الخلفاء أنفسهم تعاملوا مع النص القرآني حسب تطور احتياجات زماناتهم- سناء العاجي
الخلفاء أنفسهم تعاملوا مع النص القرآني حسب تطور احتياجات زماناتهم- سناء العاجي

ـ لابد من تحقيق مبدأ المساواة في الإرث

ـ مستحيل... هناك آيات قرآنية واضحة في النص القرآني بخصوص نظام الإرث، لا يمكن تعديلها. لا اجتهاد مع وجود النص... اليوم، تريدون تعديل الإرث، وغدا ستطالبون بتعديل الحج والصلاة والصيام... هذا تهجم صريح على الإسلام!

ـ فقط للعلم، ولتفادي الهجوم العدائي المبني على فراغ، ليست هناك آيات مفصلة في الصلاة والصيام والحج...! لكن دعنا من هذا الأمر ولنبقَ في موضوع الإرث. ما قولك في الوصية؟ القرآن يبيح الوصية بشكل مطلق. هل يمكن اليوم للمسلم والمسلمة أن يكتبا وصية ببعض أو كل ممتلكاتهما لشخص آخر؟

ـ غير ممكن، فهناك حديث للرسول يقول إن لا وصية لوارث إلا بقبول الورثة. كما أن اجتهاد الفقهاء يحدد الوصية في الثلث. 

ـ كنت أعتقد أن "لا اجتهاد مع وجود النص" كما قلتَ سابقا... أم أن الاجتهاد مقبول ومرفوض حسب الطلب؟ 
ـ ...

حوارات كهذه تتكرر بشكل لا متناهي، لتترجم جميعها حقيقة واحدة: الأصل في الحكاية أن لا تتغير الأمور عن مجراها التقليدي. إذا اقتضى الأمر أن نستعين بوجوب تطبيق القرآن بحذافيره بدون تجديد، فسنفعل؛ وإن اقتضى الأمر، فسنستعين بالاجتهاد الفقهي، حتى مع وجود نص صريح. حسب الحاجة والمصلحة. 

لا شيء يقنعهم. حتى والواقع الاقتصادي والاجتماعي تغير مقارنة مع زمن القرآن. حتى ونحن اليوم قد توقفنا عن التعامل بعشرات الآيات في القرآن لكونها مرتبطة بزمن معين وبظرفية تاريخية معينة. فنحن لا نتعامل بآيات العبودية وملك اليمين (التي أوقف المنتظم الحقوقي الدولي التعامل بها)؛ ونحن لا نتعامل (بل لا نستطيع التعامل) مع آية المؤلفة قلوبهم وهي مذكورة في القرآن؛ ومعظم الدول ذات الأغلبية والدساتير الإسلامية لا تطبق حد السرقة وهو مذكور في القرآن؛ ولا تطبق الدية وهي مفصلة تفصيلا في القرآن؛ وشهادة المرأة اليوم (خارج ملفات الأحوال الشخصية) لا تعادل نصف شهادة رجل في معظم بلداننا؛ وغير ذلك من الأمثلة التي تبين بالملموس أن تقدم المجتمعات الإنسانية يجعل التعامل بعدد من الآيات غير ممكن اليوم، خصوص أنها لا تمس جوهر الإيمان والعبادات، بل المعاملات بين البشر. 

في ظرفية تاريخية واجتماعية معينة، كانت فريضة المؤلفة قلوبهم واردة ومفهومة ومقبولة. اليوم، نكاد نجزم أن الأغلبية الساحقة من المسلمين لا تعرف حتى من تكون هذه الفئة. وبالمناسبة، فعمر بن الخطاب، بضع سنوات بعد وفاة نبي الإسلام، ألغى التعامل بسهم المؤلفة قلوبهم (وهي فريضة في القرآن، وما أدراك ما الفريضة!) قبل أن يعيدها الخليفة عمر بن عبد العزيز.

بمعنى أن الخلفاء أنفسهم تعاملوا مع النص القرآني حسب تطور احتياجات زماناتهم. واليوم، خمسة عشر قرنا بعد زمانهم، يأتيك من يتشبث بالجمود أكثر من تشبثه بالنص القرآني نفسه. 

من جهة أخرى، وحين لا يخدم ذلك سدنة المعبد، يتركون النص القرآني ليتشبثوا بحديث ضعيف (كحديث "لا وصية لوارث إلا بقبول الورثة") وباجتهاد فقهي ينص على أن الوصية في الثلث فقط. 

فكيف يجتهدون في نص قرآني يبيح الوصية، ليعطلوا بذلك إمكانية تصرف الشخص بحرية في أملاكه بعد وفاته من خلال الوصية (وقد أجاز ذلك النص القرآني بوضوح وفي أكثر من آية)، ويعطلون في مواضع أخرى إمكانية الاجتهاد في تقسيم الإرث كما تفرض ذلك التغيرات الاجتماعية والاقتصادية الحالية؟

دليل آخر (إن كنا بعد في حاجة لدليل) على أن الحكاية، كل الحكاية، هي التشبث بالجمود... قبل التشبث بالنص نفسه!
 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.