تصاعدت خلال الأيام الماضية الدعوات لمقاطعة المنتجات الفرنسية، وسط احتدام حدة الخلاف بين الحكومة الفرنسية وبعض الدول ذات الغالية المسلمة على خلفية عمليات إرهابية قام بها إسلاميون تضمّنت اغتيال أستاذ مدرسة فرنسي لإقامته حلقة بحث حول رسوم شارلي إيبدو وحرية التعبير، ثم قيام إرهابي إسلامي آخر بمهاجمة امرأتين ورجل أثناء صلاتهم في كنيسة في مدينة نيس وقتلهم وقطع رأس إحدى النساء، والتي رأت فيها بعض المراكز الإسلامية مجرّد رد فعل متوقّع على الرسوم المسيئة للنبي محمد، مما أدّى إلى شعور عند الرأي العام الفرنسي بوجود تهديد للثقافة والعلمانية وحرية التعبير التي تميزت بها الجمهورية الفرنسية منذ قيامها.
والمطالبة بمقاطعة البضائع الفرنسية يقود للتساؤل حول ما هي إمكانية تنفيذ مثل هذه المقاطعة عمليا، ومن هي الأطراف التي ستلتزم بها وما مدى فعاليتها وتأثيرها على الاقتصاد الفرنسي، خصوصا أن الدول العربية والإسلامية هي بالإجمال اليوم دول فقيرة وذات حجم متواضع في التجارة العالمية، بحيث أصبح شعار "مقاطعة البضائع" لإحدى الدول بهدف الضغط عليها لتغيير سياساتها عبارة قادمة من عصور سابقة، وتحديدا من سبعينات وثمانينات القرن الماضي عندما كان النفط هو شريان الاقتصاد العالمي، وعندما كانت مواقع إنتاجه الرئيسية تتركز في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
ففي ذلك الزمن كان العالم معتمدا تماما على النفط وكان فائض الأموال التي وفرها "الذهب الأسود" كما كان يسمّى وقتها قد أدى إلى تراكم ثروات في هذه المنطقة من العالم مما جعلها سوقا استهلاكية لها وزنها، ولكن الوضع الحالي أصبح بعيدا تماما عن ذلك، فقد عادت الكثير من الدول العربية والإسلامية فقيرة ومفلسة كما كانت قبل عصر النفط، وفي المجمل فإن الناتج الإجمالي للمسلمين الذين يشكلون 24.1 من سكان العالم كان أقل من عشرة في المائة من الناتج العالمي الإجمالي، ثم تراجعت هذه النسبة إلى مستوى أقل مع انخفاض أسعار النفط خلال السنوات الأخيرة، حتى أصبحت القدرة الشرائية للعالم الإسلامي أكثر تواضعا وليس لها هذا التأثير على السوق العالمية أو على الدول التي تقاطعها، خصوصا إذا كانت من الدول الثرية والقوية اقتصاديا.
ومن الأمثلة على الوضع المأساوي لبعض هذه الدول، إيران والعراق وسوريا ولبنان وليبيا واليمن التي تحول بعضها إلى دول فاشلة عاجزة عن تأمين حاجات شعوبها وبعضها يعيش اليوم على أبواب مجاعة حقيقية، والأفضل حالا أشهرت إفلاسها وتنتظر من العالم إنقاذها، كما ارتفعت نسبة من يعيش تحت خط الفقر في مصر وباكستان إلى مستويات قياسية، وحتى دول الخليج فقد وصلت مؤخرا إلى مرحلة شد الأحزمة على البطون حتى لا تستنفذ صناديقها السيادية والتي يعتبر استثمارها بحكمة هو فرصتها الأخيرة المتبقية لها حتى لا تدخل مرحلة الإفلاس مثل بقية جيرانها.
كما يمكن تقدير انعكاس المقاطعة على فرنسا تحديدا من الإحصائيات المتاحة أمام الجميع، ففي عام 2019 صدّرت فرنسا بضائع بأكثر من 555 مليار دولار، كان 64.3 في المائة منها من نصيب الاتحاد الأوروبي، و 10 في المائة من نصيب أميركا الشمالية، وأول دولة ذات أغلبية مسلمة في التعامل التجاري مع فرنسا كانت تركيا التي استوردت من فرنسا بضائع بقيمة 6.7 مليار دولار بما يعادل 1.2 في المائة فقط من الصادرات الفرنسية، وتتميز تركيا على عكس بقية الدول العربية والإسلامية بأن ميزانها التجاري رابح مع فرنسا، بما يجعل الخطاب الشعبوي لإردوغان بمقاطعة البضائع الفرنسية مجرد خطوة إعلامية ليس من مصلحة تركيا تنفيذها لأن اقتصادها يمر بأسوأ فتراته نتيجة سياسة إردوغان التي لم تترك لتركيا الكثير من الأصدقاء، وحتى انحدرت قيمة العملة التركية إلى 8.35 ليرة للدولار الواحد، بعد أن كانت أقل من 3 ليرة للدولار قبل سنوات قليلة.
