احتدام المنافسة بين ترامب وبايدن في السباق الرئاسي.
احتدام المنافسة بين ترامب وبايدن في السباق الرئاسي.

بشغف بالغ، تابع الأردنيون وكثرة كاثرة من شعوب المنطقة العربية ومجتمعاتها، الانتخابات الأميركية.. كثيرون قضوا ساعات طويلة أمام الشاشات التي تنقل تفاصيل العملية الانتخابات في كل ولاية ومقاطعة أميركية.. بعضهم تنقل بين القنوات والمواقع والصحف للتعرف على مزيد من الفوارق في "التغطية"، علهم يعثرون على ما يمكنهم من إرواء ظمأهم للمعرفة.

الحدث كان مشوقاً للغاية، ليس لأنه يحدث في "الدولة الأعظم" في العالم، "الدولة" التي يقال "إنها دولة جارة، لكل دولة من دولة"، طالما أنها حاضرة بقوة في مختلف أقاليم العالم وأزماته، بالذات في هذه المنطقة، المشتعلة بالأزمات والحروب.. الحدث كان مشوقاً ومثيراً، لأن الانتخابات بذاتها، كانت مشوقة ومثيرة للغاية، فالسباق كان محتدماً.. المتنافسان لم تفصلها سوى مسافة أمتار قليلة في مضمار السباق الرئاسي، والتكهنات بشأن مرحلة ما بعد الانتخابات، وكيف سيتصرف الرئيس وأنصاره، زادت المشهد إثارة وتشويقاً، وهو مشهد ما زال متواصلاً حتى لحظة كتابة هذه السطور على أية حال.

وثمة سبب آخر، أكثر أهمية على ما أحسب، زاد المتابعين تعلقاً بمتابعة الحدث الأميركي، وأعني به، وفرة المعلومات المتصلة بالعملية الانتخابية ودقتها، جغرافيا، اثنيا، عرقياً، دينياً ومذهبياً، أقليات وأغلبية، التركيبة العمرية للناخبين، تركيبتهم الجندرية، مستويات تعليمهم ومهاراتهم، فرص المقارنة مع انتخابات سابقة، تكتيكات الحزبين الرئيسين، واتجاهات التصويت ودوافعه.. هذا الطوفان من المعلومات التي "شرّحت" مجتمع الناخبين الأميركيين، كان مذهلاً بحق، وأحسب أن كثيرين أخفقوا في كبح رغبتهم في المقارنة بين "انتخاباتهم" و"انتخاباتنا"، أقله لجهة "وفرة" المعلومات التي تحيط بالعملية الانتخابية، ومستوى "الشفافية" في الإفصاح عنها من دون قلق أو تحفظ.

دولتان عربيتان، كانتا بصدد إجراء انتخاباتهما البرلمانية في توقيت متزامن مع الانتخابات الأميركية.. انتخابات مجلس الشعب المصري عشية الانتخابات الأميركية، وانتخابات مجلس النواب الأردني غداتها.. أكاد أجزم بأن الانتخابات المصرية، لم تحظ باهتمام حفنة قليلة من المتابعين العرب، ولا أدري إن كانت أثارت اهتمام غالبية المصريين أنفسهم.. أما الموسم الانتخابي الأردني، الذي يحلوا لكثيرين منّا وصفه بـ"العرس الديمقراطي"، فهي بالكاد تثير اهتمام الحلقات المقربة جداً من المرشحين، أما بقية الرأي العام، ففي "وادٍ آخر" بعيد تماماً.

قد يقال إن الجائحة الوبائية و"الجائحة الاقتصادية"، فضلاً عن موسم الانتخابات الأميركية الأكثر سخونة، سحبت اهتمام الأردنيين والمصريين عن انتخاباتهم الخاصة.. والحقيقة أن سبباً آخر، أكثر أهمية، هو ما جعل ويجعل، الاهتمام بـ"انتخاباتنا" في أدنى مستوياته، ويتجلى على نحو خاص في تآكل مكانة السلطة التشريعية في نظامنا السياسي، فيما الانتخابات على كثرتها وانتظام انعقادها، لا تحدث فرقاً ملموساً على الإطلاق، فاليوم التالي للانتخابات لا يختلف بشيء عن اليوم الذي سبقه، ولا صلة من أي نوع، بين نتائج الانتخابات وتشكيل الحكومات في بلداننا.. في مصر الحكومة التي تجري الانتخابات تواصل عملها بعدها، وكأن شيئاً لم يحدث، والأردن قدّم تجربة فريدة من نوعها، إذ تشكلت الحكومة قبل شهر واحد فقط، من إجراء الانتخابات، والمرجح أن تستمر لسنوات عدة بعدها، لكأن الانتخابات بذاتها، ليست أكثر من "فاصل إعلاني قصير"، يعود بعدها الجميع لمواصلة يومياتهم المعتادة.

