العقل العربي وآفاق التغيير
العقل العربي وآفاق التغيير | Source: Shutterstock

هل العقل العربي ـ مُمَثّلا في تجلّيات الوعي لعموم المتعلمين ـ عقل مستنير، أو حتى يجنح للاستنارة، أم هو عقل تراثي قروسطي في أعماقه؛ رغم كل الشعارات التنويرية التي يتزين بها بين الحين والآخر، والتي سرعان ما يتنكّر لها ـ واعياً أو غير واعٍ ـ عند أول منعطف يتوهم في مصلحة خاصة أو عامة/انتمائية صغرى؟ وبصيغة أخرى؛ هل التمظهرات التنويرية في مجالات القول والفعل، تعكس قناعات عقلية راسخة، وتوجهات أخلاقية/ مبدئية (وبالتالي؛ غير قابلة للتحوير فضلا عن التزوير)، أم هي/ التمظهرات مجرد قشور رقيقة على سطح اللغو اليومي الإعلامي العابر، أو اللغو الثقافي الذي ليس أكثر من استرزاق واستنفاع رخيص على هامش الإعلام؟

الإجابة التي أزعمها ـ وكثيرا ما أكتمها تفاؤلا، أو أتنكر لها بكثير من خداع الذات ـ متشائمة إلى حد كبير، ولا أريد أن أقول: متشائمة بالمطلق. لا شيء يدعو إلى الأمل حقيقة في السياق العربي؛ حتى وإن كنا نحارب اليأس باستيلاد الأمل من رحم المستحيل؛ لعل، وعسى، وربما، وليت، وكما قال الشاعر القديم: "ليت وهل ينفع شيئا ليت"!

العراق، لبنان، مصر، سوريا...إلخ، وخاصة تلك الأقطار التي سبقت إلى الانفتاح الحضاري على الغرب؛ فتواصلت ـ ثقافيا ـ مع أهم مقولات التنوير، وانتشر فيها التعليم مبكرا؛ مقارنة ببقية أقطار العرب، وتكوّنت فيها ـ إلى حد ما ـ طبقة وسطى/ برجوازية فاعلة، وكانت وتيرة المتغير العقلي المتماهي مع تلك المقولات التنويرية يَعِدُ بشيء من أملٍ يلوح في الأفق البعيد، كل هذه البلدان السابق ذكرها تقف اليوم شاهدا على أن "الوعي التراثي القروسطي" هو الحاضر بقوة، هو الذي يحكم نمط السلوكيات الكبرى/ الحاسمة في نهاية المطاف.

وإذا كان هذا واضحا وجليا في هذه الأقطار ذات العراقة النسبية في استلهام مقولات الانفتاح والتغيير والتنوير؛ فما بالك بغيرها، ممن لا تزال مقولات التزمت والانغلاق هي المهيمنة على مجمل الثقافي: الديني والإعلامي والتعليمي، ولم تعش ـ في تاريخها ـ لحظة انفتاح!   

هناك من يُرْجِع هذا الاستعصاء على التنوير إلى "عقدة الاستعمار"، حيث تَوَاقَتَ التّعرّف على إرث التنوير مع التمدد الاستعماري للغرب الأوروبي: مصدر التنوير، وهو التمدد/ الغزو الذي كان جارحا للذات التي تمثّلتُه غزواً صليبيا يُشكّل امتدادا للحملات الصليبية الأولى، وبالتالي، يُشكّل تحديا ثقافيا ـ قبل أن يكون تحديا عسكريا ـ يجب الاعتصام منه بتراث الأنا. يقول ألان تورين، في كتابه الإشكالي (نقد الحداثة ص384): "كيف يمكن لبدان مستعمرة أو مقهورة ألا تحذر من عقلانية يطابقون بينها وبين القوة التي تقهرهم؟ كيف لا تضع تاريخها وثقافتها في مواجهة سلطة مهيمنة تتماهى مع الحداثة ومع العقل وتعتبر أن أشكال التنظيم والفكر الملائمة لمصالحها الخاصة أشكالا كونية".

ما يقوله ألان تورين ليس أكثر من توصيف اعتذاري لحالات الاستعصاء، ومنه حالة الاستعصاء العربي التي لم تكن مرهونة بالفترة الاستعمارية تحديدا، وإنما استمرت ـ بآثارها ـ لمراحل فيما بعد رحيل الاستعمار، بينما تجاوزته سريعا دولٌ أخرى/ غير عربية، خضعت للاستعمار، واستثمرت في حضوره، ولم تلازمها العُقَد بعد رحيله، بل كان التواصل التفاعلي، ومن ثم الإبداعي بين المُسْتعمَر والمُسْتعمِر، يتكئ على العلائق التي تشكلت زمن الاستعمار. 

