لا يوجد مجتمع إسلامي كبير ومؤثر تبنّى نسخة حداثية
لا يوجد مجتمع إسلامي كبير ومؤثر تبنّى نسخة حداثية

يبدو أن العالم الإسلامي عموما، والعالم العربي الإسلامي خصوصا، لن يستطيع ـ في المدى المنظور الذي قد يمتد لعشرات السنين ـ تجاوز النسخة التراثية للإسلام، أقصد: النسخة المتراكمة عبر مسيرة أربعة عشر قرنا من الإنتاج التأويلي؛ المرتبط ـ عضويا ـ بالظروف السياسية والاجتماعية والمعرفية للحقب المتعاقبة؛ بقدر ما هو مرتبط ـ أيضا ـ بالتركيبة النفسية والثقافية للفاعلين الأساسيين في إنتاج هذا التراث على صورته المتداولة طوال هذه القرون، وهي الصورة المورثة المعتمدة، الصورة التي لا تزال فاعلة إلى اليوم في مجمل الوعي الإسلامي.

إلى الآن، لا يوجد مجتمع إسلامي كبير ومؤثر تبنّى نسخة حداثية/ ليبرالية من الإسلام. الإسلام الليبرالي مطارد في كل ميادين التأثير الثقافي والديني، وعلى أكثر من مستوى، فالحِرابُ تتناوله من كل جانب؛ بينما هو لا يزال في المهد يبحث عن رمق الحياة. حتى تلك الحِرَاب المتصارعة فيما بينها، وحتى ما كان منها يزعم الاستنارة والانفتاح، تجدها لا تتّفق على شيء، بقدر ما تتّفق على نبذه وإقصائه، ووصمه بالتزييف والتجديف، بل و ـ أحيانا ـ بالمروق من الإسلام.

لكن، ما السبب في كون الحرب على التجديد الإسلامي الحق (القراءة التنويرية للإسلام) تحظى بما يشبه الإجماع في عموم العالم الإسلامي؟ لماذا كل هذه الصلادة في منع كل مشاريع لَبْرَلَة الإسلام التي تكفل له الدخول إلى العصر الحديث؛ فالاستمرارية والفاعلية من جهة، ومن جهة أخرى، تمنح معتنقيه مساحات من الفعل في واقعهم المعاصر؛ بعيدا عن التمزق ما بين تصورات عقائدية/ فقهية ذات طابع إيماني (تشترط بالضرورة سلوكيات محددة كثيرا ما تؤزّم العلاقة بالواقع)، وتصورات حداثية هي كالشرط اللازم للفاعلية/ الإنتاج/ التقدّم في واقعهم الراهن؟ 
الجواب ـ في تقديري ـ يكمن في أن الإسلام كما هو في نسخته التقليدية، وبكونه يتمدد ـ عُمْقا ـ في تفاصيل الاجتماعي/ الحَيَاتي، نشأت عليه وبه مصالحُ وامتيازاتٌ راسخة، مُتَعالقة فيما بينها في شبكة بنيوية مُتَعَاضدة؛ بحيث بات أرباب هذه المصالح والامتيازات يدركون بوضوح أن أي تغيير يمس هذه "النسخة التقليدية"، فهو ـ بالضرورة ـ يمس هذه المصالح والامتيازات، وبقدر ما يكون التغيير نحو الأحدث والأكثر عصرنة؛ بقدر ما يتم الانتقاص من هذه المصالح التي يرونها استحقاقا طبيعيا لا يجوز المساس به. 
ولهذا، فهم وإن تسامحوا مع قليل من التجديد الذي يمس السطح، إلا أنهم لا يتسامحون حتى بهذا القليل إلا في سياق مُوَازنات كثيرة ومُعَقّدة؛ مُوَازَنات تحاول المواءمة ما بين الآثار السلبية لمنع هذا "التجديد الخجول" من جهة، والآثار السلبية للسماح بمروره ـ كطوق نجاة طارئ/ عابر؛ في ظل أمواج المتغيرات القسرية ـ من جهة أخرى.

