طلاب في جامعة فرنسية يناقشون مقتل المدرس على يد متطرف.
طلاب في جامعة فرنسية يناقشون مقتل المدرس على يد متطرف.

ردود الفعل الرسمية والشعبية العربية والإسلامية على جريمة قطع رأس مدّرس فرنسي على يد شاب مسلم لأنه عرض على تلامذته صورا كاريكاتورية للنبي محمد، طرحت مرة أخرى الأسئلة الملحة القديمة-الجديدة بشأن إشكالية علاقة المسلمين بالعالم غير الإسلامي، وعلاقتهم بتاريخهم ومفاهيمهم المعقدة والمبسطة للنص الديني. 

هذه الأسئلة طرحت بعد كل هجوم إرهابي تعرضت له فرنسا أو غيرها من الدول الأوروبية والولايات المتحدة خلال العقد الماضي على يد إرهابيين استلهموا تعاليم وإرشادات تنظيم "القاعدة" أو ما سمي "بالدولة الإسلامية " (داعش). بعض هؤلاء القتلة كانوا مهاجرين، أو –وهذا أسوأ بكثير- من المولودين في هذه المجتمعات التي يتهمونها بالكفر ويسعون إلى تدميرها، في الوقت الذي يستفيدون من خدماتها الاجتماعية والاقتصادية.

يمكن للمراقب المحايد أن يتساءل أو أن يعترض على كيفية تعامل فرنسا، في هذه الحالة، مع موجة الإرهاب الأخيرة التي عصفت بها، وما إذا كانت تصريحات الرئيس إيمانويل ماكرون وبعض وزرائه موضوعية أو متهورة، أو حتى مع تعامل فرنسا تاريخيا مع المهاجرين المسلمين الذين قدموا إليها من مستعمراتها القديمة في أفريقيا منذ انتهاء الحقبة الاستعمارية، وإخفاقات السلطات الفرنسية والمهاجرين وقياداتهم في تسهيل عملية انسجام أو انصهار المهاجرين في وطنهم الجديد. لا شك أن المفهوم الفرنسي للعلمانية، والذي يفسره البعض – بسبب الثورة الفرنسية - على أنه معاد لطبقة الأكليروس (من مسيحية وغير مسيحية) وحتى للدين، أثار ولايزال يثير الكثير من الجدل، وهو مفهوم يختلف عن مفهوم العلمانية في الولايات المتحدة الذي يعني ببساطة فصل الدين عن الدولة، ولكن هذه المسألة يجب أن يحسمها الفرنسيون بأنفسهم بغض النظر عن معتقداتهم الدينية، لأنهم يعيشون في مجتمع ديموقراطي.  

ولكن ما هو مرفوض هو ردود الفعل العربية-الإسلامية المعتدة بنفسها والتي تنضح بالورع الزائف والغضب المبالغ به والاختباء وراء قناع التدّين الملفق، والتي خرجت من أفواه أولئك الذين نصبوا أنفسهم أوصياء على الدين الإسلامي او حرّاس قدسيته، مثل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، ورئيس وزراء باكستان عمران خان، ومن مسؤولين آخرين في دول مثل قطر والكويت والسعودية والأردن وغيرها.

مسألة شعور المهاجرين المسلمين –كأقلية عددية – في فرنسا ومجتمعات أوروبية أخرى بأنهم يعيشون على هامش مجتمعاتهم، أو أن الأكثرية تعاملهم وكأنهم عابرون أو مواطنون من الدرجة الثانية، ويجدون صعوبة في الانصهار في هذه المجتمعات لأسباب ثقافية والأهم من ذلك لأسباب اقتصادية، هي مسألة تهيمن على جميع أعمال العنف التي شهدتها هذه المجتمعات في السنوات الأخيرة. التمييز المنظم في مجالات التعليم والإسكان والتوظيف الذي يعاني منه الكثير من المسلمين في أوروبا، هو حقيقة محرجة لهذه المجتمعات وعليها مواجهتها ومعالجتها بجدية. ولكن الحقيقة الأخرى والمحرجة للعديد من المسلمين أنفسهم في هذه المجتمعات متمثلة أيضا في رفض شريحة هامة منهم في التأقلم مع مجتمعاتهم الديموقراطية الجديدة، وبقاء العديد منهم أسرى للإرث السلطوي الثقافي والاجتماعي الذي حملوه معهم من أوطانهم الأم، أو ربوا أطفالهم عليه في مجتمعاتهم الجديدة. ظاهرة استيراد رجال الدين من دول مسلمة تحكمها طبقة سياسية–دينية متسلطة ومتعصبة لإدارة المساجد والمدارس التابعة لها في الدول الأوروبية، أثبتت أنها كارثية.

