رياض سلامة
انتقل سلامة برشاقة من دولة التفاهم السوري السعودي إلى دولة حزب الله القائمة حالياً- حازم الأمين

"إنه أكبر انهيار في تاريخ العمل المصرفي في العالم"، هذا ما قاله أندريه كسبار وهو أحد أهم الخبراء الاقتصاديين في لبنان ومستشار سابق في مصرف لبنان. وتقنياً الانهيار جرى في أعقاب عملية سطو لصوصية أقدمت عليها المصارف اللبنانية بتحريض من حاكم المصرف المركزي السيد رياض سلامة، وتواطؤ من قبل الحكومة اللبنانية المرعية من قبل جهات إقليمية يعرفها اللبنانيون.

ويخلص هذا المسار إلى استنتاج مفاده أن القول إن لبنان يحكمه أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله بمفرده ليس دقيقاً، ذاك أن للسيد نصرالله شريكا صغيرا هو رياض سلامة، والأخير الذي تولى تمويل دولة حزب الله من ودائع اللبنانيين، تولى هذه المهمة منذ ما قبل تفرد حزب الله بالسلطة في لبنان. فسلامة سبق له أن مول الشراكة السعودية السورية في لبنان منذ العام ٢٠٠٣، حين جيء بالراحل رفيق الحريري ليتوج هذه الشراكة، وكانت المهمة في حينها تحويل مصرف لبنان إلى ضابط إيقاع للعملة، فجاءوا بمضارب مالي هو السيد سلامة لحاكمية المصرف، واقتصرت السياسة المالية على تثبيت غير طبيعي لقيمة العملة.

اليوم نحن أمام مأساة فعلية. المصارف تراوغ مودعيها، وترفض تحمل تبعات جشعها حين أقدمت على المقامرة بودائع الناس وخسرتها. حاكم مصرف لبنان يتهم الحكومة بالتسبب بالانهيار، والأخيرة لا تصد التهمة، إلا أنها تتقاذفها، فجبران باسيل يحيلها إلى السياسات الحريرية منذ العام ١٩٩٣، وسعد الحريري يحيلها إلى فساد جبران باسيل خصوصاً في ملف الكهرباء، وبينهما يقف ضلع الانهيار الثالث، أي نبيه بري كشريك لجبران تارة وللحريري تارة أخرى.

والحال أن كل ما يتقاذفه أطراف المنهبة اللبنانية صحيح، لكنه ليس الجوهر السياسي لواقعة الانهيار الأكبر في تاريخ العمل المصرفي. فمنذ العام ١٩٩٣ تولى السيد رياض سلامة إدارة مالية دولة وظيفتها الإقليمية الارتهان للنظام السوري، ووظيفتها الداخلية تمويل المهمة التي جاء رفيق الحريري من أجلها، أي ما يسمى إعادة الإعمار وفق توازنات أرساها التحالف بين السعودية والنظام السوري. لبنان كان في هذا الوقت مزرعة للنظام السوري. كل شيء كان موظفاً في هذه المهمة، وكان السيد سلامة على رأس هذه المهمة.

لاحقاً اغتيل رفيق الحريري وانسحب الجيش السوري من لبنان، وانتقلت الدفة لحزب الله بعد أن تلقت جماعة "١٤ آذار" هزائم متتالية بعضها أمني وبعضها عسكري وبعضها سياسي. وحده سلامة لم تلحقه الهزيمة، فبقي على رأس وظيفته، وواصل تمويل الدولة التي صار حزب الله على رأسها. والمهمة الجديدة اقتضت البحث عن مصادر جديدة للتمويل، ذاك أن دولة حزب الله لا تستطيع أن تستدرج هبات وقروض، وهي طاردة للاستثمار وللودائع. ومهمة "حماية الليرة" صارت ملحة أكثر في ظل ضغوط مستجدة عليها! 

حزب الله يستطيع أن يحكم، لكنه يحتاج إلى شركاء يتولون موازنة سلطته المذهبية، وهؤلاء لكي يقبلوا بالمهمة يجب أن تقدم لهم الرشاوى. وعلى هذا النحو جرت عملية استباحة ودائع اللبنانيين بعد أن نضبت خزينة الدولة. أخرج السيد سلامة من جعبته معجزة الهندسات المالية. عرض على المصارف فوائد خيالية لكي تأتي بودائعها من الخارج، وهي طبعاً ودائع الناس ومدخراتهم. وعلى مدى ثلاث سنوات أو أكثر جنت المصارف فوائد خيالية إلى حد لا يصدق. ومن الأمثلة على حجم أرباحها في تلك الفترة أن أحد المصارف منح مديره العام مكافأة (بونس) في العام ٢٠١٨ بلغت قيمتها ٥٠ مليون دولار!

لقد انتقل سلامة برشاقة من دولة التفاهم السوري السعودي في تسعينات القرن الفائت إلى دولة حزب الله القائمة حالياً. لا أحد يمكنه أن يطيح به، تماماً مثلما لا يستطيع أحد أن يطيح بنصرالله بصفته الشريك الأكبر في جمهورية الفساد والاستتباع اللبنانية. واليوم إذ يمنع رياض سلامة قيام التحقيق الجنائي في مصرف لبنان، والذي انتدبت من أجله شركة وقعت الحكومة اللبنانية معها عقد بقيمة مليون ونصف المليون دولار لاتمام هذه المهمة، فإن جعجعة كثيرة سترافق هذا الرفض من قبل إعلام حزب الله، إلا أنها ستنتهي كما انتهى غيرها إلى السكوت والقبول والتغطية، فحزب الله يعلم أن سلامة قناة ضرورية لتصريف حاجاته في ظل العقوبات الأميركية، ويعلم أيضاً أن خطاب شيطنة سلامة الذي يتولاه يساريو الحزب يجب أن لا يرقى إلى مستوى التهديد بإطاحته. 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.