هل العقل العربي ـ مُمَثّلا في تجلّيات الوعي لعموم المتعلمين ـ عقل مستنير، أو حتى يجنح للاستنارة، أم هو عقل تراثي قروسطي في أعماقه؛ رغم كل الشعارات التنويرية التي يتزين بها بين الحين والآخر، والتي سرعان ما يتنكّر لها ـ واعياً أو غير واعٍ ـ عند أول منعطف يتوهم في مصلحة خاصة أو عامة/انتمائية صغرى؟ وبصيغة أخرى؛ هل التمظهرات التنويرية في مجالات القول والفعل، تعكس قناعات عقلية راسخة، وتوجهات أخلاقية/ مبدئية (وبالتالي؛ غير قابلة للتحوير فضلا عن التزوير)، أم هي/ التمظهرات مجرد قشور رقيقة على سطح اللغو اليومي الإعلامي العابر، أو اللغو الثقافي الذي ليس أكثر من استرزاق واستنفاع رخيص على هامش الإعلام؟
الإجابة التي أزعمها ـ وكثيرا ما أكتمها تفاؤلا، أو أتنكر لها بكثير من خداع الذات ـ متشائمة إلى حد كبير، ولا أريد أن أقول: متشائمة بالمطلق. لا شيء يدعو إلى الأمل حقيقة في السياق العربي؛ حتى وإن كنا نحارب اليأس باستيلاد الأمل من رحم المستحيل؛ لعل، وعسى، وربما، وليت، وكما قال الشاعر القديم: "ليت وهل ينفع شيئا ليت"!
العراق، لبنان، مصر، سوريا...إلخ، وخاصة تلك الأقطار التي سبقت إلى الانفتاح الحضاري على الغرب؛ فتواصلت ـ ثقافيا ـ مع أهم مقولات التنوير، وانتشر فيها التعليم مبكرا؛ مقارنة ببقية أقطار العرب، وتكوّنت فيها ـ إلى حد ما ـ طبقة وسطى/ برجوازية فاعلة، وكانت وتيرة المتغير العقلي المتماهي مع تلك المقولات التنويرية يَعِدُ بشيء من أملٍ يلوح في الأفق البعيد، كل هذه البلدان السابق ذكرها تقف اليوم شاهدا على أن "الوعي التراثي القروسطي" هو الحاضر بقوة، هو الذي يحكم نمط السلوكيات الكبرى/ الحاسمة في نهاية المطاف.
وإذا كان هذا واضحا وجليا في هذه الأقطار ذات العراقة النسبية في استلهام مقولات الانفتاح والتغيير والتنوير؛ فما بالك بغيرها، ممن لا تزال مقولات التزمت والانغلاق هي المهيمنة على مجمل الثقافي: الديني والإعلامي والتعليمي، ولم تعش ـ في تاريخها ـ لحظة انفتاح!
هناك من يُرْجِع هذا الاستعصاء على التنوير إلى "عقدة الاستعمار"، حيث تَوَاقَتَ التّعرّف على إرث التنوير مع التمدد الاستعماري للغرب الأوروبي: مصدر التنوير، وهو التمدد/ الغزو الذي كان جارحا للذات التي تمثّلتُه غزواً صليبيا يُشكّل امتدادا للحملات الصليبية الأولى، وبالتالي، يُشكّل تحديا ثقافيا ـ قبل أن يكون تحديا عسكريا ـ يجب الاعتصام منه بتراث الأنا. يقول ألان تورين، في كتابه الإشكالي (نقد الحداثة ص384): "كيف يمكن لبدان مستعمرة أو مقهورة ألا تحذر من عقلانية يطابقون بينها وبين القوة التي تقهرهم؟ كيف لا تضع تاريخها وثقافتها في مواجهة سلطة مهيمنة تتماهى مع الحداثة ومع العقل وتعتبر أن أشكال التنظيم والفكر الملائمة لمصالحها الخاصة أشكالا كونية".
ما يقوله ألان تورين ليس أكثر من توصيف اعتذاري لحالات الاستعصاء، ومنه حالة الاستعصاء العربي التي لم تكن مرهونة بالفترة الاستعمارية تحديدا، وإنما استمرت ـ بآثارها ـ لمراحل فيما بعد رحيل الاستعمار، بينما تجاوزته سريعا دولٌ أخرى/ غير عربية، خضعت للاستعمار، واستثمرت في حضوره، ولم تلازمها العُقَد بعد رحيله، بل كان التواصل التفاعلي، ومن ثم الإبداعي بين المُسْتعمَر والمُسْتعمِر، يتكئ على العلائق التي تشكلت زمن الاستعمار.
