لا يوجد مجتمع إسلامي كبير ومؤثر تبنّى نسخة حداثية
لا يوجد مجتمع إسلامي كبير ومؤثر تبنّى نسخة حداثية

يبدو أن العالم الإسلامي عموما، والعالم العربي الإسلامي خصوصا، لن يستطيع ـ في المدى المنظور الذي قد يمتد لعشرات السنين ـ تجاوز النسخة التراثية للإسلام، أقصد: النسخة المتراكمة عبر مسيرة أربعة عشر قرنا من الإنتاج التأويلي؛ المرتبط ـ عضويا ـ بالظروف السياسية والاجتماعية والمعرفية للحقب المتعاقبة؛ بقدر ما هو مرتبط ـ أيضا ـ بالتركيبة النفسية والثقافية للفاعلين الأساسيين في إنتاج هذا التراث على صورته المتداولة طوال هذه القرون، وهي الصورة المورثة المعتمدة، الصورة التي لا تزال فاعلة إلى اليوم في مجمل الوعي الإسلامي.

إلى الآن، لا يوجد مجتمع إسلامي كبير ومؤثر تبنّى نسخة حداثية/ ليبرالية من الإسلام. الإسلام الليبرالي مطارد في كل ميادين التأثير الثقافي والديني، وعلى أكثر من مستوى، فالحِرابُ تتناوله من كل جانب؛ بينما هو لا يزال في المهد يبحث عن رمق الحياة. حتى تلك الحِرَاب المتصارعة فيما بينها، وحتى ما كان منها يزعم الاستنارة والانفتاح، تجدها لا تتّفق على شيء، بقدر ما تتّفق على نبذه وإقصائه، ووصمه بالتزييف والتجديف، بل و ـ أحيانا ـ بالمروق من الإسلام.

لكن، ما السبب في كون الحرب على التجديد الإسلامي الحق (القراءة التنويرية للإسلام) تحظى بما يشبه الإجماع في عموم العالم الإسلامي؟ لماذا كل هذه الصلادة في منع كل مشاريع لَبْرَلَة الإسلام التي تكفل له الدخول إلى العصر الحديث؛ فالاستمرارية والفاعلية من جهة، ومن جهة أخرى، تمنح معتنقيه مساحات من الفعل في واقعهم المعاصر؛ بعيدا عن التمزق ما بين تصورات عقائدية/ فقهية ذات طابع إيماني (تشترط بالضرورة سلوكيات محددة كثيرا ما تؤزّم العلاقة بالواقع)، وتصورات حداثية هي كالشرط اللازم للفاعلية/ الإنتاج/ التقدّم في واقعهم الراهن؟ 
الجواب ـ في تقديري ـ يكمن في أن الإسلام كما هو في نسخته التقليدية، وبكونه يتمدد ـ عُمْقا ـ في تفاصيل الاجتماعي/ الحَيَاتي، نشأت عليه وبه مصالحُ وامتيازاتٌ راسخة، مُتَعالقة فيما بينها في شبكة بنيوية مُتَعَاضدة؛ بحيث بات أرباب هذه المصالح والامتيازات يدركون بوضوح أن أي تغيير يمس هذه "النسخة التقليدية"، فهو ـ بالضرورة ـ يمس هذه المصالح والامتيازات، وبقدر ما يكون التغيير نحو الأحدث والأكثر عصرنة؛ بقدر ما يتم الانتقاص من هذه المصالح التي يرونها استحقاقا طبيعيا لا يجوز المساس به. 
ولهذا، فهم وإن تسامحوا مع قليل من التجديد الذي يمس السطح، إلا أنهم لا يتسامحون حتى بهذا القليل إلا في سياق مُوَازنات كثيرة ومُعَقّدة؛ مُوَازَنات تحاول المواءمة ما بين الآثار السلبية لمنع هذا "التجديد الخجول" من جهة، والآثار السلبية للسماح بمروره ـ كطوق نجاة طارئ/ عابر؛ في ظل أمواج المتغيرات القسرية ـ من جهة أخرى.