هنا، لا بد أنه سيخرج عليّ مُعترضٌ؛ فيقول: كيف تقول بغياب التجديد في الإسلام المعاصر؟ ألم تقرأ لكثيرين كتبوا في التجديد، بل وقدمّوا قراءات تنويرية متقدمة جدا؟ أين أنت عن قراءات بذل فيها كثير من المفكرين زهرة أعمارهم؟ هذا أولا، وثانيا، ألم تسمع التصريحات التي تصدر كل يوم تقريبا عن بعض الشخصيات الإسلامية من دعاة وشيوخ وخطباء منابر في المساجد وفي الفضائيات، إضافة إلى بعض المتحدثين بلسان بعض المؤسسات، وكل هؤلاء يتقدّمون بآراء تجديدية جريئة، تجنح للتسامح والانفتاح على الآخر وتعزيز روح التعايش... إلخ، الكلام الجميل؟

طبعا، قرأت ما كتبه ويكتبه أولئك، وسمعت ما قاله ويقوله هؤلاء، ولكن كل هذا ليس بشيء عند فحص واقع الحال. فالمفكرون والباحثون الذين تقدّموا بآراء تنويرية جريئة في قراءتهم للإسلام، هم ـ وكما قلتُ ذلك من قبل ـ يقعون خارج دائرة التأثير في الخطاب الإسلامي الذي يحظى بأكبر قدر من الاعتبار الجماهيري. وبالتالي، فخطابهم منبوذ (وإن أثّر على المدى البعيد، وبصورة غير مباشرة)، خطابهم ليس له أي أثر على جماهير المسلمين المتدينين، لا داخل العالم الإسلامي، ولا خارجه/ في دول المهجر الغربي.

وأما الشخصيات الإسلامية التي تتبرع بكثير من التصريحات ذات الطابع التنويري الانفتاحي (وهي شخصيات كان يمكن أن يكون لها أثر لو أثبتت ـ علميا/ بحثيا ـ أنها تصدر في تلك التصريحات عن قناعة وقدرة على الإقناع)، فهي أيضا غير مقنعة بأكثر مما يستطيعه أولئك المفكرون التنويريون الذين قد يحظون ببعض الاحترام لصراحتهم وجرأتهم وصدقهم مع مقدماتهم التي يعتمدونها في مقارباتهم البحثية؛ عكس هذه الشخصيات التي تبدو مراوغة ومخادعة والكلام لديها بالمجان!
     
جماهير المتدينين ـ في عمومها ـ ليست بتلك الدرجة من الساذجة التي تجعلها تتنكر لقناعاتها الراسخة التي نشأت عليها لعشرات السنين بمجرد تصريح دَعَوي ظرفي عابر، يتراءى للجميع أنه صدر للمجاملة أو لتحسين الصورة أو لمصلحة شخصية؛ في سياق صمت مريب عن كل ما يناقض  جوهر التصريح من تراث صاحب هذا التصريح !

مثلا، هل لو ذهب شيخ من شيوخ "الأزهر" إلى أحد المؤتمرات العالمية، أو حتى خرج في حوار فضائي، وتحدث ـ بلسان الأزهر ـ أن الإسلام دين تسامح وتعايش وحرية...إلخ عبارات المجاملة أو عبارات التجميل، ثم اضطره الحوار، أن يقول: إن الإسلام دعوة بــ{التي هي أحسن}، وأن الإسلام لا يجبر أحدا على الدخول فيه، وأن كتاب الله واضح في أنه {لا إكراه في الدين}، و{فذكّر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر}. هنا، ربما سيقف له أحدهم ويقول ـ في منحى جدلي ساخن ـ: وماذا عن "قتل المرتد"؟  

طبعا، هذا السؤال الاعتراضي ورطة! خاصة عندما يُطرح في سياق يعرف المسؤول أنه مطالب بالاتساق مع عرضه الذي هو بصدده: طرحه الانفتاحي التسامحي التعايشي الحرياتي السابق، أي في سياق المفردات التي كان يظنها مجرد تصريحات دينية دبلوماسية عابرة؛ فإذا هي تضعه على مفترق طريقين؛ أحلاهما مُرٌّ: هل سيقول بأن حكم "قتل المرتد" هو الحكم الذي يراه ويعتمده لأنه ـ ببساطة وباتساق ـ هو الحكم يحظى بما يشبه الإجماع في التراث الإسلامي في شقيه: السني والشيعي، أم سيتجاهل كل ذلك، ويقول ـ كتصريح عابر مُنْبَتّ عن أي نسق سابق، وعن أي توافق فقهي مُجَايل/ معاصر ـ: قتل المرتد ليس من الإسلام في شيء!!