في العالم العربي، ثمة أربع دول، يمكن للمراقب أن يتابع "انتخاباتها"، بأقدار متفاوتة من الاهتمام: لبنان والعراق في المشرق، وتونس والمغرب في المغرب.. قبل عقدين من الزمن، كان يمكن للمراقب أن يبدي اهتماماً بمتابعة الانتخابات الفلسطينية، لكن تعطل النظام السياسي الفلسطيني، وعدم إجراء انتخابات منذ 15 عاماً، أفقد المراقبين اهتمامهم، وأخرج فلسطين من دائرة الدول التي تحظى انتخاباتها ببعض الاهتمام أو الكثير منه.

في هذه الدول الأربع، يمكن للانتخابات أن تكون مناسبة لمعرفة التغير الحاصل في توازنات القوى ومستويات "شعبية" الأحزاب" و"التيارات" السياسية والفكرية.. في هذه الدول، يُنتظر أن تتشكل الحكومات في ضوء نتائج الانتخابات، لا قبلها أو بمعزل عنها.. في هذه الدول، ثمة "عامل إقليمي" يمكن تتبع مستويات تأثيره على مجريات المشهد الداخلي فيها، وتحديداً في لبنان والعراق.. أما بقية الدول العربية، فلا شيء من كل هذا وذاك وتلك، يمكن تتبعه.

سوريا بالمناسبة، أجرت انتخابات لاختيار مجلس الشعب الجديد، قبل عدة أسابيع.. أصدقكم القول، أن السوريين أنفسهم، لا يعرفون ما الذي جرى وما الذي تغير.. الدوائر العائلية والاجتماعية القريبة جداً من المرشحين والنواب، هي التي تعرف من دخل المجلس ومن خرج منه، وكيف حدث هذا، أما الرأي العام على اتساعه، فليس في هذا الوارد على الإطلاق.

الانتخابات الأميركية، على ما سبقها ورافقها، وما قد يتبعها من تطورات وتداعيات، وفرت "تدريباً كثيفاً" على الديمقراطية بالنسبة لملايين العرب الذين تابع أحداثها عن كثب، حتى أن النظام الأميركي الأكثر تعقيداً "المجمع الانتخابي"، والأكثر فرادة في العالم، بات في متناول معرفة شرائح واسعة من الرأي العام العربي، وليس نخبه السياسية والإعلامية والثقافية فحسب.. معظم المتابعين، باتوا يعرفون كيف يجري احتساب النتائج الختامية، ووفقاً لأية قواعد.. وأكاد أجزم بأن كثرة من شعوبنا، لا تعرف بدقة، ماهية "أنظمتها الانتخابية"، نسبية أم أغلبية، ولا كيفية احتساب القوائم الفائزة، وكيف يعمل نظام "الكوتات"، ولا التوزيعات الجغرافية والأثنية والطائفية للمقاعد على الدوائر الانتخابية المختلفة.

لا شك أن "حرب التصريحات" التي اندلعت بين الحزبين الرئيسين، على خلفية اتهامات بالتزوير، أو دعوات غريبة لوقف فرز الأصوات وعدّها، وخروج متظاهرين أمام بعض مراكز الفرز والعد، والمخاوف التي تثار بشأن "سلاسة" انتقال السلطة في حال فوز بايدن، وكل ما يقال عن مسار طويل "للتقاضي" أمام المحاكم الأميركية، لا شك أن هذه الأنباء، ألقت ببعض الظلال على صورة الانتخابات، بل والديمقراطية الأميركية، بيد أن كثيرين نظروا لها بوصفها فصلاً من فصول "اللعبة الديمقراطية"، وإذا ما جاءت ردود أفعال الفريق الخاسر في هذه الانتخابات بحدود "المنطق والمعقول"، وفي إطار القانون وسيادته، فإن ما سيتبقى في الذاكرة الجمعية العربية عن انتخابات 2020 الأميركية، هي الصور عن "الديمقراطية الفاعلة"، وعن "المؤسسية" و"المؤسسات"، التي تحظى بثقة المواطنين، وتشكل ضمانة في مواجهة النزعات التسلطية والفردية والشعوبية، وتُعدّ مدخلاً لمعالجة ظواهر الاستقطاب والانقسام في المجتمع الأميركي، وهي ظواهر تبدو أكثر "حدةً" و"خطورة" في دولنا ومجتمعاتنا،  من دون أن نمتلك "الآليات" و"الأدوات" التي تساعدنا على ردمها وتجسيرها.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.