في خضم الهجوم على فرنسا والدعوة إلى مقاطعة اقتصادها، بسبب رسوم مسيئة إلى نبي الإسلام نشرت في المجلة الفرنسية المثيرة "شارلي إيبدو" أعقب نرشها جريمة قطع رأس مدرس فرنسي على يد شيشاني متشدد. طلع علينا من وسط الدخان الكثيف ما نأى بنا، ولو مؤقتا، عن الصراعات والهياج. خبر خفف لساعات من وطأة التصعيد بين المسلمين وفرنسا، وأعاد بصيغة من الصيغ بعض الاعتزاز والفخر إلى جزء من العرب، المغاربيون منهم أساسا، بتأكيد نجاحهم في الانصهار داخل المجتمع الفرنسي وامتلاك ثقافته ولغته. ما يتجلى في جانب الإبداع والتميز في إدراك لغة فيكتور هوغو وأندريه مالرو. أليست اللغة الفرنسية بالنسبة للمستعمَرين السابقين: "غنيمة حرب"؟ هكذا أخبرنا ذات مرة الكاتب الجزائري كاتب ياسين.
كان الخبر السار فوز كاتبة من أصل مغربي، بإحدى الجوائز الأدبية الفرنسية. وهي الكاتبة الروائية والقاصة إيمان روبلين، المزدادة سنة 1969، والمقيمة في لندن، عن رواية لها بعنوان: "من قتل الصبار؟". (منشورات هنري، 2019).
هي ليست المرة الأولى التي تحمل لنا فيها الأخبار حصول أديب مغربي فرنكفوني على جائزة كبرى بفرنسا، لعل الكاتب الطاهر بنجلون هو الأشهر بينهم، لما سجل اسمه سنة 1987 كأول عربي مغربي يفوز بأرقى جائزة أدبية في فرنسا (جائزة "الغونكور")، وتلاه بعدها الكاتب فؤاد العروي، والشاعر عبد اللطيف اللعبي، والكاتبة ليلى السليماني، وآخرون ممن حصلوا على جوائز مختلفة بفرنسا، إذ تمنح سنويا في هذا البلد حوالي 400 جائزة أدبية مختلفة. لكن فوز كِتاب ما بجائزة أدبية يعني أنه سيتصدر المبيعات لفترة مهمة، وسيجعل صاحبه أكثر شهرة وتألقا.
واللافت أن كل من فازوا من المغاربة بجوائز أدبية فرنسية، يحملون جنسية مزدوجة، وذكرت التقارير الإخبارية مؤخرا أن اسم كاتب جزائري (محمد عيساوي) يوجد على لائحة المرشحين لنيل “غونكور 2020". في كل مرة يسطع فيها نجم أديب من أصل مغربي، يثار الحديث الإيجابي عن العلاقات بين فرنسا والمغرب، ويحضر أيضا الجدل السياسي، وتطرح بحدة أكثر إشكالية الصراع اللغوي.
رواية من الأدب البوليسي
من خلال العنوان الذي جاء على صيغة سؤال: "من قتل الصبار؟"، يتوقع القارئ أنه أمام رواية تتحدث عن الجريمة، بل إنه سيجد نفسه أمام نص روائي ينتمي فعلا إلى جنس الأدب البوليسي، الذي يعرف انتعاشا كبيرا لدى جمهور القراء في فرنسا.
ورغم أن مدام أغاثا كريستي تعد بامتياز رائدة الأدب البوليسي، فإن أكثر المشتغلين بهذه "الحرفة الأدبية" هم من الذكور. فهل سنكون أمام كاتبة واعدة في هذا المجال؟ خصوصا وأن إيمان روبلين تقيم حاليا في بريطانيا، أي في البيئة الخلاقة التي ترعرعت فيها الكاتبة العبقرية أغاثا كريستي؟
تدور أحداث "من قتل الصبار؟" في مدينة الدار البيضاء. منذ الصفحات الأولى تجذب الرواية القارئ للغوص في المجتمع المغربي المتعدد بقيمه وتناقضاته. في التزام ملحوظ بعناصر السرد القصصي البوليسيي الكلاسيكي.
لكن المفاجأة الأكبر هنا، هي هذا الاشتغال المتأنق على اللغة، الذي قامت به الكاتبة بشكل فتّان ومذهل. ونجاحها في التحبيك والتشويق وأسر القارئ حتى النهاية. كما لا تتردد الكاتبة في تضمين التعبيرات المحلية التي تغمر القارئ داخل أجواء من الاكتشافات المبهرة.
سيؤدي اختفاء بواب عمارة في الحي الحسني بالدار البيضاء إلى دفع المفوض، الذي أصبحت حياته الشخصية معقدة بالفعل، إلى استجواب المستأجرين، الذين لسبب أو لآخر، لا يرغبون في نبش أسرارهم والتعرف على الروابط القائمة بينهم كجيران. عبر هذا التحقيق نكتشف المغرب الراهن، ونتعرف على شخصيات ملونة ومركبة. فنضحك أحيانا على مواقف تطرحها المؤلفة بروح من الدعابة والسخرية. كما تجعلنا نلامس الأوضاع الإنسانية في أفضل حالاتها وأسوئها. ما صنع من هذا العمل رواية مثيرة نجحت في أن تتجاوز "التحقيق البوليسي" حول جريمة وقعت في أطراف مدينة لا تخفي إيمان روبلين انجذابها بعوالمها الشاسعة، عندما اختارت الدار البيضاء كمكان لشخصوها وأحداث روايتها، بل جعلتها عنوانا لرواية سابقة: "من أجل كل ذهب الدار البيضاء" (منشورات هنري، 2014).