الأقرب ـ من حيث هو متحدث ديني بوظيفة دبلوماسية ـ أن يقول: قتل المرتد ليس من الإسلام في شيء، ثم يبدأ بعرض وشرح آيات تدل على عدم الإلزام ـ إكراها ـ بالإسلام (طبعا، من دون عرض الرأي المراوغ عن الفرق بين: خيار عدم الدخول في الإسلام ابتداء، وخيار الخروج منه بعد الدخول فيه)، وأن الإسلام لا يقتل أحدا لمجرد أنه ترك دينه/ الإسلام. وهنا، لا ندري ـ إذ لن يتبرّع بالتوضيح ـ عن أي إسلام يتحدث؟ عن الإسلام كما يفهمه هو خاصة، وفي هذه اللحظة الحرجة الخاصة، أم الإسلام في نصوصه الأولى؛ دون اعتبار للتجربة التاريخية، أم الإسلام في نصوص عموم الفقهاء والمجتهدين ومفعّلي الإسلام على امتداد تاريخه الطويل؟! 

الأهم من كل ذلك، أنه عندما يقول بهذا الرأي التسامحي الانفتاحي، لا يشير ـ ولو مجرد إشارة! ـ إلى موقفه من كل التراث الذي يقول بالعكس تماما/ يقول بقتل المرتد، خاصة وأن هذا التراث هو التراث الذي تتلمذ عليه طوال عمره، وبواسطته حصل على شهاداته من جامعته/ الأزهر، والمؤسسات التعليمية التي منحته شهاداته، وأيضا تلك التي انتدبته ليتحدث باسمها تعتمد كل المراجع التراثية والمعاصرة التي تقول بعكس تصريحه تماما، فهل نُصدّقه أم نُصدّق كل هذا التراث؟! 

كان يمكن أن نصدّقه لو أن الأزهر اجتمع بهيئاته الدينية، وبعموم شيوخه المعتبرين، وقام بمراجعة هذا الحكم (قتل المرتد) في كل كتب التراث المعتمدة في عموم المدارس والكليات الشرعية، ثم ـ بعد البحث المستفيض ـ أصدر كُتبا أخرى تنقض كل ما في كتب التراث بشأن هذا الحكم، وبناء على كل هذا أصدر بيانا مؤسساتيا صريحا بأن الصواب في هذه المسألة ليس ما قاله الأسلاف، ليس ما تم تدريسه على مدى أجيال وأجيال، بل كل ما سبق كان خطأ فادحا يجب التراجع عنه. هنا، وهنا فقط، نستطيع أن نقول: إن "التصريح" المبني على كل ما سبق من مراجعات شاملة، ومن نقد وتقويض وتفنيد، ومن إعادة كتابه للمناهج المقررة والكتب المعتمدة، هو تصريح صادق مبني على أساس علمي متين، وبالتالي؛ سيكون مقنعا لعموم المسلمين.

نأتي هنا إلى مشكلة المسلمين في المهجر الغربي، إذ هم الأكثر تضررا من هذا التراث. ليست مشكلتهم أنهم مسلمون؛ بقدر ما هي أنهم مسلمون "متأسلمون" بذات التراث الذي يتديّن به المسلمون في أوطانهم الأصلية. وإذا كان التجديد للإسلام في داخل العالم الإسلامي مرتبط ـ كما سبقت الإشارة ـ بمواضعات وموازنات ذات طابع مصلحي تعيق أي تجديد حقيقي، فليس المسلمون ـ وخاصة في المهجر الغربي ـ مضطرون لاستمداد مشروعية إسلامهم من إسلام البلاد التي نزحوا منها طائعين أو مكرهين.

