ما بدر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب من تصريحات انتقد فيها بشدة سير عملية الانتخابات الرئاسية التي شهدتها الولايات المتحدة، شكل سابقة فاقت كل إثارة، إذ لم يتورع عن الكلام عن "تزوير واحتيال". بل إنه طالب بتوقيف عملية فرز الأصوات، مكررا أنه "تمت سرقة الأصوات العائدة إليه"، مهددا باللجوء إلى المحكمة العليا.
ليست هي المرة الأولى التي يضع فيها ترامب أصبع الاتهام في عين الديمقراطية الأميركية، بل قد سبق للمليادير النيويوركي أن شكك في فوز سلفه باراك أوباما على رجل الأعمال الجمهوري ميت رومني عام 2012، حينها ندد ترامب في تويتر: "هذه الانتخابات زائفة ومهزلة. إننا لسنا في ديمقراطية!".
This election is a total sham and a travesty. We are not a democracy!
— Donald J. Trump (@realDonaldTrump) November 7, 2012
وأيضا، لما كان مرشحا أمام هيلاري كلينتون، وبعد أن كشفت مراكز استطلاعات الرأي العام عن تخلفه في الترتيب إزاء منافسته، لم يتردد ترامب في القول: "صدقوني، يجب أن نكون متنبهين، هذه الانتخابات ستكون مزورة".
أميركا العرجاء!
لم تشكل تصريحات ترامب حول "التزوير" مفاجأة للشارع الأميركي بقدر ما شكلت صدمة كبيرة لشعوب باقي العالم، وللجماهير العربية، والمغربية منها على وجه الخصوص، التي تتبعت عن كثب انتخاب الرئيس رقم 46 في بلاد "العام سام".
شكك المغاربة في حقيقة ما يشاهدونه ويسمعونه من اتهامات الرئيس الأميركي بكون خصومه "الديمقراطيين" قاموا بـ "الخداع" في التصويت، هو الذي سارع قبل اختتام الفرز، مخاطبا مؤيديه: "لقد صنعنا فوزا مبهرا"، لكن الإبهار الحقيقي المتواري خلف الستارة الحمراء كان هو ردة الفعل التي نجمت عن "أبي إيفانكا" بعد دوران العداد بشكل واضح لصالح منافسه الديمقراطي جوزيف بايدن.
لم يستطع ترامب هضم هزيمته بشكل رياضي ويبادر بتهنئة خصمه، ويكون بذلك كمن يرد تهنئة الديمقراطية هيلاري كلينتون التي أودعتها له بعد هزيمتها (2016)، مصحوبة بابتسامة ناصعة، هو من كان يسميها قبيل ساعات من نهاية الحملة بـ"هيلاري الشريرة".
هذا ما أعاد ترامب تكراره في انتخابات 2020. يؤكد المراقبون أنه كلما كان منافسه بايدن يسجل عليه تقدما في استطلاعات الرأي، كان يشكك في نزاهة الانتخابات وينتقد لجوء أعداد هائلة من الناخبين إلى التصويت عبر البريد بسبب وباء كوفيد 19. لذلك صرح ترامب: "ستكون هذه الانتخابات الأكثر تزويرا في الولايات المتحدة".
للإشارة، نشر ترامب عدة مؤلفات منها: "لن استسلم أبدا: كيف واجهت أكبر التحديات في النجاح" (2008)، وآخر بعنوان: "أميركا العرجاء" (2015). والواضح أنه لم يعد أمامه اليوم إلا الاستسلام لإرادة الناخبين، وأن يترك أميركا تنجح في سيرها من دون عرج.
وسواء اعترف ترامب أم لا، فقد فاز بايدن بالانتخابات وتلقى تهاني المجتمع الدولي، وقد بدأ الرئيس المنتخب العملية الانتقالية دون انتظار استسلام المعني.
لقد اختار ترامب نهاية سيئة، حين قطعت شبكات التلفزيون الرئيسية برامجها لتصف ادعاءاته الأخيرة بـ"نشر الأكاذيب". هو إذن حدث غير مسبوق، لأول مرة في تاريخ الانتخابات الرئاسية الأميركية يجرؤ مُرشح ويزعم فوزه قبل الإعلان عن النتائج النهائية.
الوجع في واشنطن والأنين في مراكش
كباقي الجماهير في المنطقة العربية، لم تكن سياسة ترامب تحظى بتأييد غالبية الجماهير في المغرب بسبب مواقفه السياسية إزاء القضايا العربية والقضية الفلسطينية أساسا التي يتبناها معظم المغاربة ويتعاطفون معها.
سبق للملياردير الأميركي أن التقى بالعاهل المغربي الراحل الحسن الثاني، في فندق يملكه ترامب، أقام به العاهل عند وصوله إلى نيويورك سنة 1992.
