فرنسا تعرضت لهجمات إرهابية عدة في الأعوام الماضية.
فرنسا تعرضت لهجمات إرهابية عدة في الأعوام الماضية.

موضوع الرسوم الكاريكاتورية، إذا شئنا التشبيه، هو ليس أكثر من صاعق تفجير، لما يجري في فرنسا وفي أوروبا عموما، لكنه بالتأكيد ليس جوهر المشكلة أو الأزمة. إن عملية دفع تلك الرسوم إلى صدارة المشهد هي فقط محاولة للهروب من مواجهة التحدي الرئيسي المتمثل في حل الإشكال القائم بين قيم الدولة العلمانية الأوروبية الحديثة وبين مظاهر خروج الدين (ممثلا هنا بالإسلام السياسي) من فضائه الخاص إلى المجال العام.   

الانفصالية الإسلامية

يتمثل ذلك في مئات وربما آلاف الجمعيات والمؤسسات الإسلامية وكذلك المدارس الخاصة ونشاط أئمة ودعاة وجمعيات خيرية أجنبية ومواقع إلكترونية، والتي تسعى بثبات ودأب إلى تحويل المجتمعات المسلمة الرئيسية في أوروبا إلى امتدادات عضوية للمجتمعات الأصلية في البلدان العربية والإسلامية. ما يخلق حالة متزايدة من الانفصال النفسي والثقافي وربما لاحقا السياسي بين مسلمي أوروبا وبين مجتمعاتهم الجديدة.  

وليس أدل على ذلك من أن عددا من الدول العربية والإسلامية تقدم نفسها اليوم بوصفها مدافعا وحاميا عن هؤلاء المسلمين، كما لو أنهم مجرد جاليات مقيمة في أوروبا وليسوا مواطنين بإمكانهم اللجوء إلى قوانين وسلطات هذه الدول للدفاع عن أنفسهم في حال انتهكت حقوقهم، مثلهم مثل باقي المواطنين.  

هذا التوجه الذي تقف خلفه بقوة جماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسها الإخوان المسلمين، هو الذي يخلق مثل هذه الاحتكاكات العنيفة الذي تجري حاليا، سواء تعلق الأمر بقطع الرؤوس أو الهجوم على معبد يهودي أو انتقاد الأديان أو مقاطعة المنتوجات أو التمسك بالعلمانية.     

مركزية الإنسان

لكنه يعيد أيضا الأوروبيين من جديد إلى الجدل القديم الذي تصوروا أنهم قد تخطوه منذ عقود وربما قرون بشأن دور الدين في الحياة الخاصة والعامة وحول الفرد وحقوقه وحول العلاقة بين المؤسسة الدينية والمجتمع وبين السلطة السياسية والسلطة الدينية.. الخ.   

وخلال تاريخها لم يتم حل هذه المسائل بطريقة واحدة في أوروبا بل تعددت الحلول بتعدد التجارب الدينية والسياسية والثقافية. وفي البلدان التي كان تأثير الدين والسلطة الدينية مؤذيا ومدمرا مثل فرنسا، فقد تم تطوير نظام علماني شديد وصارم، في حين طورت ألمانيا ودول أخرى نظاما أقل حدة.  

لكن برغم تنوع هذه التجارب، توصل الأوروبيون في الأخير إلى نفس الخلاصات التي تقوم على مركزية الإنسان وعلى ضرورة توفير القوانين والتشريعات المختلفة لحمايته، فيما أبقت الدين والاعتقادات ضمن الحيز الخاص أو الشخصي. وأبعدتها عن المجال السياسي كلما كان ذلك ضروريا لحماية الأفراد.

بمعنى أن الدستور أو القانون لا يوفر للإنسان حقوقا انطلاقا من كونه تابعا لأحد الأديان أو الاعتقادات أو غير تابع لأي منها، وإنما انطلاقا من كونه فردا وعضوا في جماعة المواطنين. تطور هذا الأمر أيضا في العصر الحديث بحيث بات مجال الحقوق الأساسية يشمل الإنسان بصورة عامة وليس المواطنين فحسب.  

هذا التمييز الجوهري، هو الذي يقوم عليه البناء الفكري والقانوني والفلسفي والسياسي الأوروبي الحديث. لذلك يمكنك أن تنتقد الأفكار والعقائد والأديان المختلفة، لكن لا يمكنك أن تمس حقوق أتباعها المبينة في القانون.

الحرية في الإسلام

بالمقابل فإن الثقافة الإسلامية لم تعرف مثل هذا الفصل والتفريق بين الإنسان الفرد (الذي يملك حرية الاختيار) وبين الإنسان المتدين، وهي قطعا لا تجيزه ضمن دائرتها الخاصة. حتى مفهوم الحرية، وسواء كانت حرية الرأي أو الاعتقاد أو الدين، هي مفاهيم غريبة على الثقافة الإسلامية. مفهوم الحرية هنا يرد فقط في علاقته مع الاستعباد وللتفريق بين "الحر" و"العبد". خلاف ذلك لا يؤدي مصطلح "الحرية" أي غرض آخر. ومن الصعب العثور في أي من كتب التراث على مقدمات دينية أو نظرية يمكن من خلالها التأسيس لمفهوم الحرية أو إجراء أي نقاش بشأنها، على العكس يمكن بسهولة العثور على إشارات كثيرة، دالة وصريحة في الاتجاه المعاكس.  

ويلجأ البعض أحيانا لاستخدام تعبيرات مثل "حدود حرية التعبير تنتهي عندما تصطدم بحرية الآخرين" اعتقادا منه بأنه وجد الحل السحري لتقييد الحرية!   

الواقع أن هذا التعبير أطلقه أولئك الذين يضيقون ذرعا بحرية التعبير. ومؤداه أنه في كل مرة يمارس أحدهم حريته سوف ينبري له شخص آخر بالقول بأن هذا يصطدم مع حريتي وهكذا. وبالطبع هذه العبارة الهلامية لا تبين متى وأين تبدأ كل حرية ومتى وأين تنتهي.

حرية التعبير

الأصل أن حرية التعبير لا حدود لها (وإلا لما أصبحت حرية) والشرط الوحيد لممارستها هو ألا تنتهك حقا لإنسان آخر بموجب القانون. بمعنى أن الحرية هي القاعدة، فيما الانتهاك هو الاستثناء وليس العكس.

مثلا التشهير بالأفراد أو تهديدهم أو توجيه التهم جزافا إليهم أو منعهم من ممارسة حقوقهم أو إجبارهم على القيام بما يخالف إرادتهم.. الخ، هي مجالات حددها القانون لانتهاك حرية التعبير. أما الآراء السياسية للأفراد والاعتقادات وكل ما يقع في دائرتها، فهي تعتبر مجالا عاما، ولا يمكن تقييد حرية التعبير إزاءها. 

الاستثناء الوحيد هنا هو في حالة وقوع ضرر مباشر على الأفراد جراء ذلك، الأمر الذي يحيلنا من جديد إلى القانون نفسه.

طبعا يمكن للإنسان أن يلاحظ بأن العديد من المجتمعات الحديثة تراعي أمور الأديان والاعتقادات، لكن ذلك يأتي من باب الحساسية الثقافية أو السياسية، وليس لأنها تقع خارج نطاق حرية التعبير. الواقع أن عدد الكتب والصحف والبرامج التلفزيونية وغيرها من الوسائل التي تتعرض بالسخرية أو النقد للأديان والاعتقادات المختلفة في الغرب كبير جد. ولم يحدث أن تعرض القانون لأي منها.   

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.