فمن أين ارتوت الكاتبة بهذا الحجم الهائل من قاموس وتفاصيل الحياة الشعبية في حي شعبي، مثل الحي الحسني القريب من الساحل البيضاوي، هي التي نشأت في الرباط ودرست بها في البعثة الفرنسية، وتابعت دروسها في باريس بشعبة علوم الاتصال والفلسفة بجامعة السوربون، قبل أن تنتقل إلى سلك التدريس بلندن؟
قتل الأب وتمزيق معطفه؟
على غرار سؤالها الاستفهامي في عنوان روايتها: "من قتل الصبار؟"، يمكن لبطل روايتها الفائزة (المفوض مسعود) أن يطرح سؤالا عمن تكون صاحبة هذه الاسم الجديد الوافد على الساحة الأدبية الفرنسية المغربية؟
عرفنا أنها مغربية، لكن اللقب "روبلين" أوروبي الأصل!
قد يعود إلى شريك حياتها... فلماذا تخلت الكاتبة عن لقبها العائلي الحقيقي إذن؟
يبدو أن الكاتبة فكرت طويلا قبل أن تستقر على هذا الاسم الرنان، خصوصا وأنها جربت النشر في السابق بأسماء أخرى، (من بينها: إيمان. ك).
هل نحن أمام حالة "قتل" موازية، تنهل من ذهنية وثقافة "قتل الأب"؟
بقليل من النبش نصل إلى أن الاسم الحقيقي للكاتبة هو: إيمان الخلدوني الصحراوي. ثم سنعرف أن والدها كان من مؤسسي أقوى حزب معارض في مغرب الستينيات: الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. وعمل مساعدا لزعماء وقادة كبار ممن بصموا التاريخ السياسي المغربي الحديث: المهدي بن بركة ومحمد الفقيه البصري وعبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمان اليوسفي. لكن لا أحد يتذكر فاعلا سياسيا من المعارضة في تلك الفترة التاريخية حمل لقب: "الخلدوني"!!
بقليل من التمعن والفحص، سنفاجأ أن الوالد هو الصحفي والبرلماني والوزير والسفير السابق الأستاذ عبد القادر الصحراوي (1927-1975).
لا أحد من مجايليه وممن عملوا معه في صحافة المعارضة، الذين سألنا بعضهم، يعرف متى بدل اسمه من"الصحراوي" إلى "الخلدوني".
لمع نجم عبد القادر الصحراوي في المعارضة من خلال الافتتاحيات التي كان يحررها ضد نظام الحسن الثاني، ورغم أن أغلب كتاباته لم تكن موقعة في جريدة "التحرير"، وبعدها جريدة "المحرر"، فقد عمل النظام على إغراء واستقطاب هذا الصحفي المزعج، فانقلب عبد القادر الصحراوي على حزبه ورفاقه القدامى، الذين اعتبروه خائنا لمبادئ النضال. ثم صار وزيرا للأنباء وعين بعدها سفيرا في لبنان.
سبق لعبد القادر الصحراوي أن انتخب برلمانيا عن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، في أول انتخابات نيابية عرفتها البلاد سنة 1963، لكن الحسن الثاني قرر حل البرلمان سنة 1965 معلنا حالة الاستثناء التي انتهت إثر المحاولة الانقلابية العسكرية الأولى سنة 1971.
اشتغل الصحراوي أيضا في التدريس، واشتهر كأديب نشر كتبا في السيرة والتاريخ والتحقيق الأدبي.
وكأن الكاتبة إيمان روبلين قررت "الخروج من جلباب" والدها السياسي والأديب، على خطى دوستويفسكي، من تمرد على "معطف غوغول" فتجاوزه.
قديما، في فترة ما قبل الإسلام، نسب إلى بنت عربية عرفت بالفصاحة وبلاغة اللسان، عبارة: "كل فتاة بأبيها معجبة". ولن نجانب الصواب إذا قلنا إن الكاتبة إيمان روبلين من حقها أن تفتخر بأبيها، الذي أطلق اسمه على مؤسسات تعليمية عمومية، كما سميت به شوارع في بعض المدن بالبلاد. ما يبعد فرضية "قتل الأب" رمزيا، خصوصا لما ندرك أن الوالد كان يكتب بلغة غير اللغة التي اختارتها ابنته، وقد غادر الدنيا وتركها طفلة صغيرة.
فهل علينا أن ننتظر من إيمان روبلين رواية عن شخصية والدها عبد القادر الصحراوي، بما تنطوي عليه سيرته من إثارة ومن تمرد وتناقضات تلخص قلق المثقف وووعيه بالحرية وعلاقته بالسلطة والجماهير؟
ختاما، لا ننسى أن من بين مؤلفات المرحوم عبد القادر الصحراوي كتاب عن سيرة الشيخ محمد بلعربي العلوي، أو "شيخ الإسلام" كما هو لقبه في المغرب، ذلكم الفقيه والعالم الذي مثل قيم ومبادئ التسامح والتضـامن، في أعمق معانيها وأبعادها الإنسانية الشاملة، هي ذات القيم والمبادئ التي يجب علينا استحضارها اليوم في ما يجري حولنا من صراعات وهياج بلغ درجة التشنج والهيستيريا باسم الدفاع عن الدين.
الدور على عاتق النخبة والمثقفين حتى تسود ثقافة السلام ونبذ العنف والتمييز والكراهية، والعمل على تبنـي مفـاهيم التعـايش والتربية الحضارية، باعتماد أسس الحوار والقبول بالخلاف واحترام الآخر ومعتقداته.