هنا، لا بد أنه سيخرج عليّ مُعترضٌ؛ فيقول: كيف تقول بغياب التجديد في الإسلام المعاصر؟ ألم تقرأ لكثيرين كتبوا في التجديد، بل وقدمّوا قراءات تنويرية متقدمة جدا؟ أين أنت عن قراءات بذل فيها كثير من المفكرين زهرة أعمارهم؟ هذا أولا، وثانيا، ألم تسمع التصريحات التي تصدر كل يوم تقريبا عن بعض الشخصيات الإسلامية من دعاة وشيوخ وخطباء منابر في المساجد وفي الفضائيات، إضافة إلى بعض المتحدثين بلسان بعض المؤسسات، وكل هؤلاء يتقدّمون بآراء تجديدية جريئة، تجنح للتسامح والانفتاح على الآخر وتعزيز روح التعايش... إلخ، الكلام الجميل؟

طبعا، قرأت ما كتبه ويكتبه أولئك، وسمعت ما قاله ويقوله هؤلاء، ولكن كل هذا ليس بشيء عند فحص واقع الحال. فالمفكرون والباحثون الذين تقدّموا بآراء تنويرية جريئة في قراءتهم للإسلام، هم ـ وكما قلتُ ذلك من قبل ـ يقعون خارج دائرة التأثير في الخطاب الإسلامي الذي يحظى بأكبر قدر من الاعتبار الجماهيري. وبالتالي، فخطابهم منبوذ (وإن أثّر على المدى البعيد، وبصورة غير مباشرة)، خطابهم ليس له أي أثر على جماهير المسلمين المتدينين، لا داخل العالم الإسلامي، ولا خارجه/ في دول المهجر الغربي.

وأما الشخصيات الإسلامية التي تتبرع بكثير من التصريحات ذات الطابع التنويري الانفتاحي (وهي شخصيات كان يمكن أن يكون لها أثر لو أثبتت ـ علميا/ بحثيا ـ أنها تصدر في تلك التصريحات عن قناعة وقدرة على الإقناع)، فهي أيضا غير مقنعة بأكثر مما يستطيعه أولئك المفكرون التنويريون الذين قد يحظون ببعض الاحترام لصراحتهم وجرأتهم وصدقهم مع مقدماتهم التي يعتمدونها في مقارباتهم البحثية؛ عكس هذه الشخصيات التي تبدو مراوغة ومخادعة والكلام لديها بالمجان!
     
جماهير المتدينين ـ في عمومها ـ ليست بتلك الدرجة من الساذجة التي تجعلها تتنكر لقناعاتها الراسخة التي نشأت عليها لعشرات السنين بمجرد تصريح دَعَوي ظرفي عابر، يتراءى للجميع أنه صدر للمجاملة أو لتحسين الصورة أو لمصلحة شخصية؛ في سياق صمت مريب عن كل ما يناقض  جوهر التصريح من تراث صاحب هذا التصريح !

مثلا، هل لو ذهب شيخ من شيوخ "الأزهر" إلى أحد المؤتمرات العالمية، أو حتى خرج في حوار فضائي، وتحدث ـ بلسان الأزهر ـ أن الإسلام دين تسامح وتعايش وحرية...إلخ عبارات المجاملة أو عبارات التجميل، ثم اضطره الحوار، أن يقول: إن الإسلام دعوة بــ{التي هي أحسن}، وأن الإسلام لا يجبر أحدا على الدخول فيه، وأن كتاب الله واضح في أنه {لا إكراه في الدين}، و{فذكّر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر}. هنا، ربما سيقف له أحدهم ويقول ـ في منحى جدلي ساخن ـ: وماذا عن "قتل المرتد"؟  

طبعا، هذا السؤال الاعتراضي ورطة! خاصة عندما يُطرح في سياق يعرف المسؤول أنه مطالب بالاتساق مع عرضه الذي هو بصدده: طرحه الانفتاحي التسامحي التعايشي الحرياتي السابق، أي في سياق المفردات التي كان يظنها مجرد تصريحات دينية دبلوماسية عابرة؛ فإذا هي تضعه على مفترق طريقين؛ أحلاهما مُرٌّ: هل سيقول بأن حكم "قتل المرتد" هو الحكم الذي يراه ويعتمده لأنه ـ ببساطة وباتساق ـ هو الحكم يحظى بما يشبه الإجماع في التراث الإسلامي في شقيه: السني والشيعي، أم سيتجاهل كل ذلك، ويقول ـ كتصريح عابر مُنْبَتّ عن أي نسق سابق، وعن أي توافق فقهي مُجَايل/ معاصر ـ: قتل المرتد ليس من الإسلام في شيء!!