لهذا، أمام المسلمين ـ في الغرب خصوصا ـ ثلاثة خيارات؛ لا رابع لها في تقديري، وعليهم أن يختاروا بكل وضوح ما يناسبهم منها:

1 - الخيار الأمثل، والأكثر واقعية، يتمثّل في الآتي: بما أنهم هم الذين أتوا إلى الغرب، ولم يأتِ الغرب إليهم، هم المحتاجون للغرب، وليس الغرب محتاجا إليهم؛ فعليهم أن يقطعوا خط المشروعية الدينية التي تصلهم بالتدين التقليدي الموجود في العالم العربي والإسلامي، ويجترحوا ـ برؤية تنويرية ذات أفق ليبرالي ـ سرديتهم الدينية الإسلامية الخاصة؛ وفق ظروفهم الخاصة التي تختلف كثيرا، بل وجذريا، عن ظروف الأوطان التي نزحوا منها. وهذا يعني ـ بالضرورة ـ أن يستغنوا عن كل صور الدعم، المادي والمعنوي، الآتي من العالم الإسلامي، في مقابل الاعتماد الكامل والحصري، على الدعم المتاح في الدول التي يعيشون فيها.

لا يمكن للغرب أن يتغيّر ليتلاءم معهم، بل هم الذين يجب أن يتغيروا ليتلاءموا مع الغرب. وهذا لا يعني أن يقفوا موقفا سلبيا من كل ما يعارض تصوراتهم، حتى تلك التي تصدر عن مقاربات تنويرية لهويتهم الدينية والثقافية، وإنما على العكس، عليهم أن يسعوا ـ برؤية انفتاحية تواصلية حوارية ـ لخلق توافقات قانونية تنظيمية تحفظ لهم حقوقهم وتضمن لهم احترامهم. فمثلا، إذا كانت بعض صور حرية التعبير تصل إلى حد الإساءة لهم بالإساءة إلى رموزهم، فعليهم الاشتغال ـ مدنيا وتنويريا، وعبر وسائط حوارية توافقية ـ لإقناع الوسط الذي يعيشون فيه باجتراح تفاصيل استدراكية على تلك الحرية تتلاءم مع قناعاتهم. وسواء اقتنع المجتمع برؤيتهم أم لم يقتنع؛ فعليهم أن يتعايشوا مع واقعهم، واقع هم الذين اختاروا العيش فيه على أي حال.

2-  مَن يعتقد منهم أنه غير قادر على ضبط نفسه وفق النسق الثقافي والقانوني للوطن الذي يعيش فيه، وأنه سيجد نفسه في صراع بين معتقداته والواقع الذي يعيش فيه؛ فعليه أن يعود إلى وطنه الأصلي، وطن أجداده، وإن لم يتح له؛ فعلى الأقل إلى وطن مشابه له، يكفل له أن يمارس معتقداته دونما صدام قد ينتهي بقتل وقتال.

3-  البقاء في الغرب، مع الاحتفاظ بالقناعات التراثية الرائجة في البلدان الأصلية، والاستعداد للصدام ـ بكل مستويات الصدام ـ في كل منعطف حياتي يمر به الإنسان. وهذا خيار كارثي مدمر؛ لا يجني على عموم المسلمين في المهجر الغربي فحسب، وإنما على الإسلام وعلى مسارات تحققه في كل مكان. وللأسف، فإن هذا الخيار الكارثي المدمر هو خيار الأغلبية من المسلمين في المهجر منذ زمن طويل. لكن لعل الأحداث الأخيرة في فرنسا، والجدل الكبير الدائر حولها في فرنسا وفي الغرب عموما، يجعلهم يجنحون ـ بغالبيتهم الفاعلة ـ إلى الخيار الأول. وأما مَن لا يستطيع؛ لأي سبب كان؛ فعليه بالخيار الثاني كأفضل خيار متاح.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.