صحيح أن الأكثرية الساحقة من المهاجرين إلى المجتمعات الغربية المزدهرة اقتصاديا والتي تحكمها أنظمة ديمقراطية، يتركون أوطانهم سعيا لحياة أفضل اقتصاديا لأنفسهم ولأولادهم، أو هربا من الظروف السياسية الصعبة التي يعيشون في ظلها، وخاصة إذا كانوا ينتمون إلى أقليات إثنية أو دينية تعاني من التمييز. ولكن هناك في صلب عملية الهجرة إلى مجتمع جديد، أمر بالغ الأهمية، قد لا يفكر فيه معظم المهاجرين مسبقا، وهو طبيعة علاقتهم بما يسمى بالإنجليزية  Ethos  "روح" أو جوهر، أو طبيعة مجتمعاتهم الجديدة. وإذا كانت هذه المجتمعات ديمقراطية كما هو الحال في معظم الدول الأوروبية والولايات المتحدة وكندا، فإن هذا يعني قبول المهاجر لدساتير هذه الدول وإرثها الديمقراطي والوثائق والمبادئ التأسيسية لهذه المجتمعات والأنظمة السياسية التي تحكمها. 

جئت إلى الولايات المتحدة للدراسة في 1972، ولم أهاجر إليها أصلا، لأنني كنت اعتزم العودة إلى لبنان. اردت أن أرى القارة التي اكتشفتها في بيروت بشكل مبهم في أفلام السينما والتي أحببتها من خلال موسيقاها، مع اعتراضي الكبير على سياساتها في الشرق الأوسط وفي فيتنام. ولكن مع مرور الزمن وتعلقي المتزايد بالثقافة الأميركية والديمقراطية التي عشت في ظلها كطالب حتى قبل أن أصبح مواطنا أميركيا، قررت اعتبار الولايات المتحدة وطني الجديد أو مقري الأخير. وحين يسألني أحد: لماذا قررت أن تصبح أميركيا، جوابي البسيط هو ما اسميه: "الإنجيل العلماني الأميركي" المتمثل بالدستور وإعلان الاستقلال والأوراق الفدرالية (التي تشرح الدستور الأميركي) وكتابات رؤساء مثل توماس جيفرسون وتحديدا أبراهام لينكولن. هذه الوثائق والكتابات والمفاهيم هي المبادئ التأسيسية للجمهورية الأميركية التي تجعلني أقول: وطنك هو المكان الذي تعيش فيه بحرية.

هذه الحقيقة تطرح سؤالا جوهريا على كل مهاجر إلى مجتمع ديمقراطي مثل فرنسا أو الولايات المتحدة. هل ستقبل هذا المجتمع بجميع مبادئه الأساسية وفي مقدمتها حريات التعبير والتجمع والعبادة (والإلحاد أيضا)؟ هل ستقبل مفهوم التنافس السياسي والأيديولوجي عبر الانتخابات النزيهة؟ وقبول نتائجها حتى عندما لا تلائمك؟  هل ستقبل مفهوم المساواة بين الرجل والمرأة، وعدم التمييز بين المواطنين بسبب خلفياتهم الدينية أو الإثنية؟ وهل ستقبل بمفهوم التعددية السياسية والثقافية في ظل قبة وطنية كبيرة تحمي جميع من يعيش تحتها؟ هذه أسئلة يجب أن تكون في صلب أي سجال حول مستقبل الجاليات المسلمة في المجتمعات الغربية. المهاجرون من المجتمعات العربية والمسلمة إلى الدول الغربية يجب أن يناقشوا هذه المسائل بصراحة ودون مواربة. المهاجر المسلم في هذه المجتمعات لا يستطيع أن يقول لا توجد هناك مساواة بين الجنسين في القرآن أو في التقاليد الإسلامية، كما لا يستطيع فرض قيود على حرية التعبير باسم احترام الدين أو ما يعتبره قدسية النص الديني. المهاجر المسلم–وغير المسلم–لا يستطيع أن يقول أريد أن استفيد من الخدمات الصحية والتعليمية وغيرها التي يقدمها لي هذا المجتمع الفرنسي أو الأميركي، ولكنني لا أريد قبول مبادئه السياسية وممارساته الديمقراطية لأنها تتناقض مثلا مع الشريعة الإسلامية أو ما يعتبره Ethos  الدين الإسلامي. هذه انتقائية تؤدي إلى انفصام مؤلم لا يساعد المهاجر على الانتماء الحقيقي لمجتمعه. وبما أننا نتحدث عن مجتمعات ديمقراطية، يستطيع المواطن المسلم الجديد أن يشارك فيها سياسيا وأن يدافع عن حرياته وحقوقه بما فيها معتقداته الدينية، طالما لا تمس بجوهر ديمقراطية هذه المجتمعات.

