متضامنون فرنسيون مع مدرس التاريخ صاموئيل باتي يحملون لافتات كتب عليها "الإسلام = السلام" و"المسلمون ضد الإرهاب"
متضامنون فرنسيون مع مدرس التاريخ صاموئيل باتي يحملون لافتات كتب عليها "الإسلام = السلام" و"المسلمون ضد الإرهاب"

مؤسف ما يجري في فرنسا، والآن في فيينا. لا شيء يبرر القتل. ومجتمعاتنا مسؤولة ولا داعي لزعم البراءة، ولا لدفن الرأس في الرمل. الإسلام والمسلمون ليسوا بخير، هذه مسلمات. بالطبع ليس الذبح الممارس من إرهابيي الإسلام السياسي وحده يثير الاعتراض، فالمسلمون يقومون بكثير من المشاهد المستفزة يوميا في الغرب. كأن يفترشوا الأرصفة والطرقات لتأدية صلاة الجمعة، ويصرخون "الله أكبر" في وجه ركاب باص عام  كمن يشهر سلاحاً ...!!

مقاربة الموضوع لا تكون بالبحث في خصوصيات الإسلام كدين لتفسير ما يحدث. فالتطرف الديني لا يتعلق بالإيمان ولا بالدين، بل بالبشر وسياساتهم وممارساتهم التي تنسب إلى الأديان

آخر الاستفزازات كان طلب بعض المسلمين في كندا إلغاء تقديم لحم الخنزير في مدارس منطقتهم!! لا يكفيهم امتناعهم عنه، بل يريدون فرض محرماتهم على الجميع! هم الذين "يحفون" كي تقبل هجرتهم ليحصلوا على العيش الكريم بعيدا عن أوطان اضطهدتهم، مع الإشارة إلى أنهم يقسمون اليمين على احترام دستور كندا، مع شرط القبول بقيم المجتمع لدرجة الانخراط في الجيش للدفاع عنه إذا دعت الحاجة. مع ذلك لا تواجههم كندا على الطريقة الفرنسية، كذلك ألمانيا وانكلترا وغيرهما.

مقاربة الموضوع لا تكون بالبحث في خصوصيات الإسلام كدين لتفسير ما يحدث. فالتطرف الديني لا يتعلق بالإيمان ولا بالدين، بل بالبشر وسياساتهم وممارساتهم التي تنسب إلى الأديان. الخطاب الديني المتشدد هو قراءة للنصوص الدينية في مرحلة مأزومة وتأويلها بشكل متطرف. للأديان السماوية مواقف مختلفة من التشدد ومن العنف. الدين المسيحي من أكثر الأديان تسامحا ومع ذلك استطاعت فئة من المسيحيين خوض حروب دينية باسمه في مراحل مأزومة، مبتكرة له وجها متشددا إلغائيا. وهذا يحدث كلما توهم طرف امتلاك الحق واستخدمه لإلغاء الآخر دمويا. ينص الدين الإسلامي على أنه لا يبغي الاعتداء على الآخرين إلا بالحق. أي لرد العدوان فقط. لكن المشكلة تكمن في التأويل المتعدد لمعنى هذا الحق.

من المتفق عليه أن الإرهاب في صيغته المعاصرة بدأ مع القاعدة من أفغانستان إثر التدخل السوفييتي العسكري للقضاء على طالبان. تشكلت هذه "الحركة الإسلامية" من تيارين إسلاميين موجودين منذ بدايات القرن العشرين (الوهابية وأفكار قطب والبنا، أي الإخوان المتحالفين الآن مع إيران،) وحظيت بتشجيع أميركا وحلفائها العرب لمواجهة الإلحاد السوفييتي. ولقد تزامن ذلك مع قيام الثورة الإيرانية.

والخميني أفتى بقتل سلمان رشدي.

قدمت مجتمعاتنا الأرضية الخصبة والركيزة العقائدية التي استغلها الغرب بجناحيه منذ البداية.

