرعية مؤسسات الدولة العراقية مثلاً!!، منها بالذات المؤسسات السيادية، التي من المُفترض أن تحتكر العُنف وتطبيق القانون!!. كذلك فإن نفس القوى السياسية تدخل في حوارات ماراثونية لشهور طويلة، لحل عُقد مثل توزيع المقاعد البرلمانية في محافظات قلقة ديموغرافياً، مثل كركوك والموصل.

ويكاد مثل هذا الموضوع أن يوصل البلاد إلى الحرب الأهلية. كذلك فإنها لا تستطيع، منذ سنوات، لأن تتفق على موعد لإجراء إحصاء عام في البلاد، وتوحي بأن مثل ذلك الإحصاء قد يهدد استقرار البلاد!!، وطبعاً لم تتفق منذ سنوات على إجراء الانتخابات البلدية/المحلية، لأسباب مثل تلك. ومثلها أيضاً ثمة طيف من العُقد التفصيلية التي تنتجها مؤسسة البرلمان والحكومة والقوى السياسية المُنتخبة ديمقراطية، بشكل تبدو فيه معيقة لأي تنمية أو استقرار داخلي في البلاد.

دول عربية أخرى، مثل السودان وتونس وليبيا، مُتوقع لها في المستقبل المنظور أن تدخل في دوحة الحياة الديمقراطية، وتالياً أن تواجه نفس المعضلات التكوينية التي تعاني منها الديمقراطيات العربية "التقليدية" هذه، التي تظهر سطحيتها وهشاشتها مقارنة ببلد مُعقد وشديد التركيب مثل الولايات المُتحدة، الذي بالرغم من تركيبه المُعقد ذاك، تعد الحياة والعمليات الديمقراطية فيه من أشد مسهلات ومطورات الحياة العامة في البلاد، وبكل أشكالها. 

فالنموذج الأميركي يُقدم لنظيره العربي برهاناً بأن الديمقراطية الرشيدة هي أولاً عملية للصراع السلمي على السُلطة الشرعية، وليست غطاء براقاً لصراعات الطوائف والحساسيات والجهويات والقوميات ومراكز القوة في الدول التي تدعي تبني العملية الديمقراطية، كما يجري في التجارب العربية. 

هذه الجزئية التي تنفرز عنها أعداد لا تحصى من الفروض الأولية، وعلى رأسها الاستقلال التام والواجب بين التنظيمات والنخب الاجتماعية والأهلية والدينية، وما يناظرها من التنظيمات والنخب السياسية، التي يجب أن تعيش وتتمركز حول التفكير في عالم السياسة، وتحديداً عالم الدولة ومؤسساتها وسلطاتها الحاكمة، وليس مكانتها كزعامات أهلية وآلية قدرتها على استخدام سلطاتها السياسية التي يمكن أن تنفرز عن العملية الديمقراطية في الصراعات الأهلية تلك.  

ما ينطبق على الحيز الأهلي ينجر لأن يكون صحيحاً تماماً في المجال الاقتصادي. فالأثرياء في الولايات المتحدة يذهبون إلى المجال السياسي، ليخلقوا تأثيراً نسبياً على مسارات وآليات عمل الحياة الاقتصادية والتنموية في البلاد، بطريقة تبقى في الحياة الاقتصادية في بلادهم معافاة تماماً، لتتمكن من حفظ وحماية ثرواتهم التي راكموها بفضل أعمالهم الحُرة، لا بفضل وجودهم في عالم السياسة.

في النماذج "الديمقراطية" العربية يحصل العكس تماماً. إذ يحلم كُل صاعد في الحياة السياسية لأن تكون السلطة السياسية أداته للدخول في شبكات النهب العام واحتكار بعض القطاعات، وتالياً مراكمة ثروات فائضة، وتحويلها إلى مصدر أساسي لشراء الذمم والولاءات. فالسلطة المُنتجة عن العملية الديمقراطية هنا تغدو مصدراً للثروة المادية الطافحة، لا العكس. 

على أن أهم ما في النموذج الأميركي هو المناعة الحيوية التي تبديها في الجمع الثلاثي بين التنوع الأهلية والحياة الديمقراطية ومناعة المجال الداخلي عن التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية. فكل ذلك التنوع في المجتمع الأميركي، وبالرغم من أن الحياة الديمقراطية تترك هامشاً ضخماً من الحريات السياسية والتنظيمية، إلا أن الحياة الوطنية الداخلية بقيت عصية على أي اختراق من قِبل الدول الأخرى، خلا بعض الهوامش التي تكاد أن لا تُرى.

على العكس تماماً، فالديمقراطيات العربية تكاد أن تكون نموذجاً مثالياً لكيفية تحويل بلدانها إلى ملعب للتدخلات الإقليمية، التي تحطم كل تفصيل وقيمة لما يجمع أمة المواطنين ويدفعهم لأن يخلقوا عقلاً جمعياً للدفاع عن مصالحهم وحقوقهم المشتركة، داخلياً وخارجياً. وحيث أنه بدون تلك الحصانة في المجال الداخلي، فإن كل الحياة العامة تغدو مجرد عدمية سائلة.    

أخيراً، الديمقراطية الأميركية، منذ عهودها الأولى في أواخر القرن التاسع العشر، تقدم مثالاً إنسانياً على حقيقة تقول إن المضامين غير السياسية في الحياة العامة، في مجال حقوق الإنسان والحريات الإعلامية واستقلال القضاء وحقوق الإناث والحساسيات البيئية، وما شابهها من قضايا فلسفية وروحية واجتماعية وعقلية وإنسانية كُبرى، إنما هي الجذر التكويني لصلابة وعُمق أي حياة ديمقراطية.

بهذا المعنى، فإن الديمقراطيات العربية تبدو عارية عن كل أشكال الحماية والحصانة تلك، حيث أن القواعد الاجتماعية في بلداننا لا يزال وعيها التاريخي بقيم ومبادئ وبديهيات الحداثة الإنسانية، دون القدرة على حماية أي عملية ديمقراطية حصيفة ورصينة وواثقة من نفسها. 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.