السودان يشهد حراكا مستمرا.
السودان يشهد حراكا مستمرا.

تدور في السودان هذه الأيام نقاشات عميقة حول طبيعة الدولة في المستقبل، هل هي دولة مدنية أم علمانية أم مدنية ذات مرجعية إسلامية؟ والعبرة عندي بالمحتوى وليس التسمية فالدولة التي ننشدها يجب أن تقف على مسافة متساوية من جميع الأديان وتنبني فيها كافة الحقوق والواجبات على أساس المواطنة دونما تمييز.

قبل عدة سنوات قام المعلم البريطاني، راي كو، بالتبرع بكليته لتلميذته، علياء أحمد علي، بعد أن علم أنها في حاجة ماسة لكلية إثر إصابتها بالفشل الكلوي. وفي وقت سابق كان المواطن المصري، عدلي حسن الزناتي، الذي يقطن بإحدى قرى الصعيد قد عرض التبرع بإحدى كليتيه للبابا الراحل شنودة الثالث قبل وفاته وحرر تعهدا مكتوبا بتوقيعه في هذا الشأن.

يبدو جليا أن دافع المعلم البريطاني والمواطن المصري لاستئصال عضو من جسديهما والتبرع به لأناس لا يشاركونهما المعتقد الديني في الحالتين (مضافا إليه اللغة واللون والجنس والأصل العرقي في حالة المعلم البريطاني) يُعزى فقط للاشتراك في "الأصل الإنساني" الذي علا عند كليهما على أية رابطة أخرى.

من المؤكد أن هذا السمو في الفهم والإدراك لقيمة الإنسان والأخوة الإنسانية إذا انسحب على العلاقات داخل إطار الدولة الواحدة وبين الدول ارتقى بها إلى ذرى عالية تتخطى العصبيات الدينية والعرقية والجنسية وغيرها.

جاء نزول الشرائع السماوية في الأصل لخدمة الإنسان وهدايته وتحقيق وحفظ مصالحه المعتبرة على هذه الأرض ولم يُخلق الإنسان من أجل خدمة الشرائع السماوية فالإنسان خلق أولاً ثم جاء الدين ليرشده ويهديه إن أراد وإلا فعليه أن يتقبل مصيره يوم القيامة. لقد كان الإنسان على الدوام هو محور الأديان والرسالات والخطاب الإلهي.

قد قطعت الدولة المدنية الحديثة أشواطا كبيرة في سبيل تحقيق حلم دولة الإنسان، وهذه الدولة وإن اعترتها جوانب عديدة من النقص تظل أفضل الخيارات المتاحة أمام الإنسانية في وقتنا الحاضر للوصول لذلك الحلم. 

يعلمنا درس التاريخ القريب والمعاصر أن محاولات بناء الدولة على أساس تفوق العرق قد أورثت البشرية مآسٍ وفظائع كبيرة (ألمانيا النازية وجنوب إفريقيا العنصرية) وكذلك فعلت محاولات تحديد سقوف الدولة على أساس الدين أو المذهب نفس الشيء وليس بعيدا عن ذلك مساعي البناء على تمجيد الطبقة الاجتماعية (الاتحاد السوفيتي). 

الدولة الإنسانية تعني تحقيق مقصد الإرادة الإلهية بتكريم الإنسان - (ولقد كرمنا بني آدم) من حيث هو إنسان وفقط. هي دولة تستبعد من هويتها الدستورية والقانونية أية أوصاف أخرى ملحقة بالإنسان من عرق وطائفة ودين ومذهب وحزب وطبقة وغيرها.

وهي دولة غايتها تحقيق العدل بين جميع أفرادها ومكوناتها بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية أو المذهبية أو الجنسية، والعدل قيمة إنسانية مطلقة لا ترتبط بهذه الانتماءات وكما قال ابن القيم: إذا ظهرت أمارات العدل فثم شرع الله ودينه. 

وفي التراث الإسلامي ما يفيد بذلك فقد امتدح الرسول حكم العدل من غير المسلمين ووجه أصحابه بالاحتماء به وقال لهم في الهجرة الأولى (لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه). 

الدولة الإنسانية لا تعارض الدين ولكنها تناقض الدولة الدينية التي تميز بين أفرادها على أساس انتماءهم الديني والمذهبي، وهذا التمييز لا بد أن يقع في ظل الدولة الدينية مهما ادعى المنادون بها من دعاوى تقول إنها تحفظ حقوق أصحاب الانتماءات المختلفة، وأمامنا أسطع نموذج لطبيعة هذه الدولة وهو ما مارسته الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وما مارسته قبلها دولة طالبان في أفغانستان.

وحتى لا ينحرف الناس بالجدال حول المصطلحات المفخخة عن التعريف الحقيقي بماهية الدولة التي نرغب في قيامها فإن الدولة المدنية الإنسانية تمثل الخيار الأمثل الذي يجب أن نركز عليه في أطروحاتنا.

وكان أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، سعد الدين هلالي، قد دعا لصياغة "الدستور الإنساني" الذي يحقق مبادئ الإسلام وقيمه النبيلة، فينص على أن العدل أساس الحكم، والحرية والكرامة والمساواة من القيم الإنسانية التي "لا يجوز تفسيرها بما يعطلها".

عودٌ على بدء: إذا استفتى عدلي حسن الزناتي أحد شيوخ هذا الزمان العجيب حول نيته التبرع بكليته للبابا الراحل شنودة فالغالب أن الجواب سيأتيه كالآتي: حرام، لا يجوز إدخال كلية مسلمة في جسد كافر ولو لجأ راى كو لاستشارة رجل دين مسيحي في موضوع تبرعه بكليته للطالبة المسلمة ربما أجابه: لا بأس، ولكن من الأفضل أن تتبرع بها لأحد أتباع الرب يسوع.   

حسنا فعل الرجلان حين استفتيا فطرتهما السليمة: (استفت قلبك، استفت نفسك وإن أفتاك الناس وأفتوك).

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.