على أي حال، كل شيء يدل على أن العالم العربي إنما كان يتغيّر على السطح، بينما الأعماق باقية على أصولها. الفتوحات المعرفية والثقافية الغربية التي تنداح في الفضاء الثقافي، تجد من يرددها، ومن يتشدّق بها، ومن يؤلف عنها، ومن يتخذها "موضات ثقافية" يفاخر بها؛ بينما هي في كل الأحوال تبقى ـ في علاقتها بالعقل الكلي/ بالوعي العام ـ مجرد ألوان باهتة على سطح الجلد، يكفي قليل من الماء؛ ليظهر أن الجلد، بل واللحم والدم والعظم والأعصاب تتكلم بلسان تراثي عريق!
رحل الاستعمار منذ أكثر من ستين عاما، وحلّت محله جبهات التحرير وحركات الاستقلال، هذه الجبهات والحركات التي كانت ترفع شعارات تقدمية، ذات منحى تنويري في الغالب. لكنها ـ وفي مسارها للتحقق الواقعي والثقافي ـ كانت تسير على خط مضاد لأهم مرتكزات تراث التنوير. إنها، وبنفس ضدي عنادي يعتمد خطاب الأصالة تبريرا وتشريعا وترويجا، أنشأت جيلين أو ثلاثة، ذات وعي ـ في العمق ـ انغلاقي؛ حتى أصبحت مقولات التنوير لا تتخلل خطابه إلا على سبيل الادعاء من جهة، وعلى اعتبار أن الاعلان عن تبنّي هذه المقولات من ضرورات حيازة صك البراءة من التخلف والتطرف والانغلاق.
كل الفرص، وكل التحديات، وكل الصدمات، التي كان من شأنها أن تمنح الوعي العربي دروس الاستنارة، أو تستثيره للبحث عن هذه الدروس (ابتداء بالنقد الجذري للذات: حاضرا وإرثا وتاريخا، وانتهاء بالتماهي مع الإرث الحضاري للغرب دونما عقد أو حزازات، ودونما أوهام خادعة، لم تحظَ بأي استثمار حقيقي)، لم تسهم برفع درجة الوعي عما كان عليه في عصور الانحطاط التي أعقبت الاجتياح المغولي للعالم الإسلامي.
الكاتب الأمريكي/ توماس فريدمان، وهو من المعنيين كثيرا بشؤون العالم الإسلامي، والشرق الأوسط تحديدا، يرى أن هول الصدمة التي أحدثتها هزيمة 1967 لم تؤدّ إلى تغيير حقيقي في النظام الاجتماعي والسياسي العربي. والسبب في رأيه يرجع لعاملين اثنين: العامل الأول، وجود الاتحاد السوفياتي الذي تكفّل بتقديم الدعم والمساعدات لأنظمة تلك المنطقة، مما وفر لها الحماية بطريقة استبعدت معها أية إصلاحات حقيقية، والعامل الثاني، الارتفاع الدرامي في مداخيل النفط لحقبة ما بعد 1967، الذي تسبب في امتصاص أي ضغط باتجاه التغيير. بينما يرى أن ما بعد 11/9 يشكل واقعا مختلفا، وأن تحديات التغيير أكبر، وأكثر ارتباطا بالداخل (العالم في عصر الإرهاب، ص291).
في اعتقادي، هذه مجرد رؤية سطحية لمراقب من الخارج؛ رغم كل محاولاته النفاذ إلى الداخل، إلى عمق الوعي. لقد أثبت الوعي الكلي المتشكل تراثيا، والمنغرس في عمق التاريخ أنه لا يستطيع الصمود والتحدي بالانغلاق وبالعقائد الدوغمائية فحسب، وإنما يستطيع أيضا الصمود والبقاء والنماء بالمراوغة وبالتلون وبالتكيف الظاهري؛ مع بقاء أصل "الوعي التراثي" كما هو فاعلا أصيلا؛ معاديا ومنافيا للتنوير، وأن كل تنوير ـ في مثل هذه الحال ـ ما هو إلا واجهة للاشتغال ـ الواعي واللاّواعي ـ على نفي الخطاب التنويري.
