لينا خضري خلال تسلمها جائزة سيزار عن دورها في فيلم بابيشا.
لينا خضري خلال تسلمها جائزة سيزار عن دورها في فيلم بابيشا.

بانتمائها العميق للهوية، والرؤى السياسية والاجتماعية الثاقبة، أسست السينما الجزائرية لركائز سمعتها العريقة وجودة منتجها الابداعي، واكتسبت ثقة المشاهد الذي سبق أن اختبر مذاقها المتميز عبر أفلام شهيرة، حقق فيها مخرجوها نجاحاً صعباَ واستثنائياَ وضعهم في مصاف كبار مخرجي السينما العالمية، كان من أبرزهم الأخضر حامينا بفيلميه" ريح الأوراس" 1966، و"وقائع سنوات الجمر" 1970.

اليوم، في الوقت الذي يحي فيه الجزائريون ذكرى حراكهم الشعبي الذي انطلق في نوفمبر من العام الفائت، لاتبدو الأجواء العامة مسترخية كما توحي ظاهرياً، وذلك عقب الإعلان مؤخراً عن انتهاء الاستفتاء على التعديلات الدستورية، التي رحبت بها السلطات الرسمية كبداية جديدة لإصلاح سياسي، فيما قاطعتها أحزاب اليسار المعارضة واعتبرتها تمثيلية تكرس السلطات القديمة، كما قوطعت بالمثل من قبل القوى والأحزاب الإسلامية التي تعارض فرض اللغة الأمازيغية و"علمنة" الدولة.

عند تقاطع هذه التجاذبات، يكمن جوهر الصراع السياسي الجزائري، الذي وإن بات ينتهج السلمية كممارسة وأدوات، يظل المشهد الجزائري أسيراً للحذر والترقب، مردّهما الذاكرة المريرة غير البعيدة، والمشاعر الوجدانية اتجاه الجزائر، التي دفعت أثماناً باهظة لعقد زمني مفصلي في تاريخها، أو ماعرف بالعشرية الدموية في تسعينيات القرن العشرين الفائت.

عشرية زمنية لاتعتبر سوداء ومريرة على الشعب الجزائري فقط، بل على الشعوب العربية والعالم، حيث كانت أخبار المجازر المتكررة تتسرب من حين إلى آخر مثل أسرار مهرَّبة، تصف انتهاكات وفظائع وحشية ترتكب ضد الانسانية، وقد شابها في حينه الكثير من عدم الوضوح في الرؤيا، ووسط تعتيم إعلامي وتخاذل عربي ودولي مريبين، أفضيا إلى شعور عام أقرب إلى اليقين، أن الشعب الجزائري تُرك آنذاك يواجه مصيره البائس، وحيداً. 

من بين هذه الخطوط العريضة التي ترسم المشهد العام، تتقدم السينما الجزائرية مرة أخرى، بشجاعة وجرأة ورؤية ثاقبة، وأيضاً بحسٍ وطني ملفت، وتنسج قراءتها الإبداعية الجديدة من خلال الفيلم الروائي الطويل بابيشا-PAPICHA" 2019"، أولى تجارب المخرجة الشابة مونيا مدوّر، ومن إنتاج جزائري فرنسي بلجيكي، التي تختار مقطعاً حساساً من مرحلة السنوات العشرية الدموية الماضية، لتستشف أسئلة الحاضر المعلّقة بالحراك العام الدائر بين جميع أقطاب الشارع الجزائري اليوم.

حظي "بابيشا" باهتمام دولي خاص، وحصد هو وبطلته ومخرجته عدداً من الجوائز العالمية الهامة، وعرض ضمن تظاهرة "نظرة ما" في الدورة الأخيرة لمهرجان كان السينمائي، ويعرض منذ 9 أكتوبر الفائت في الصالات الفرنسية، مستقطباً نسبة مشاهدة عالية بحسب صنّاع الفيلم، كما رشح رسمياً ضمن القائمة الطويلة لأوسكار أفضل فيلم أجنبي 2020، وكان من المقرر أن يعرض للمرة الأولى للجمهور الجزائري في 21 سبتمبر الفائت، لكنه منع رسمياً وبشكل مفاجئ من العرض لأسباب لم توضح.

تنحاز المخرجة في فيلمها إلى جنسها وخصوصيته بأمانة مطلقة، وتسلط الضوء على معاناة المرأة الجزائرية وتحدياتها اللامنتهية لجميع أشكال الاستبداد السياسي والاجتماعي والثقافي، واقتحام الاستبداد الديني المتطرف بأشكاله الفجة والترهيبية للحياة الجزائرية، حيث تقع المظالم أولاً وأخيراً على النساء، في كل زمان ومكان.