الأقرب ـ من حيث هو متحدث ديني بوظيفة دبلوماسية ـ أن يقول: قتل المرتد ليس من الإسلام في شيء، ثم يبدأ بعرض وشرح آيات تدل على عدم الإلزام ـ إكراها ـ بالإسلام (طبعا، من دون عرض الرأي المراوغ عن الفرق بين: خيار عدم الدخول في الإسلام ابتداء، وخيار الخروج منه بعد الدخول فيه)، وأن الإسلام لا يقتل أحدا لمجرد أنه ترك دينه/ الإسلام. وهنا، لا ندري ـ إذ لن يتبرّع بالتوضيح ـ عن أي إسلام يتحدث؟ عن الإسلام كما يفهمه هو خاصة، وفي هذه اللحظة الحرجة الخاصة، أم الإسلام في نصوصه الأولى؛ دون اعتبار للتجربة التاريخية، أم الإسلام في نصوص عموم الفقهاء والمجتهدين ومفعّلي الإسلام على امتداد تاريخه الطويل؟! 

الأهم من كل ذلك، أنه عندما يقول بهذا الرأي التسامحي الانفتاحي، لا يشير ـ ولو مجرد إشارة! ـ إلى موقفه من كل التراث الذي يقول بالعكس تماما/ يقول بقتل المرتد، خاصة وأن هذا التراث هو التراث الذي تتلمذ عليه طوال عمره، وبواسطته حصل على شهاداته من جامعته/ الأزهر، والمؤسسات التعليمية التي منحته شهاداته، وأيضا تلك التي انتدبته ليتحدث باسمها تعتمد كل المراجع التراثية والمعاصرة التي تقول بعكس تصريحه تماما، فهل نُصدّقه أم نُصدّق كل هذا التراث؟! 

كان يمكن أن نصدّقه لو أن الأزهر اجتمع بهيئاته الدينية، وبعموم شيوخه المعتبرين، وقام بمراجعة هذا الحكم (قتل المرتد) في كل كتب التراث المعتمدة في عموم المدارس والكليات الشرعية، ثم ـ بعد البحث المستفيض ـ أصدر كُتبا أخرى تنقض كل ما في كتب التراث بشأن هذا الحكم، وبناء على كل هذا أصدر بيانا مؤسساتيا صريحا بأن الصواب في هذه المسألة ليس ما قاله الأسلاف، ليس ما تم تدريسه على مدى أجيال وأجيال، بل كل ما سبق كان خطأ فادحا يجب التراجع عنه. هنا، وهنا فقط، نستطيع أن نقول: إن "التصريح" المبني على كل ما سبق من مراجعات شاملة، ومن نقد وتقويض وتفنيد، ومن إعادة كتابه للمناهج المقررة والكتب المعتمدة، هو تصريح صادق مبني على أساس علمي متين، وبالتالي؛ سيكون مقنعا لعموم المسلمين.

نأتي هنا إلى مشكلة المسلمين في المهجر الغربي، إذ هم الأكثر تضررا من هذا التراث. ليست مشكلتهم أنهم مسلمون؛ بقدر ما هي أنهم مسلمون "متأسلمون" بذات التراث الذي يتديّن به المسلمون في أوطانهم الأصلية. وإذا كان التجديد للإسلام في داخل العالم الإسلامي مرتبط ـ كما سبقت الإشارة ـ بمواضعات وموازنات ذات طابع مصلحي تعيق أي تجديد حقيقي، فليس المسلمون ـ وخاصة في المهجر الغربي ـ مضطرون لاستمداد مشروعية إسلامهم من إسلام البلاد التي نزحوا منها طائعين أو مكرهين.