من جانب آخر، قدّم الغرب التسهيلات لحركات الإسلام السياسي، قيادات وجمعيات، وحمى نشاط أعضائها، من الخميني وصولا إلى أحمد عطا معدّ تفجيرات البرجين في 11 سبتمبر2001، مرورا بدعم رموز حركة الإخوان المسلمين تحت شعار حقوق الإنسان، فيما تغفل الديموقراطيات، احيانا، عن حماية المعارضة العلمانية والديمقراطية لأنظمة الاستبداد في عقر دارها. ولم تنتبه الدول الغربية سوى مؤخرا إلى إن أنظمة الاستبداد تستخدم القوانين الغربية ومنظومة الإعلام الغربي لتسوق نفسها وتنفذ اجنداتها. فوضعت ألمانيا حزب الله على لائحة الإرهاب فيما امتنعت فرنسا.

وفرنسا تتعرض مؤخرا أكثر من غيرها، لهجمات الجهاديين الذين يذبحون ويقتلون. فينحو المجتمع للوم الإسلام والمسلمين. فلماذا لا يربط ذلك أيضا بسياسات فرنسا، كبلد مستعمِر سابقا، وبنشاطها في عدد من البلدان من شمال إفريقيا إلى مواجهتها مع تركيا أو حضورها في لبنان!؟ ألم تُنسب لحزب الله العراضات الإسلامية براياتها السوداء وتهديدها بحجز ماكرون على طريق المطار؟
لماذا يجب ان يهدّد سلوك قلة من الإرهابين، المدارين من أجهزة وأنظمة الإسلام السياسي، بوسم ملايين المسلمين المسالمين الذين يتعايشون بأمان، يعملون ويحترمون القوانين؟ هل يتوجب عليهم أن يلبسوا ويأكلوا ويؤمنوا كالفرنسيون كي يقبلوهم؟

ردّ العلمانية، على الجهاد التوتاليتاري، كان بالراديكالية العلمانية الجديدة، التي سماها المفكر الفرنسي من أصل إيراني فرهاد خسروخافار بالنيو – علمانية. ويتفق كثر على نعتها بالدين المدني الجديد، بطقوسه وكهنوته وبدعه

وهنا تبرز خصوصية المجتمع الفرنسي تجاه قبوله الآخر المختلف. يرى برونو إتيان أن هناك انقطاعا ثقافيا في فرنسا لا يُظهر تاريخ الأوجه المتعددة لفرنسا، لصالح الاندماج الوطني الذي فرضته الجمهورية بموافقة ومشاركة معظم الممثلين الاجتماعيين. نتج عنه عملية استئصال للثقافات الطرفية، وعالج الاختلاف الثقافي ضمن سؤال: كيف تكون مواطنا في دولة حقوق متضامنا مع إخوتك إو جماعتك الحصرية؟ الجواب: الخروج من التضامن الأولي إلى وحدة التضامن الوطني ما يجعل من كل مواطن متقاسما لنفس الثقافة السياسية.

أدّى هذا المنطق إلى جعل إشكالية المساواة الطريق المؤدي إلى التماثل بين المواطنين بواسطة ترسيخ لغة موحدة أمّنها التعليم والمدرسية الإلزامية. لكن لم يحسب حساب هجرة المسلمين والمسْتَعمَرين السابقين، فأدّى الانتشار الظاهري للمسلمين والإسلام، كظاهرة تسليم بالبقاء في فرنسا، لردة الفعل هذه. وعالجت ذلك في مقال سابق.

