ترامب وبادين يتنافسان في الانتخابات الرئاسية الأميركية.
ترامب وبادين يتنافسان في الانتخابات الرئاسية الأميركية.

بما يتجاوز المعتاد، هذه الانتخابات الرئاسية هي استفتاء على شخص الرئيس، في هذه الحالة دونالد ترامب. هي صبيانيته، أنانيته، ارتجاليته، صلافته، وقاحته، بذاءته، كذبه، استهتاره، وتنصله من المسؤوليات، بالنسبة لمن يرى في خروجه عن المألوف خطراً على النظام السياسي في الولايات المتحدة. ولكنها صراحته، جرأته، فطنته، طرافته، واستقلاليته، لمن يرى العلة في النظام السياسي عينه لا في شخص الرئيس الذي يتحداه.

غير أنه خلف هذا الاستقطاب المتمحور على دونالد ترامب حقيقة أكثر حدة وخطورة تضيع ملامحها من خلال الإفراط بالشخصنة.

هنا موطن الخلل، في هذه الانتخابات، مهما جاءت نتائجها، وفي الحياة السياسية في الولايات المتحدة ككل. البلاد تعاني ليس من انقسام سياسي وحسب، أي من صفّ وصفّ معاكس حول القضايا السياسية الخلافية، بل من انفصام فكري واجتماعي وسياسي بين بيئتين لكل واحدة منهما تصورها لماهية المسائل ولتراتب أولوياتها، وللجهات التي تتحمل المسؤوليات عن تفاقمها.

"أميركا الديمقراطيين والتقدميين" تتهم "أميركا الجمهوريين والمحافظين" بالخنوع والغباء، بأنها خضعت لدونالد ترامب الذي تلاعب بعواطفها وأهوائها، ليحتشد حوله أعداد من المتسلقين والانتهازيين عساهم يستفيدون من قدرته على التعبئة. الناتج بالتالي، من وجهة نظر الديمقراطيين، تواطؤ بين هذه الشخصية المنشغلة بإرضاء غرورها وتحقيق مصلحتها الذاتية، وجمع من الانتفاعيين والمتزمتين من أصحاب الطروحات التي تفيد القلة دون غيرها، وحشد من العامة الغافلين عن مصلحتهم والمسحورين بدعائيات الرئيس وتهريجه.

أما "أميركا الجمهوريين والمحافظين" فتدين "أميركا الديمقراطيين والتقدمين" بأنها مجمع الحقد والنفاق والطمع والكسل، يتلاقى فيها سياسيون فاسدون مفسدون يروّجون للرذيلة ويمارسونها، ويسترضون رعاياهم بالفتات، فيما هم يستبيحون ثروات البلاد ويمعنون باستنزافها، بل يقدمون عمداً، ارضاء لأغراض مريبة وارتباطات معولمة، إلى تقويض الإنجازات الوطنية وتفتيت الوحدة الأهلية. ويزعمون نقيض ما يضمرون، يتحدثون عن إثم الاستعباد والحاجة إلى الاستغفار إزائه، فيما هم يوقعون الأقليات والمهاجرين بعبودية جديدة من التبعية الاقتصادية والتشويه الفكري بضخ البغض للوطن وتاريخه وآبائه المؤسسين.

الخلاف السياسي الإيجابي المنتج، أي الذي يشكل حقل اختبار للوطن لتحقيق التقدم المرجو، أساسه وعماده الثقة. والثقة هنا ذات شقين، الأول معنوي قائم على افتراض حسن النية لدى الخصم، والثاني مادي نابع من القناعة بأن المصلحة الذاتية منسجمة بالإجمال مع مصلحة الخصم، فيما الخلاف هو حول كيفية تحقيقها. أي أن الجميع يريد النمو والازدهار والرفاه للجميع، وكل هذا قابل لأن يتحقق للجميع معاً، في حين أنه ثمة من يرى أن السبيل إلى ذلك هو التعويل على الحكومة المنتخبة والتي تشكل التعبير عن الإرادة الشعبية، والخاضع للمساءلة الدورية، فيما يرى آخرون أن هذا السبيل هو من خلال إقصار دور الحكومة على المحافظة على الإطار، من خلال الرقابة والأمن، فيما حركة المجتمع تبلغ المراد من خلال المبادرات الفردية والأعمال الطوعية.

هذا طبعاً تصوير مثالي لصيغة لم تصل يوماً إلى حد التطبيق الكامل. ولكن الصورة الذاتية للولايات المتحدة هي أنها سعت باستمرار على مدى تاريخها للاقتراب منها.

جاورت هذه السردية، والتي رضي بها معظم الأميركيين إلى أمس قريب، روايتان ثانويتان تنقضانها من "اليسار" ومن "اليمين".