هناك أيضا مسألة هامة تتعلق بمفهوم الدين، أي دين، وهي أن الأديان هي أكثر بكثير من النص المقدس. الأديان هي حصيلة التجربة التاريخية لأتباع كل ديانة، وكل الطوائف والمذاهب التي تنبثق مع مرور الوقت عن كل دين. وهذا ما يفسر حقيقة أن الدين الإسلامي على سبيل المثال لم يتطور في الجزيرة العربية ولاحقا في دمشق وبغداد والقاهرة، كما تطور في الهند، أو في أفريقيا، أو في تركيا (الإمبراطورية العثمانية) أو في الأندلس. الإسلام الوهابي المتعصب، أو إسلام طالبان، ليس إسلام بغداد في أوج حضارتها. إسلام الأندلس الذي أعطانا في قرطبة ابن رشد المسلم وابن ميمون اليهودي ليس إسلام الجمهورية الإسلامية الايرانية اليوم. ولذلك لا أرى أي إشكالية في دعوة الرئيس ماكرون إلى بناء "إسلام في أوروبا يمكن أن يكون إسلاما ينتمي إلى (حركة) التنوير؟". إذا كان المسلمون يريدون مستقبلا لهم كمسلمين وكمواطنين في هذه المجتمعات الغربية، عليهم أن يواجهوا هذا السؤال بصدق وبصراحة.

السجال والصراخ الحاد الذي شهدناه في العديد من المجتمعات ذات الأكثرية المسلمة، تميز بكثير من الخبث والمعايير المزدوجة.  بعض هذه المجتمعات تثور وتغضب غضبا أعمى وتخرج بتظاهرات عنيفة تؤدي إلى مقتل المدنيين الأبرياء بعد حادثة تقع على بعد آلاف الأميال لحرق نسخ من القرآن يقوم بها معتوه ما لأسبابه الغريبة. في الصراخ والعويل الراهن ضد فرنسا رأينا دعوات لمقاطعة البضائع الفرنسية من مجتمعات لا تصنع أي شيء يذكر، ورأينا استهجانا مدويا لفرنسا وهي تتعقب الإرهابيين، ولم نر أي استهجان من قبل إردوغان وعمران خان أو قادة مصر أو السعودية ضد الانتهاكات الشنيعة لحقوق الأقلية المسلمة في الصين، أو للعنف الذي مارسه الرئيس فلاديمير بوتين ضد المسلمين في القوقاز أو ضد المسلمين في روسيا الاتحادية. ولماذا لا نرى الدول ذات الأكثرية المسلمة تنتقد العنف الذي يمارسه مسلمون ضد غيرهم من المسلمين؟ وهل يجب أن نذكّر بأن أطول حرب نظامية جرت في القرن العشرين كانت الحرب التي شنها العراق بأغلبيته المسلمة ضد إيران بأغلبيتها المسلمة؟ وهل يجب أن نذّكر بأن العنف السياسي ميز المجتمعات المسلمة منذ بداية الفتنة الأولى بعد اغتيال الخليفة عثمان بن عفان؟ (المسلمون في هذا السياق لا يختلفون عن المسيحيين، الذين تميز تاريخهم منذ اعتناق الإمبراطورية الرومانية للدين المسيحي بعنف المسيحيين ضد المسيحيين في القارة الأوروبية، حيث شهدت القارة مذابح جماعية باسم الدين).

كلمة أخيرة حول الاستهجان الخبيث. بعد حوادث الإرهاب التي يقوم بها أفراد باسم الدفاع عن الدين الحنيف، نسمع شخصية سياسية أو حتى ثقافية تقول: هذه جريمة بشعة، ولكن.. ثم يقوم هذا السياسي أو مدعي الثقافة بإعطائنا محاضرة عن ضرورة وضع الجريمة في سياقها السياسي أو التاريخي، ويفتي علينا بطروحات حول الطبيعة القبيحة لمجتمعات أوروبا التي غزتنا باسم الحملات الصليبية، وزارتنا لاحقا باسم الاستعمار لتبقى لأجيال عديدة تعيث بأرض المسلمين الخراب والاستغلال. وكأن المسلمين لم يقوموا بزيارات مماثلة لجنوب أوروبا والبلقان ولم يبقوا في الأندلس لمئات السنين ووصلوا حتى إلى جنوب فرنسا. علينا أن نذكر أنه عندما كان المسيحيون الإسبان يحتلون الأندلس ويطردون العرب والبربر واليهود منه، كان المسلمون العثمانيون في الوقت ذاته يقتحمون آسيا الصغرى ويطردون المسيحيين منها.  الذراع العسكري القوي للإمبراطورية العثمانية، أي الإنكشارية، كانت مؤلفة من الأطفال المسيحيين الذين كان يأسرهم الجيش العثماني ويربيهم كجنود مسلمين محترفين لحماية السلطان، ولكي يكونوا القوة العسكرية الضاربة لجيوشه. طبعا هناك فروق وخلافات بين هذه الفتوحات للمسلمين والمسيحيين، وليس من الإنصاف وضعها في خانة واحدة، ولكن لا يحق للمسيحي أو المسلم أو أي تابع لأي ثقافة أو دين آخر ادعاء الطهارة الأخلاقية، لأن الجميع تلطخت أيديهم بالدماء بين وقت وآخر.

ما حدث في فرنسا يجب أن يكون فرصة أخرى، لمناقشة كل هذه القضايا بصراحة وصدق وموضوعية، والتشنج الديني والتعصب الثقافي يؤدي إلى المزيد من الاستقطاب السياسي والثقافي والمزيد من سفك الدماء والمزيد من الدموع.  

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.