ردّ العلمانية، على الجهاد التوتاليتاري، كان بالراديكالية العلمانية الجديدة، التي سماها المفكر الفرنسي من أصل إيراني فرهاد خسروخافار بالنيو – علمانية. ويتفق كثر على نعتها بالدين المدني الجديد، بطقوسه وكهنوته وبدعه. الانقلاب الذي حصل حوّل العلمانية من مبدأ إدارة الدولة بحسب رؤيا اجتماعية مبنية على قبول الاديان إلى جانب الإلحاد في إطار الاحترام المتبادل. لتصبح لا هذه ولا تلك. فلم تعد تكتفي بحياد الدولة، بل صارت تريد الحياد الديني للمجتمع، ولم يعد يكفي عدم إظهار الشارات الدينية عند موظفي الدولة، بل طالت الطلاب في المدرسة الرسمية والنساء اللواتي يعملن في المؤسسات التابعة لها. تحول الأمر إلى تعليمات مقدسة للرد على الدين الإسلامي بشكل أساسي. وبهذا اكتسبت العلمانية معنى جديدا يتعارض مع دورها في حفظ الدولة خارج الدائرة الدينية. وتحول الأمر إلى حرب مقدسة ضد الجهاديين. وتعهدت الدفاع عن أولئك الذين ينشرون الرسوم الكاريكاتورية المبتذلة، كجزء من قوانين علمانية أصبحت محورية. وكلما وضعت قوانين جديدة تستهدف قمع المسلمين كلما شعر هؤلاء بالإهانة.

أمام كل ذلك، قد لا يبدو لبنان واللبنانيين، في انقساماتهم وتشرذمهم وانهيار بلدهم، مؤهلين لإسداء النصح لكائن من كان. لكن بالرغم من افتقارنا إلى جميع مكونات دولة تحمي مواطنيها أو سيادتها، لدينا ميزة منفردة تبدو وحدها الفعالة للجم الشطط الذي يحدو بالبعض، من حين لآخر، بفرض اجندته المستجلبة من الخارج، كي يستقوي بها على الداخل ليجرنا نحو العنف أو يهدد بذلك. وفي كل مرة لا يحمينا إلا العودة إلى العيش المشترك الذي يجمع اللبنانيين بجميع مكوناتهم وطوائفهم. وهو ممارسة يومية تغطي مختلف أوجه الحياة كي يعيشوا معا بسلام. كيف؟

نعرف جميعا أن اللبناني عندما يلتقي بلبناني آخر، قد لا يحمل علامات تدل على انتمائه الديني، يبدأ بالسؤال عن الاسم، وإذا كان الاسم لا يحمل أي دلالة بدوره، يسأل عن الكنية، وأيضا إذا كانت غير دالة، يسأل من أين أنت؟ وهل قريبك فلان أو علان؟

قد يظن البعض أن هذه الأسئلة دليل التعصب. لكنها ليست كذلك. إنها الدليل على أن محدثك يريد أن يعرف هويتك الدينية كي لا "يغلط" أمامك بذكر ما يسيء لمعتقدك، فيتسبب بإهانتك. إنه نوع من الرقابة الذاتية غايتها الاعتدال. العيش المشترك يفترض تحاشى الإساءة للآخر أو إهانته. طورنا ذلك منذ مئات السنين.

نتعايش معاً ونحتفل معاً في المناسبات الدينية والاجتماعية والأعياد ونحافظ على مقدساتنا. وأماكن العبادة مفتوحة للجميع. ليس الحب هو المطلوب بل الاحترام المتبادل وقبول الآخر المختلف كما هو. ففي سويسرا أيضا لا يتحاب الألمان والفرنسيون، لكنهم يتعايشون بسلام في ظل المواطنية والمساواة ويثقون بالقوانين وبمن يطبقها.

وفي غياب المواطنية الحقة في لبنان، يمارس اللبناني الفرد، من ذات نفسه، تعايشه مع الآخرين، في السلم والحرب، ومنذ نشأة لبنان الكبير. ربما على الفرنسيين التعلم من تجربتنا، في مداراة الآخر واحترام معتقداته ومقدساته. لكن هذا يفترض قبول حقه بالوجود باختلافه.

وبالمناسبة يذكر الناشر أرنو منصوري، أن حرية التعبير حق أساسي في فرنسا، لكن الإهانة والتشهير تعد جنحة. فلماذا الاستماتة في الدفاع عن البذاءة والشتيمة؟

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.