الوصايا التي قد تكون عاملاً مشتركاً للتعايش بين الكثيرين وعلى الأقل بين أتباع الأديان الإبراهيمية –توفيق حميد
الوصايا التي قد تكون عاملاً مشتركاً للتعايش بين الكثيرين وعلى الأقل بين أتباع الأديان الإبراهيمية –توفيق حميد

توقع الكاتب العالمي المعروف "صمويل هنتجتن" بحدوث صراعٍ بين الحضارات يقوم على أبعاد أيدولوجية، واشتهر الكاتب المعروف بأطروحته حول "صراع الحضارات"، التي يرى من خلالها أن  صراعات ما بعد الحرب الباردة لن تكون بين الدول القومية لعوامل سياسية أو اقتصادية أو أيديولوجية، لكن توقع أن تظهر مواجهات حضارية لأسباب دينية وثقافية.

وبعد فترة من كتابة هذه الأطروحة ووضع تلك الفرضية رأى العالم بداية هذا الصراع متمثلاً في ظهور ونمو الإسلام الراديكالي تقريبا في كافة أنحاء المعمورة.
 
وليس أدل على حدوث ما توقعه صمويل هنتجتن من انتشار جماعات إسلامية متطرفة مثل القاعدة في أفغانستان، وداعش في سوريا والعراق، وبوكو حرام في نيجيريا، وغيرهم من الجماعات السلفية التي لا تكترث بحياة الأبرياء فتفجرهم وتذبحهم بلا رحمة وتقهر النساء وترجمهن حتى الموت في الشوارع بتهمة إتيان الفاحشة وتقتل المثليين بوحشية بالغة. ويكفي أن نذكر ما حدث قريباً من عمليات "ذبح" في فرنسا تمت بأيادي  متطرفين إسلاميين.

وكل هذه الهمجية تحدث في القرن الواحد والعشرين حين ارتقت الإنسانية، واحترمت الحياة وحرية المرأة، وقبلت التعددية والتنوع والاختلاف.

 والاختلاف بين الحضارتين يفوق التصور ولا يمكن حتى أن يتخيل الإنسان أنهما يمكن أن يتعايشا، ولا يخفى أيضاً على أحد ظهور صراعات دينية أو على الأقل مبنية على أساس ديني في مناطق عديدة من الشرق الأوسط!.
   
والعجيب في هذا الشأن أيضاً أن الكثير من الصراعات الدينية عبر التاريخ قامت على الإختلاف على أشياء لا يمكن إثباتها بالدليل القاطع مثل الأمور العقائدية حول وجود الله وصورة وجوده وجوهره ومثل وجود ملائكة ومثل وجود أو صفات الجنة أو النار. 

وهنا نقف لبرهة لأنه إن كان من المستحيل إثبات مثل هذه الأمور العقائدية فلابد من أن يتفق البشر عامة والمتدينون خاصة على مبادئ عليا للإنسانية تضمن التعايش بينهم بمودة ورحمة، وتترك الحساب على الأمور الغيبية للخالق، ولو لم يتفق أهل الأديان على هذه المبادئ وظلوا يتصارعون على غيبيات لا يمكن إثباتها يقينياً فقد تتحول حياتهم إلى جحيم.

وفي هذا المضمار تبرز بعض الوصايا التي قد تكون عاملاً مشتركاً للتعايش بين الكثيرين وعلى الأقل بين أتباع الأديان الإبراهيمية مثل اليهودية والمسيحية والإسلام.

فوصايا نوح التي يقال أن الله أقرها لنوح وذريته من بعده هى وصايا عامة ورائعة وتصلح للجميع لأن منشأها في التوراة وهي الكتاب المقدس لليهود ويؤمن بها المسيحيون، أما عن المسلمين فهناك آية قرآنية واضحة تأمر المسلمين باتباع وصايا نوح عليه السلام.

والآية والتى يغفل عنها الكثيرون في هذا الشأن هي
.{شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا} (سورة الشورى آية 13)
وهذه الوصايا والتي قيل أن الله أوصى بها نوحاً عليه السلام كي يتبعها هو وذريته قبل نزول الأديان التقليدية قد تضمن نوعاً من التعايش المشترك بين أهل الديانات المختلفة. 

فكما جاء في التراث القديم أرسل الله تعالى نوحاً عليه السلام إلى قومه بسبع وصايا إلهية، فلم تكن التوراة أنزلت بعد وهذه الوصايا كانت لهداية الإنسانية جمعاء وكما قال تعالى أيضاً في القرآن {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا} وهذه الوصايا والتى جعلها الله نوراً للإنسانية لتهتدي به عبر العصور هى ما يلى :

 – الإيمان بوجود خالق للكون (أو قوة مسيطرة عليه)- محبة الله الواحد و تقديس اسمه – إحترام الحياة  والنفس البشرية (أي عدم القتل) – إحترام حقوق الآخرين و ممتلكاتهم (عدم السرقة) – الحفاظ على كيان الأسرة –– الرحمة مع جميع البشر وبجميع المخلوقات حتى الحيوان – إقامة العدل فى المجتمع (أي مبدأ المساواة أمام القانون).

فهل ياترى لو نحى رجال الدين وأتباعه صراعاتهم الدينية واختلافهم العقائدي، ودعوا أتباعهم من أهل الأديان إلى اتباع "وصايا نوح " نصل إلى معادلة للتعايش على أساس مبادئ مشتركة لهم كلهم؟

مجرد سؤال؟

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.