لكن حديث ترامب عن التزوير دفع الكثيرين في المغرب إلى التساؤل: ماذا بقي لنا نحن أن نضيفه إذا كان رئيس أكبر دولة في العالم يتظلم من التزوير؟! هل التزوير الذي يشير إليه ترامب شبيه بما يجري عندنا وفي المنطقة، حيث اعتاد الناس التزوير الانتخابي؟! وكأن "الانتخابات ما وجدت إلا لتزور"، كما أن "القوانين ما وجدت إلا لتخرق"!
لذلك استعجب المغاربة كيف ينتقل "فيروس" التزوير المزمن لديهم إلى أوصال بلد بحجم ديمقراطية الولايات المتحدة، وتوزع استغرابهم على مواقع التواصل الاجتماعي بتبادل صور معدلة بالفوتو شوب وتعليقات ساخرة، منها صور لابنة دونالد ترامب لما قامت بزيارة عام 2019 إلى منطقة سيدي قاسم (شمال العاصمة الرباط)، وتبدو بلباس تقليدي مغربي برفقة مغربية شعبية تضع يدها على صدرها وتقدم لها العزاء في نتائج الانتخابات.
صور أخرى لأطباق ولائم أعراس ومناسبات انتخابية، مع تعليق: "مباشرة من منزل جو بايدن.."، في إحالة إلى إرشاء الناخبين، إلى غيرها من الصور والتعليقات الساخرة، لكنها سخرية الشَّمَاتَةَ.
في الوقت الذي رحب فيه الأمير مولاي هشام (56 عاما) ابن عم محمد السادس، بصعود جو بايدن، معلنا فرحه بـ"استعادة بلده الثاني لروحه الحقيقية"، في تدوينة فيسبوكية ختمها بعبارة "ويستمر التاريخ!"، اختار آخرون نكأ الجراح باستعادة صفحات من تاريخ آخر بلا روح، تاريخ مدون بعلامات الغش الانتخابي في المغرب.
الديمقراطية الحسنية
عرف المغاربة منذ الاستقلال (1956) انتخاب مجالس تمثيلية، كالبلديات والبرلمان والغرف المهنية، وقد تمت مراكمة تاريخ محلي مميز في هذا المجال، لكنه تاريخ ظل موضع تشكيك واتهام. لكونه "تاريخ مسترسل من التزوير والتدليس المفضوح"، تشهد عليه تقارير المنظمات الدولية وبيانات أحزاب المعارضة.
منذ اعتلائه عرش المملكة (1961) سعى الملك الحسن الثاني إلى تزوير الانتخابات، وقطع الطريق على المعارضة لتسيير البلديات أو الفوز بأغلبية البرلمان.
كان الحسن الثاني يلجأ إلى تأسيس أحزاب سياسية قبل كل استحقاق انتخابي، لتطلع النتائج كما يريد هو. حدث ذلك في الستينيات عندما أوكل لصديقه ووزيره في الداخلية أحمد رضا اغديرة بتشكيل حزب "جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية" لمواجهة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وحزب الاستقلال.
وبعد أعوام "حالة الاستثناء"، جاءت انتخابات بلديات 1976 وبرلمان 1977، فأمر الملك صهره الوزير الأول أحمد عصمان بتشكيل أغلبية سياسية من المرشحين الأحرار، سماها بـ"التجمع الوطني للأحرار"، هو ذات الفعل الذي كرره في انتخابات 1984، حينما استدعى الحسن الثاني وزير العدل المعطي بوعبيد، المنشق عن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ومنحه كل الدعم المادي، فأسس حزب الاتحاد الدستوري. هكذا نام الناس وأفاقوا على خبر فوز حزب لم تمض على تأسيسه ثلاثة أشهر ليكتسح الأغلبية في البرلمان، ما دفع المغاربة إلى إطلاق تسمية حزب "الكوكوت مينوت" (طنجرة الضغط للطهو السريع) على حزب المعطي بوعبيد.
كان الحسن الثاني محاطا بأطر إدارية تجيد "فنون" التزوير الانتخابي. وبعد البداية مع صديقه اغديرة، تواصل الأمر بشكل متجدد مع وزير الداخلية إدريس البصري، الذي عمر في مهمته أكثر من عقدين. وطبعا جرب رعاة التزوير وسائل متعددة، من فبركة أحزاب إدارية، وملء الصناديق مسبقا ببطاقات الانتخاب المزورة، إلى خطف الصناديق بعد نهاية يوم التصويت واستبدالها بأخرى، إلى منح اللون الأبيض لمرشح الإدارة، وهو لون التفاؤل لدى العامة من الفئات غير المتعلمة البعيدة عن الشأن السياسي، إلى هيمنة سلطة المال، والإغداق على الأحزاب الموالية بالتمويلات السرية، ناهيك عن التحكم في التقسيم الانتخابي، والاعتماد على الساكنة القروية الغارقة في القمع والتجهيل بإخضاعها في مواجهة سكان المدن والحواضر المتطلعين للتغيير.
كانت "الديمقراطية الحسنية"، كما كان يحلو للإعلام الرسمي الإشادة بها، تشرع جميع ألوان التزوير، من منطلق "محاربة الحزب الوحيد"، و"قطع الطريق على الانقلابيين المناوئين للمؤسسات". وكلها مزاعم مضللة.
