إذا وصل بايدن الى البيت الأبيض، فإنّ سلوك الإدارة الأميركية تجاه النظام السوري، لن تكون إلّا تجسيداً لذاك النهج الذي وحّد القوى الأميركية حول "قانون قيصر"- فارس خشان
إذا وصل بايدن الى البيت الأبيض، فإنّ سلوك الإدارة الأميركية تجاه النظام السوري، لن تكون إلّا تجسيداً لذاك النهج الذي وحّد القوى الأميركية حول "قانون قيصر"- فارس خشان

لن يربح جو بايدن حتى لو سكن البيت الأبيض، ولن يخسر دونالد ترامب حتى لو خرج من رئاسة الولايات المتحدة الأميركية.

هذه النظرية التي تتحوّل، شيئاً فشيئاً، إلى قناعة لدى كثير من المراقبين السياسيين للانتخابات الرئاسية الأميركية التي تنتظر حسم لجان الفرز كما المؤسسات القضائية المعنية بالاعتراضات، لن تكون لها تداعيات على الداخل الأميركي فحسب بل هي ستمتد إلى خارجها، أيضاَ.

إنّ "الترامبية" لم تكن، منذ بدايتها، ولن تكون، حتى يومها الأخير في البيت الأبيض، سوى تكاملية على هذا المستوى، انطلاقا من أنّ الرؤية للداخل الأميركي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالرؤية الخارجية.

وهذا يشير الى أنّ انتقال البيت الأبيض من عهدة ترامب الى عهدة بايدن-في حال حصوله- لن يكون له تأثيرات "جوهرية" على السياسة الخارجية الأميركية.

وإذا كانت "النقاط الحارة" في الشرق الأوسط، اعتادت الرهانات الخاسرة على التغييرات في البيت الأبيض، فإنّها، في أماكن أخرى في العالم، بدأت تتعاطى، بشيء من "الخشية" مع هذه التغييرات.

إنّ دولاً أوروبية، مثل فرنسا مثلاً، على الرغم من "استيائها" من سياسات ترامب وتوتّر العلاقات معه، باتت تعتبر أنّ بايدن سيعيد واشنطن لاعباً مؤثّراً في "الاتحاد الأوروبي"، بالاعتماد على أسلوبه، من دون أن يغيّر، بالمحصلة، في النظرة الأميركية الى موقع أوروبا على الخارطتين الإقليمية والدولية.

وكانت فرنسا، على سبيل المثال لا الحصر، قد استفادت من "أسلوب" ترامب، من أجل أن تلعب دوراً قيادياً في "الاتحاد الأوروبي"، تحت عنوان توفير أكبر قدر من الاستقلالية عن الولايات المتحدة الأميركية.

وتسعى فرنسا وألمانيا، حتى قبل حسم نتائج الانتخابات الأميركية، إلى إقناع شركائهما الأوروبيين، بوجوب عدم الرهان على "أسلوب" جو بايدن "الهادئ"، لتغيير السياسة التي اتفقوا سابقاً على اتباعها حيال واشنطن، على اعتبار أن "الترامبية" راسخة في الولايات المتحدة الأميركية، وليست مجرد "صدفة عابرة".

وإذا ترك ترامب البيت الأبيض، فإنّ هذا لن يكون حدثاً مفرحاً لا للصين ولا لروسيا، إذ إنّ هاتين الدولتين تعرفان أنّ التحدّيات الحقيقية التي تواجههما في علاقتهما مع الولايات المتحدة الأميركية ليست "مسألة ظرفية" بل حقيقة جوهرية، وتالياً فهما تفضّلان أن يكون في الواجهة شخص "إشكالي" مثل ترامب، إذ إنّ خروج الرئيس الحالي من البيت الأبيض، سيُبقي على أفكاره، في الشارع كما في المؤسسات المفصلية في الولايات المتحدة الأميركية (مجلس الشيوخ، مثلاً)، على أن ينتقل تنفيذها لشخص "مؤسساتي" مثل جو بايدن، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على صورة واشنطن في العالم.

الأمر نفسه يسحب نفسه على الشرق الأوسط.

ثمة من نسي، مثلاً، أنّه حين وصل دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، هلّل النظام السوري لذلك، على اعتبار أنّ المواقف التي كانت تتخذها منافسته في الانتخابات الرئاسية هيلاري كلينتون، بالمقارنة مع المواقف الانتخابية لترامب، كانت قاسية جداً وخطرة للغاية.