إذن، لا شيء ـ في العمق ـ تغيّر؛ بعد مسيرة قرن ونصف من محاولات الخروج من نفق التراث القروسطي، ومن أزمنة الانحطاط المملوكي، والعثماني. منذ الأفغاني ومحمد عبده، وإلى اليوم، مرورا بكل رواد وعمالقة التنوير العربي، لم يتغيّر ـ في مسار الوعي ـ شيء، ولا نزال كما كنا بداية القرن التاسع عشر. بل إن كثيرا من الدلائل تشير إلى أننا نقف في المسار الأسوأ؛ على الأقل فيما يخض الانغلاق بفعل وهم الاكتفاء، مقابل الاشتغال على التهوين من ضرورة تمثّل "تراث التنوير" كشرط أولي/ مبدئ لانعتاق الذات من واقعها البائس، ومن مستقبلها الكارثي.
ما يدعوني لليأس، أو للتشاؤم المرير، ليس هذا الصوت العالي الصاخب للخطاب الأصولي المتطرف، وليس الانتشار الواسع للمقولات السلفية التقليدية التي هي ـ في مفاعيلها ـ كالأمصال المضادة لأي عملية تحرير للوعي، وليست الشعبوية الهوجاء التي تتقلب ذات اليمين وذات الشمال استجابة لأول ناعق، وليس أولئك البسطاء السذّج الذين يقولون: لا نريد أن نعرف شيئا جديدا، إذ الحق كل الحق، والخير كل الخير؛ فيما ألفينا عليه آباءنا/ أسلافنا، وليس أولئك الذين يقولون: نحن الفرقة الناجية حصرا، فدعنا من الهالكين، ليس كل هؤلاء هم الذين يدفعونني لليأس والتشاؤم، فكل ما قاله ويقوله هؤلاء مفهوم، وهم جزء من التحدّي الذي يواجه الخطاب التنويري ضرورة، بل ما يدفعني لليأس والتشاؤم حدّ الإحباط هم أولئك الذين تلبّسوا بالتنوير ثقافيا، ورفعوا أهم شعارات التنوير إعلاميا، وأعلنوا ـ بكل جرأة ـ قناعتهم بأن لا منقذ لحالة التردي العام في العالم العربي/ الإسلامي إلا التغرّب التنويري باستلهام الحضارة الغربية في تجاربها الرائدة، وليس في مخلفات الأسلاف...إلخ صور التعبير عن إرادة التحرر والانعتاق، ثم تجدهم عند أول منعطف، عند أول تحدٍّ يمس أحد الخيارات الشخصية أو شبه الشخصية، يتنكرون لأهم وأوضح وأرسخ مبادئ التنوير؛ مع البقاء على التجمّل ـ ظاهريا ـ بالتنوير !
إن اليأس وخيبة الأمل والاحباط والتشاؤم من واقع العرب مبعثها هؤلاء الذين يقرأون ـ أو يزعمون أنهم يقرأون ـ ديكارت، وبيكون، واسبينوزا، ومونتيسكيو، وفولتير، وروسّو، وكانط، وهيجل، وجون لوك، وراسل، وﺟﻮﻥ ﺭﻭﻟﺰ، وهابرماس...إلخ عمالقة الفكر الإنساني، ويلهجون بمبادئ الحرية، والعدالة، وحقوق الإنسان، والتسامح، والإخاء، والانفتاح على الآخر، ثم (وبدون سابق إنذار ـ، وتحت وطأة استفزاز عابر، أو تحديات ذات طابع شخصي)؛ ينكشف كل ما يمثلّه هؤلاء كقشرة بالية، تسقط الأردية المستعارة فجأة، لتجد نقائض جرير والفرزدق تخرج بكل عنفوانها الصاخب، فاضحة المكنون البدائي الراسخ، المكنون المتأرجح بين فخر وهجاء، بين "أنا" و"آخر"، يتعذّر عليهما التواصل؛ إن لم يكن مستحيلا. نعم، تخرج مكنونات الوعي الحقيقي ذات الطابع الاحترابي المتنكر لأهم مبادئ حقوق الإنسان؛ فضلا عن أهم مبادئ وأسس ومرتكزات تراث التنوير الحقيقي، أقصد: التنوير المتمركز حول الإنسان، الإنسان بالأصالة؛ متجردا من كل الصفات الإضافية المحكومة ـ أو التي يجب أن تكون محكومة ـ بالأصل الإنساني.