على أي حال، كل شيء يدل على أن العالم العربي إنما كان يتغيّر على السطح، بينما الأعماق باقية على أصولها. الفتوحات المعرفية والثقافية الغربية التي تنداح في الفضاء الثقافي، تجد من يرددها، ومن يتشدّق بها، ومن يؤلف عنها، ومن يتخذها "موضات ثقافية" يفاخر بها؛ بينما هي في كل الأحوال تبقى ـ في علاقتها بالعقل الكلي/ بالوعي العام ـ مجرد ألوان باهتة على سطح الجلد، يكفي قليل من الماء؛ ليظهر أن الجلد، بل واللحم والدم والعظم والأعصاب تتكلم بلسان تراثي عريق!  

رحل الاستعمار منذ أكثر من ستين عاما، وحلّت محله جبهات التحرير وحركات الاستقلال، هذه الجبهات والحركات التي كانت ترفع شعارات تقدمية، ذات منحى تنويري في الغالب. لكنها ـ وفي مسارها للتحقق الواقعي والثقافي ـ كانت تسير على خط مضاد لأهم مرتكزات تراث التنوير. إنها، وبنفس ضدي عنادي يعتمد خطاب الأصالة تبريرا وتشريعا وترويجا، أنشأت جيلين أو ثلاثة، ذات وعي ـ في العمق ـ انغلاقي؛ حتى أصبحت مقولات التنوير لا تتخلل خطابه إلا على سبيل الادعاء من جهة، وعلى اعتبار أن الاعلان عن تبنّي هذه المقولات من ضرورات حيازة صك البراءة من التخلف والتطرف والانغلاق.

كل الفرص، وكل التحديات، وكل الصدمات، التي كان من شأنها أن تمنح الوعي العربي دروس الاستنارة، أو تستثيره للبحث عن هذه الدروس (ابتداء بالنقد الجذري للذات: حاضرا وإرثا وتاريخا، وانتهاء بالتماهي مع الإرث الحضاري للغرب دونما عقد أو حزازات، ودونما أوهام خادعة، لم تحظَ بأي استثمار حقيقي)، لم تسهم برفع درجة الوعي عما كان عليه في عصور الانحطاط التي أعقبت الاجتياح المغولي للعالم الإسلامي.

الكاتب الأمريكي/ توماس فريدمان، وهو من المعنيين كثيرا بشؤون العالم الإسلامي، والشرق الأوسط تحديدا، يرى أن هول الصدمة التي أحدثتها هزيمة 1967 لم تؤدّ إلى تغيير حقيقي في النظام الاجتماعي والسياسي العربي. والسبب في رأيه يرجع لعاملين اثنين: العامل الأول، وجود الاتحاد السوفياتي الذي تكفّل بتقديم الدعم والمساعدات لأنظمة تلك المنطقة، مما وفر لها الحماية بطريقة استبعدت معها أية إصلاحات حقيقية، والعامل الثاني، الارتفاع الدرامي في مداخيل النفط لحقبة ما بعد 1967، الذي تسبب في امتصاص أي ضغط باتجاه التغيير. بينما يرى أن ما بعد 11/9 يشكل واقعا مختلفا، وأن تحديات التغيير أكبر، وأكثر ارتباطا بالداخل (العالم في عصر الإرهاب، ص291).

في اعتقادي، هذه مجرد رؤية سطحية لمراقب من الخارج؛ رغم كل محاولاته النفاذ إلى الداخل، إلى عمق الوعي. لقد أثبت الوعي الكلي المتشكل تراثيا، والمنغرس في عمق التاريخ أنه لا يستطيع الصمود والتحدي بالانغلاق وبالعقائد الدوغمائية فحسب، وإنما يستطيع أيضا الصمود والبقاء والنماء بالمراوغة وبالتلون وبالتكيف الظاهري؛ مع بقاء أصل "الوعي التراثي" كما هو فاعلا أصيلا؛ معاديا ومنافيا للتنوير، وأن كل تنوير ـ في مثل هذه الحال ـ ما هو إلا واجهة للاشتغال ـ الواعي واللاّواعي ـ على نفي الخطاب التنويري. 