وهؤلاء أنفسهم يهلّلون، اليوم لإمكان وصول جو بادين الذي كان يدعم كلينتون.

وإذا وصل بايدن الى البيت الأبيض، فإنّ سلوك الإدارة الأميركية تجاه النظام السوري، لن تكون إلّا تجسيداً لذاك النهج الذي وحّد القوى الأميركية حول "قانون قيصر"، مع فارق كبير أنّ القرارات الكبرى، كالانسحاب أو عدمه، لن تتّخذ في تغريدة في موقع "تويتر"، لتشهد لاحقاً "تخبّطاً تنفيذياً".

أمّا بالنسبة لإيران، ولو كان صحيحاً أنّ بايدن، يعارض الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، إلّا أنّ الصحيح أيضاً أنّه، ولأسباب كثيرة، لا يستطيع أن يعيد عقارب الساعة الى الوراء.

وسوف تستفيد إدارة بايدن ممّا تسبّبت به "عقوبات ترامب" لتفرض اتفاقاً جديداً على إيران "المرهقة"، بما يُراعي شروط الاستقرار الإقليمي.

وبهذا المعنى، فإن بايدن سوف يذهب، بأسلوبه، إلى حيث كان يخطط ترامب، بأسلوبه، أن يصل إليه.

ومهما كانت نظرة بايدن الى الدول الخليجية، إلّا أنّ العلاقات التي أقامها ترامب مع هذه الدول، بنت نفسها على "المصالح المشتركة"، وتالياً فهو سوف يجد نفسه، كالغالبية القصوى من الرؤساء الأميركيين، أمام مصالح ضخمة لن يستطيع أن يقفز فوقها.

وثمة تطوّر كبير لا بد من أن يفرض نفسه على الإدارة الأميركية الجديدة، وهو "اتفاق إبراهيم" الذي أعاد خلط الخارطة الاستراتيجية في المنطقة، وذلك على قاعدة تفاهم إسرائيلي-خليجي يأخذ عاملين في الاعتبار: إيران وتهديداتها، وتركيا وخططها.

وبغض النظر عن أنّ جو بايدن ليس باراك أوباما، فإنّ عهد ترامب شهد تغييرات أساسية في الشرق الأوسط.
ذلك انّ قيادة رجب طيب أردوغان انتقلت من مرحلة "صفر مشاكل" الى مرحلة "كل المشاكل"، تماماً كما انتقلت من مرحلة "التسامح الداخلي" الى مرحلة "التشدد القمعي".

وهذا يعني أنّ النظرة الأميركية إلى تنظيم الإخوان المسلمين في العالم العربي، التي بنت نفسها على "التجربة الأردوغانية"، قد تلاشت، حالياً، الأمر الذي سوف يسمح، ولو تغيّر الأسلوب، لواشنطن إن حكمها بايدن، أن تُبقي على ثوابت العلاقات التي أرساها ترامب مع الدول العربية عموماً ومع دول الخليج خصوصاً.

وإذا كان "الاستقرار الإقليمي" سيفرض نفسه على أجندة بايدن في التعاطي مع إيران، فهذا يعني أنّ النظرة الأميركية الى "حزب الله" في لبنان، لن تشهد أيّ تغييرات.

وفي موضوع "حزب الله" لا توجد فوارق كبيرة بين الجمهوريين والديموقراطيين، أو بين دونالد ترامب وجو بايدن.
ونظرة بايدن إلى لبنان، يعرفها رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان الذي اجتمع، خلال ولايته الرئاسية، ثلاث مرات، بمن كان، في حينها، نائب الرئيس الأميركي.

ويكشف سليمان أنّ بايدن، كما هو مدوّن في محاضرات هذه اللقاءات، ضد سلاح "حزب الله" وأدواره،" جازماً له أنه" لن يكون هناك أي تسوية مع أي دولة في الشرق الأوسط على حساب لبنان، بل من أجل لبنان المستقر والآمن والقوي بجيشه ومؤسساته".

بناء عليه، إن كثيرين ممّن رجموا دونالد ترامب، يُرجّح أن "يترحمّوا عليه"، ذلك انّ مشكلتهم الحقيقية ليست في من يدير سياسة الولايات المتحدة الأميركية بل في أنفسهم.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.