فعند "اليسار" تواصلت على مدى العقود القناعة بأن الولايات المتحدة ليست تجسيداً للسعي إلى تحقيق الحرية والعدالة، بل الكلام بهذا الشأن هو إطار تعمية وحسب لضمان مصلحة شريحة رأسمالية جشعة قاهرة، والمآسي التي صاحبت تاريخ الولايات المتحدة، من تجريد السكان الأصليين من أرضهم وإبادتهم، مروراً باستعباد الأفارقة وإبقائهم تحت وطأة التمييز والعنصرية، وصولاً إلى حروب القرن العشرين التي حصدت الملايين بالسلاح الفتاك، هذه المآسي وغيرها ليست حوادث عرضية، بل هي من صميم أداء هذه المنظومة لجني الفوائد المادية، وإن شحّت، دون اعتبار للأثمان الإنسانية، وإن ارتفعت. فالتاريخ الحقيقي للشعب في الولايات المتحدة هو تاريخ مقاومة هذا الاستغلال المتعاظم والذي اتسعت دائرته على مرّ العقود لتشمل العالم بأسره.

أما عند "اليمين"، فالمقولة الجامعة هي التي تعظّم الاستثنائية الأميركية، والتي بلغت بالولايات المتحدة إلى موقع القوة الأعظم ليس فقط في عالم اليوم، بل على مدى التاريخ، والعودة بهذه الاستثنائية إلى خصوصية تتأرجح من الحضارية إلى القومية والعرقية. إذ تصبح الولايات المتحدة خلاصة الغرب وذروته، والغرب هنا تراث يعود إلى الحضارة اليونانية الرومانية، يضاف إليه على الغالب الاستيعاب الأوروبي للمسيحية كعماد، وصولاً إلى إطلاق العنان للتفوق المبني على الهوية الذاتية الأميركية في قرن ونيف ماضيين، مع قراءات مترددة لمحتوى هذه الهوية يسير باتجاه أن يرسو على مركزية الخلفية الأوروبية.

ويمكن القول بأن تجاور هاتين السرديتين القطعيتين إلى كل من جانبي السردية "الوسطية" الجامعة شكّل منظومة منتجة فكريا إذ تتصدى للجنوح إلى الاطمئنان والتحليق في قراءة السردية الوسطية للاستثنائية الأميركية، بأن جنبّها كل من التعالي الأبوي إزاء العالم والنقض الذاتي الاعتذاري.

غير أن العقود القليلة الماضية قد شهدت انتفاخاً لكل من السرديتين الجانبيتين في مقابل تنفيس للسردية الجامعة. الأسباب عديدة، على أن العامل المسرّع هو دون شك تشظّي الساحة الإعلامية وصعود وسائط التواصل الاجتماعي. ومع انحسار السردية الجامعة إلى ما يقارب الضياع، خسر المواطنون الأميركيون المرجعية الوقائعية المشتركة، وشهد المجتمع والثقافة بروز ظاهرة "الجزر الثقافية"، في العالم الافتراضي أولاً، ومن خلال الفرز الذاتي التلقائي ضمن مجتمع ترتفع فيه نسبة التنقل بين المدن والولايات على مدى مراحل الحياة، في العالم الحقيقي كذلك.

والمعضلة في الانفصام الناتج عن هذه التطورات هي أنه تصاعدي تراكمي، أي أنه كلما تحقق بقدر ما، كلما أفسح المجال أمام المزيد من الاستفادة الحزبية والتجارية مع بروز كتل متماهية، مناصرة سياسياً وفاعلة استهلاكياً، ما يدفع باتجاه تعزيز جديد للانفصام.

الرئيس ترامب، في خطابه الفئوي باستمرار وفي تصنيفه المدن والولايات بلون حكامها، زرقاء وحمراء، لم يبتكر الانفصام. مسؤوليته، كما مسؤولية مشابهة لسلفه باراك أوباما وإن بدرجة أقل، هي في أنه تخلى عن دور الرئاسة في رعاية السردية الجامعة، واستعاض عنه بتأييد متذبذب لبعض صيغ سردية التعظيم اليمينية، بنكهات مختلفة بما فيها الفوقية والتمييزية.

دونالد ترامب، الشعبوي الناجح في استقطاب الجمهور، ونجم الترفيه المحترف في توظيف أساليب الطعن الكلامي والتهريج لكسب القلوب قبل العقول، ارتاد واقع الانفصام لتعبئة واسعة النطاق ضمن صفوف الجمهوريين على أساس السردية اليمينية المنتفخة، الغارقة بتصورات المؤامرة، والطامحة للإطاحة بالنخبة المتحكمة بالبلاد وفق تصورّها.  وهو إن أعلن الموافقة على هذه المقولات كسب تأييد الذين يعتنقونها. أما إذا أعلن رفضه لها، وهو رفض غالباً ما يأتي بعد إصرار من الخصوم، ويخرج بلغة حمّالة أوجه، فهو معذور منهم لفعله بحكم الضرورة.