إذن، لا شيء ـ في العمق ـ تغيّر؛ بعد مسيرة قرن ونصف من محاولات الخروج من نفق التراث القروسطي، ومن أزمنة الانحطاط المملوكي، والعثماني. منذ الأفغاني ومحمد عبده، وإلى اليوم، مرورا بكل رواد وعمالقة التنوير العربي، لم يتغيّر ـ في مسار الوعي ـ شيء، ولا نزال كما كنا بداية القرن التاسع عشر. بل إن كثيرا من الدلائل تشير إلى أننا نقف في المسار الأسوأ؛ على الأقل فيما يخض الانغلاق بفعل وهم الاكتفاء، مقابل الاشتغال على التهوين من ضرورة تمثّل "تراث التنوير" كشرط أولي/ مبدئ لانعتاق الذات من واقعها البائس، ومن مستقبلها الكارثي.

ما يدعوني لليأس، أو للتشاؤم المرير، ليس هذا الصوت العالي الصاخب للخطاب الأصولي المتطرف، وليس الانتشار الواسع للمقولات السلفية التقليدية التي هي ـ في مفاعيلها ـ كالأمصال المضادة لأي عملية تحرير للوعي، وليست الشعبوية الهوجاء التي تتقلب ذات اليمين وذات الشمال استجابة لأول ناعق، وليس أولئك البسطاء السذّج الذين يقولون: لا نريد أن نعرف شيئا جديدا، إذ الحق كل الحق، والخير كل الخير؛ فيما ألفينا عليه آباءنا/ أسلافنا، وليس أولئك الذين يقولون: نحن الفرقة الناجية حصرا، فدعنا من الهالكين، ليس كل هؤلاء هم الذين يدفعونني لليأس والتشاؤم، فكل ما قاله ويقوله هؤلاء مفهوم، وهم جزء من التحدّي الذي يواجه الخطاب التنويري ضرورة، بل ما يدفعني لليأس والتشاؤم حدّ الإحباط هم أولئك الذين تلبّسوا بالتنوير ثقافيا، ورفعوا أهم شعارات التنوير إعلاميا، وأعلنوا ـ بكل جرأة ـ قناعتهم بأن لا منقذ لحالة التردي العام في العالم العربي/ الإسلامي إلا التغرّب التنويري باستلهام الحضارة الغربية في تجاربها الرائدة، وليس في مخلفات الأسلاف...إلخ صور التعبير عن إرادة التحرر والانعتاق، ثم تجدهم عند أول منعطف، عند أول تحدٍّ يمس أحد الخيارات الشخصية أو شبه الشخصية، يتنكرون لأهم وأوضح وأرسخ مبادئ التنوير؛ مع البقاء على التجمّل ـ ظاهريا ـ بالتنوير !

إن اليأس وخيبة الأمل والاحباط والتشاؤم من واقع العرب مبعثها هؤلاء الذين يقرأون ـ أو يزعمون أنهم يقرأون ـ ديكارت، وبيكون، واسبينوزا، ومونتيسكيو، وفولتير، وروسّو، وكانط، وهيجل، وجون لوك، وراسل، وﺟﻮﻥ ﺭﻭﻟﺰ، وهابرماس...إلخ عمالقة الفكر الإنساني، ويلهجون بمبادئ الحرية، والعدالة، وحقوق الإنسان، والتسامح، والإخاء، والانفتاح على الآخر، ثم (وبدون سابق إنذار ـ، وتحت وطأة استفزاز عابر، أو تحديات ذات طابع شخصي)؛ ينكشف كل ما يمثلّه هؤلاء كقشرة بالية، تسقط الأردية المستعارة فجأة، لتجد نقائض جرير والفرزدق تخرج بكل عنفوانها الصاخب، فاضحة المكنون البدائي الراسخ، المكنون المتأرجح بين فخر وهجاء، بين "أنا" و"آخر"، يتعذّر عليهما التواصل؛ إن لم يكن مستحيلا. نعم، تخرج مكنونات الوعي الحقيقي ذات الطابع الاحترابي المتنكر لأهم مبادئ حقوق الإنسان؛ فضلا عن أهم مبادئ وأسس ومرتكزات تراث التنوير الحقيقي، أقصد: التنوير المتمركز حول الإنسان، الإنسان بالأصالة؛ متجردا من كل الصفات الإضافية المحكومة ـ أو التي يجب أن تكون محكومة ـ بالأصل الإنساني.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.