كما أنه لا يوجد موقف موحد بين الدول والشعوب الإسلامية من مقاطعة البضائع الفرنسية، فإندونيسيا وهي أكبر بلد مسلم تبدو مواقفها معتدلة على المستوى الرسمي والشعبي ويمكن اعتبار ما يصدر عنها من تصريحات إعلامية حول فرنسا بمثابة رفع عتب لمجاملة بقية الدول الإسلامية، وفي المغرب وهو البلد الأول المستقبل لتمويلات الوكالة الفرنسية للتنمية خاصة في قطاع العقار وصناعة السيارات هناك 900 فرع لشركات فرنسية متنوعة، كما تعتبر الجزائر أول سوق للقمح الفرنسي والأدوية ومنتجات السيارات والسكك الحديد ومشتقات النفط، كما أن فرنسا هي أهم مستقبل للصادرات التونسية، و35 في المائة من الاستثمارات الأجنبية في تونس هي فرنسية، وهذه العلاقات الاقتصادية القوية بين فرنسا ودول المغرب الكبير تجعل من الصعب على هذه الدول المخاطرة بعلاقتها مع فرنسا.
في المقابل، من الصحيح أن خطاب التطرّف رائج شعبيا ورسميا في باكستان وبنغلادش، وقد يكون هناك حماس لمقاطعة البضائع الفرنسية، ولكن علاقات هذه الدول الاقتصادية مع فرنسا ليست بهذه الأهمية، بينما في مصر ورغم تصاعد خطاب التطرف على المستوى الشعبي كثيرا خلال السنوات الأخيرة، فإن الحكومة تجامل هذا التطرّف ظاهريا رغم أنها تريد مقاطعة البضائع التركية وليس الفرنسية، والجو الشعبي في دول الخليج وهي الدول الوحيدة التي لديها سوق استهلاكي لا بأس به لا يؤيد أبدا مقاطعة البضائع الفرنسية، بل أن الموقف الحقيقي للسعودية والإمارات أقرب للموقف الفرنسي وبعيد تماما عن مواقف المزاودة السياسية التي يتبناها محور الإسلام السياسي.
حتى أن هناك تباينا في الموقف القطري بين الاستعراضات الإعلامية من جهة والموقف الحقيقي المختلف تماما، فمن الصعب على الحكومة القطرية السير في طريق مقاطعة فرنسا اقتصاديا لأنها تعيش علاقات دولية وإقليمية حساسة في ظل الأزمة الخليجية، ولأن علاقاتها الاقتصادية قوية مع فرنسا، فقد ارتفعت واردات قطر من فرنسا عام 2019 بنسبة 27 في المائة، خاصة نتيجة عقد مشروع مترو الدوحة الذي تم بناؤه في سياق الاستعدادات لمونديال 2022.
ولا يمكن أن يكون للموقف الإسلامي أي قيمة حقيقية إذا لم تتبناه أغلبية الدول، وهذا بعيد تماما عن الواقع حاليا، ولذلك فإن المطالبة بالمقاطعة التي يقودها بعض القادة الشعوبيين وبعض المنظمات الإسلامية، تقتصر على مطالبة الشعب بمقاطعة المنتجات الفرنسية لأنه من المستبعد إقدام الحكومات على منع استيراد البضائع الفرنسية لأن لمثل هذه الخطوة ثمن اقتصادي وسياسي لا تستطيع هذه الدول تحمّله، خصوصا في حال تضامن اوروبا وامريكا مع فرنسا في حال مقاطعتها وهذا مرجّح، بالإضافة إلى أن التجاوب الشعبي مع دعوات المقاطعة غير مضمون لأن أغلب الحكومات في الدول الإسلامية غير ديموقراطية ولا تحظى بتأييد شعوبها.
وبالمحصلة فإن أغلب الدول الإسلامية هي اليوم بحاجة لمساعدة المجتمع الدولي وليست في وضع يسمح لها بمقاطعة أي دولة، وكثير منها يعتمد على عائدات المغتربين في الدول الغربية في إنقاذ اقتصاداتها المنهارة، ولذلك ليس هناك فرق كبير بين مطالبة إردوغان بمقاطعة البضائع الفرنسية وبين تفريغ واجهة إحدى المحلات في قطر من البضائع الفرنسية أمام وسائل الإعلام وبين مظاهرة في الأراضي الفلسطينية تدعو لتشكيل جيش إسلامي لفتح باريس!، لأنها جميعها خطوات استعراضية فارغة ليس لها أي قيمة.