لبلورة حكايتها، تختار عينة من فتيات السكن الجامعي للبنات، حيث يبدو هذا السكن الجامعي المحاط بالأسوار الشائكة ثم بالجدران الاسمنتية العالية لاحقاً، اختصاراً أو تكثيفاً رمزياً للجزائر-الأنثى الجميلة المحاصرة كوطن من قبل الفاسدين والمتواطئين مع التطرف والارهاب، بما تعنيه المرأة من جمال ورمز للأرض الوطن، وبما يعنيه التعدي على التعليم وأفراد السلك التعليمي، من دلالات خطيرة ومقتل لجوهر الأوطان.  

لمحاربة هذا الاستبداد الديني المتطرف، الذي ابتدأ بالترهيب داخل السكن الجامعي وقاعات الجامعة، ثم كشف اللثام عن وجهه القبيح الإرهابي الدموي بشكل مباشر، عبر اغتيال ليندا، الإعلامية التي تغطي أحداث الجزائر وشقيقة نجمة بطلة الفيلم (لينا خضري)، وعبر الترهيب المستمر لفتيات السكن الجامعي من قبل طالبات زميلات متطرفات، سينمو الوعي المضاد بكيفية مقاومة هذا الاستبداد وتحديه، والوقوف في وجهه، وعدم التراجع أو الخوف منه، مهما كانت التضحيات.

ستترجم أشكال المقاومة، بداية برفض فكرة الهروب والرحيل عن الوطن والتشبث به، وعدم تركه لقمة سائغة للمستبدين، وباللجوء إلى الأصالة والتراث الشعبي العريق لاستخدامهما كأسلحة سلمية في وجه القباحة، مثل مشهد أم نجمة التي تنتمي إلى جيل الأصالة، ورمزية استخدام قماش "الحايكي" الجزائري التقليدي، في دلالاته الايجابية أولاً، كرمز لمقاومة الاحتلال الفرنسي، وكملهِم حيوي سيسخر من قبل البطلة نجمة لتصميم الأزياء وعرضها وتحدي الاستبداد به.

أو بدلالاته السلبية حين يسطو الاستبداد الديني المتطرف على هذه الأصالة والتراث، ويتلطى تحت رمزيتهما الآمنة والعريقة، مخادعاً وخافياً خلفه وجهه الدموي المخيف، كما في مشهد اغتيال الإعلامية ليندا. لكن المخرجة لايفوتها الرد باللجوء ثانية إلى رمزية الأرض والتراب الجزائري الذي يخفي كنوز الجمال الحقيقة، بما يعنيه استعمالها لنبات الشوندر السكري الأحمر لتلوين القماش به بديلا عن لون الدم.

في اللهجة الجزائرية، تعني كلمة " بابيشا-PAPICH " الفتاة الجميلة الدلوعة، وفي رموز الفيلم ودلالاته، يحلو أن نفسرها على أنها الجزائر-الأنثى الجميلة المتحررة المشتهاة، التي حرصت المخرجة أن تقدمها عبر أنموذج بطلتها نجمة أو رفيقاتها، كنماذج أنثوية لايكتمل جمالها إلا بعلمها وعملها، ووعيها وقوة شخصيتها، ووطنيتها وشجاعتها المطلوبة في كل مكان وزمان.

بعد مشاهدة الفيلم، سيكتشف المشاهد دون كثير من الجهد لماذا منع الفيلم من العرض في بلاده، فالنماذج النسوية، والطرح العميق والجريء الذي تقدمه المخرجة، قد يثيران الحساسيات الدينية والاجتماعية، حتى لو كان الفيلم يتحدث عن مرحلة زمنية سابقة، ويمكن بحسب الخبرات السابقة، تخمين كيف تفكر الجهات الرقابية العربية بشكل عام في مواجهة أفكار ابداعية مثل هذه، والتي يبدو أن لديها ذرائع مثل الخشية والحذر من استثارة المجتمع والمتشددين دينياً، ومعرفتها بأنهما لايزالان متجذرين وكامنين في العمق، وهو مايبعث حقيقية إلى الخشية والحذر. 

رغم ذلك، نجحت مونيا مدوّر في استكمال مسيرة رواد السينما الجزائرية القديرة، بحرفية وشجاعة، وقدمت نصاً روائياً سينمائياً متميزاً بتفاصيله الأنثوية الحادة، لتضيف بصمة جديدة في رحلة مقاومة الاستبداد بالمنتج الجمالي.
        

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.