لهذا، أمام المسلمين ـ في الغرب خصوصا ـ ثلاثة خيارات؛ لا رابع لها في تقديري، وعليهم أن يختاروا بكل وضوح ما يناسبهم منها:

1 - الخيار الأمثل، والأكثر واقعية، يتمثّل في الآتي: بما أنهم هم الذين أتوا إلى الغرب، ولم يأتِ الغرب إليهم، هم المحتاجون للغرب، وليس الغرب محتاجا إليهم؛ فعليهم أن يقطعوا خط المشروعية الدينية التي تصلهم بالتدين التقليدي الموجود في العالم العربي والإسلامي، ويجترحوا ـ برؤية تنويرية ذات أفق ليبرالي ـ سرديتهم الدينية الإسلامية الخاصة؛ وفق ظروفهم الخاصة التي تختلف كثيرا، بل وجذريا، عن ظروف الأوطان التي نزحوا منها. وهذا يعني ـ بالضرورة ـ أن يستغنوا عن كل صور الدعم، المادي والمعنوي، الآتي من العالم الإسلامي، في مقابل الاعتماد الكامل والحصري، على الدعم المتاح في الدول التي يعيشون فيها.

لا يمكن للغرب أن يتغيّر ليتلاءم معهم، بل هم الذين يجب أن يتغيروا ليتلاءموا مع الغرب. وهذا لا يعني أن يقفوا موقفا سلبيا من كل ما يعارض تصوراتهم، حتى تلك التي تصدر عن مقاربات تنويرية لهويتهم الدينية والثقافية، وإنما على العكس، عليهم أن يسعوا ـ برؤية انفتاحية تواصلية حوارية ـ لخلق توافقات قانونية تنظيمية تحفظ لهم حقوقهم وتضمن لهم احترامهم. فمثلا، إذا كانت بعض صور حرية التعبير تصل إلى حد الإساءة لهم بالإساءة إلى رموزهم، فعليهم الاشتغال ـ مدنيا وتنويريا، وعبر وسائط حوارية توافقية ـ لإقناع الوسط الذي يعيشون فيه باجتراح تفاصيل استدراكية على تلك الحرية تتلاءم مع قناعاتهم. وسواء اقتنع المجتمع برؤيتهم أم لم يقتنع؛ فعليهم أن يتعايشوا مع واقعهم، واقع هم الذين اختاروا العيش فيه على أي حال.

2-  مَن يعتقد منهم أنه غير قادر على ضبط نفسه وفق النسق الثقافي والقانوني للوطن الذي يعيش فيه، وأنه سيجد نفسه في صراع بين معتقداته والواقع الذي يعيش فيه؛ فعليه أن يعود إلى وطنه الأصلي، وطن أجداده، وإن لم يتح له؛ فعلى الأقل إلى وطن مشابه له، يكفل له أن يمارس معتقداته دونما صدام قد ينتهي بقتل وقتال.

3-  البقاء في الغرب، مع الاحتفاظ بالقناعات التراثية الرائجة في البلدان الأصلية، والاستعداد للصدام ـ بكل مستويات الصدام ـ في كل منعطف حياتي يمر به الإنسان. وهذا خيار كارثي مدمر؛ لا يجني على عموم المسلمين في المهجر الغربي فحسب، وإنما على الإسلام وعلى مسارات تحققه في كل مكان. وللأسف، فإن هذا الخيار الكارثي المدمر هو خيار الأغلبية من المسلمين في المهجر منذ زمن طويل. لكن لعل الأحداث الأخيرة في فرنسا، والجدل الكبير الدائر حولها في فرنسا وفي الغرب عموما، يجعلهم يجنحون ـ بغالبيتهم الفاعلة ـ إلى الخيار الأول. وأما مَن لا يستطيع؛ لأي سبب كان؛ فعليه بالخيار الثاني كأفضل خيار متاح.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.