على أن ترامب، وإن كانت أقواله وأفعاله تشي بانسجام مع هذه السردية إلى حد ما، فإنه لا يبدو عند أقصاها. وعليه، فإن إنجازه الأول، من وجهة نظر أنصار هذه السردية، هي أنه أخرجها من الهامش المرذول وجعلها رأياً محترماً في وسط الفضاء السياسي، تاركاً المجال لعقائدي أكثر التزاماً بأن يسير بها بنبرة أعلى في وقت لاحق.

وقد ارتأت الحملة الانتخابية لجو بايدن، مرشح الحزب الديمقراطي، الانطلاق تحديداً بالتصدي لهذا الموقف الجديد المستهجن من ترامب بالميل نحو السردية اليمينية. جو بايدن أعلن بالتالي أن رغبته بخوض المعركة الرئاسية جاء بعد كلام ترامب الاعتذاري لعتاة اليمينيين. موقف بايدن هذا يراد به أن يكون وسطياً جامعاً. ولا شك أن جو بايدن أقل ميلاً للشتائم والكلام النابي من ترامب، دون أن يكون بريئاً منها، مع الإضافة إلى أن هفواته المتكررة تكاد أن "تعوّض" العيوب التي فاقها به ترامب من الكلام الجارح.

ولكن، بغضّ النظر عن هذا الاختلاف الشكلي بين المرشحين، فالحقيقة الصعبة هي أن الحزب الديمقراطي ليس حزب استعادة السردية الجامعة، بل هو بدوره الحزب المأسور بسردية جانبية منتفخة، هذه المرة من اليسار.

نقد الحزب الديمقراطي هنا ليس من خلال التهويل بالاشتراكية، كما يفعل بعض الجمهوريين في استعادة قاصرة لسجاليات القرن الماضي. بل هي أن هذا الحزب بدوره، في سعيه إلى عدم الوقوع في فخ الجدل العقائدي بين أجنحته غير المتوائمة، وفي سعي إلى تشكيل سريع لجبهة انتخابية قادرة على النجاح، قد انتقل، كما الحزب الجمهوري، إلى صيغة حزب الهوية بدلاً من أن يكون حزب أفكار.

الهوية لدى الحزب الجمهوري جلية للناظر، ولكن يجري تعميتها كلامياً. الحزب الجمهوري أمسى اليوم، بقدر من التسطيح، حزب "البيض"، في غالبيتهم، وبعض من يدور في فلكهم مصلحياً من غيرهم. أما الحزب الديمقراطي، وإن زعم أنه الحزب الجامع، فإنه اليوم أولاً حزب "الأقليات" من حيث القاعدة الناخبة، وإن بقيت وجوهه القيادية "بيضاء" في كثرتها.

تبدو المرحلة المقبلة مهيأة أن تستكمل هذه التوجهات، أي أن يرتفع وضوح الاصطفاف العرقي في الحزبين. ومن شأن ذلك أن يشكل الوجه المادي الملموس للانفصام الثقافي الحاصل للتوّ بين السرديتين المتناقضتين. ومع تصاعد افتراض المؤامرة من جانب اليمين لنخبة تتحكم بالأقليات، ومع استقرار افتراض التخلف والغباء من اليسار لقاعدة ناخبة مستجيبة للشعبوية، فإن الإمكانية تزداد للانحدار نحو مواجهات وشغب بل حرب أهلية وإن لم تشتعل البلاد بالكامل.

المطلوب رأب الصدع لدرء هذه المخاطر. الولايات المتحدة بحاجة إلى رئيس يستعيد دور الرئاسة كمنصة جامعة للبلاد، تؤسس للثقة وتحققها، وتستفيد من دروس المرحلة الماضية، عقود أربعة لا أعوام أربعة، لإحياء السردية المشتركة ولتنفيس السرديتين المتناحرتين اليوم والعودة بهما إلى مكانهما الطبيعي عند الهامش.

واقعياً، لا ترامب الذي بدا عاجزاً أو رافضاً عن تولي هذا الدور طوال ولايته الأولى، ولا بايدن والذي يبدو غير قادر على استجماع مقوماته، هو الحل الوافي لهذه المسألة. عسى أن يتمكن العقلاء من توجيه الفائز بينهما بألا يفاقم الأمر. بانتظار الرئيس التالي. 

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.