صار الأمر بمثابة لعبة حارقة تدار بخيوط مرئية، خيوط ينهي بها المسؤول رقم واحد تفصيل وخياطة جلباب على المقاس للمشهد السياسي، لا يهم إن جاء الرداء مهلهلا باهتا مرقعا وكاشفا للعورة، ما دام يمسك بخيوط اللعبة في استخفاف قاس من خلف الستار.
ولا مفر..
في أخريات أيامه، صرح الحسن الثاني بما يشبه الاعتراف، حينما اقتبس من حديث منسوب إلى النبي محمد: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي"، استبدل الحسن الثاني (الذي يفخر بكونه يتحدر من سلالة الرسول) لفظ "الظلم" بكلمة "التزوير"، وأصبحت عبارته كالتالي: "إني حرمت التزوير على نفسي".
لكن التزوير، بعد هذه العبارة المنمقة استمر كما كان متوقعا، ونسب "الفعل الشنيع" يومها إلى الوزير القوي إدريس البصري، ما جعل المعارض عبد الرحمان اليوسفي الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، يوقع استقالته من العمل الحزبي ويحزم حقيبته نازحا إلى مدينة "كان" بفرنسا، حيث كانت تملك زوجته اليونانية منزلا بالشاطئ اللازوردي.
لا يمكن الحديث عن توقف التزوير في عهد الملك محمد السادس، وإن تخففت مظاهره، فالعاهل الجديد وافق على تأسيس حزب إداري أشرف على تفاصيله صديقه في الدراسة وكاتب الدولة في الداخلية فؤاد علي الهمة، هو حزب الأصالة والمعاصرة، وكانت الذريعة هي مواجهة الإسلاميين والحد من تغولهم، بعد أن استولى الضعف وهيمن على أحزاب المعارضة التقليدية (الاتحاد الاشتراكي والاستقلال والتقدم والاشتراكية)، التي لم تعد مختلفة عن الأحزاب الموالية.
التزوير في الانتخابات المغربية لم يقف فقط عند البلديات والبرلمان، بل ظل ساري المفعول داخل أغلب الجمعيات المدنية ومختلف الهيئات، ما نتج عنه حجم مروع من العزوف السياسي بين الشباب خاصة، بابتعادهم عن المشاركة في "اللعبة الديمقراطية". واقع يستفيد منه الإسلاميون في حزب العدالة والتنمية، الذين يتوفرون على ناخبين منضبطين، مهما تقلص عددهم يرفعونهم إلى المراتب الأولى.
ترامب الحاكم المطلق
بعد انتخابه سنة 2016 لم ترق العلاقة بين الساكن الجديد في البيت الأبيض والعاهل المغربي، إلى ما هو مطلوب، بسبب سابقة دعم محمد السادس بالأموال لمنافسته هيلاري كلينتون كما كشفت عنه وثائق ويكيليكس.
وقبل ذلك بثلاث سنوات لم يتمكن محمد السادس من مقابلة دونالد ترامب لما سافر برفقة عائلته إلى ولاية ميامي.
لكن في شهر أغسطس الماضي، تلقى الديوان الملكي برقية تهنئة من الرئيس دونالد ترامب بمناسبة عيد العرش تشيد بالعلاقات المغربية الأمريكية، علما بأن المغرب يعد أول دولة اعترفت باستقلال أميركا قبل أكثر من قرنين.
أما جو بايدن فربما سيتذكر المفاجأة السارة التي هيأها له محمد السادس لما وصل ذات نهار إلى المغرب بصفته نائب الرئيس باراك أوباما (2014)، ما أن ترجل جو من الطائرة حتى فوجئ بالحرس الملكي، بدل عزف النشيدين الوطنيين، يعزف له موسيقى "هابي بيرث تو يو" احتفالا بذكرى ميلاده التي صادفت ذلك اليوم. ما أشاع سعادة بايدن، وظهر إلى جانبه رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران (الإسلامي) وهو يحاول جاهدا تقليد الساسة الأنغلوساكيين بإطلاق قهقهة عالية، غطت على ابتسامة المحتفى به جو بايدن.
سيغادر دونالد ترامب البيت الأبيض مدثرا بأحزان خسارته. ربما شتم قدره في التواجد في بلد لا يعرف معنى "التمديد" والبقاء في الحكم، فالولايات المتحدة الأميركية لا تلبس الفائز برئاستها قلنسوة الزعامة المطلقة، أو تضفي عليه صفة "والد الكل" أو "أب الأمة". الرئيس هنا موظف يتبع الدستور والقوانين، ولما يكمل ولايته تنتهي مهمته، يضع المفاتيح وينصرف بدون استئذان.
لكن تزوير الانتخابات في المغرب، والبلدان المماثلة، سيظل مستمرا بأكثر من وجه وبأكثر من أسلوب، ويظل حلم التغيير بجنة الديمقراطية الموعودة سرابا وحلما زائفا.

