بايدن يفوز بولاية نيفادا بحسب وكالة أسوشيتد برس الأميركية
بايدن يواجه تحديات صعبة.

الهزيمة التي ألحقها جوزف بايدن الرئيس المنتخب السادس والأربعين للولايات المتحدة بالرئيس دونالد ترامب الذي أصبح الرئيس العاشر في تاريخ الولايات المتحدة الذي يفشل بالتجديد لنفسه لولاية ثانية، لا تعني قطعا هزيمة "الترامبية السياسية" التي جعلها ترامب رديفا للحزب الجمهوري خلال سنواته الأربعة في البيت الأبيض. 

الترامبية، ليست حركة سياسية أو أيديولوجية، أكثر مما هي مزاج سياسي أو مجموعة من النزوات التي لخصت نظرة دونالد ترامب للمجتمع الأميركي وللعالم. ترامب لم يأت ليكمل، بل لينقض، ولذلك دخل في نزاع ملحمي مع المؤسسات والأعراف والتقاليد الديمقراطية الأميركية وحاول إما الالتفاف عليها أو تقويضها وتحييدها عندما كانت تقاوم مزاجه ونزواته وتهوره. 

ترامب اعتمد الموقف ذاته ضد التقاليد التي ورثها واحترمها إلى حد كبير جميع الرؤساء الأميركيين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أي صيانة نظام التحالفات الاستراتيجية والاقتصادية التي أنشأتها واشنطن لتعزيز علاقاتها مع الدول الأوروبية في ظل حلف شمال الأطلسي (الناتو) ودول آسيوية مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، إضافة إلى المنظمات الدولية التي استخدمتها الولايات المتحدة وحلفائها في مواجهتهم مع الاتحاد السوفياتي وحلفائه ولاحقا الصين، مثل الأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرها.

وسوف يواجه بايدن تحديا بعيد المدى، يتمثل في إعادة بناء وتحصين المؤسسات الديمقراطية التي حاول ترامب تعطيلها أو تحييدها، وإعادة الاعتبار إلى الأعراف والتقاليد السياسية الأميركية، بما في ذلك إقناع شريحة كبيرة من الناخبين الذين صوتوا لترامب، أن المؤسسات السياسية والقضائية والتشريعية تخدم مصالحهم كمواطنين ويجب أن يثقوا بها وبصدقيتها، وبأهمية وجود إعلام أميركي متيقظ وحر لكي يقوم بمراقبة عمل هذه المؤسسات، وكشف أي تقاعس أو أي فساد فيها. 

وجاء في استطلاع لمؤسسة بيو في 2019 ان 75 بالمئة من الأميركيين يقولون إن ثقتهم بالسلطات الفدرالية قد انحسرت. استعادة هذه الثقة لن تكون سهلة، وسوف تستغرق الكثير من الوقت لأن الحروب الثقافية المستعرة في البلاد منذ سنوات عديدة، حول حق المرأة بالإجهاض، وحق اقتناء الأسلحة النارية دون قيود كثيرة، وزواج المثليين، ومعارضة الهجرة، ومخاوف العديد من الأميركيين من المهاجرين من أميركا اللاتينية وأفريقيا والدول ذات الأغلبية المسلمة. هذه المخاوف عمّقت الانقسامات والاستقطابات في المجتمع الأميركي وقللت من ثقة شريحة هامة من الأميركيين بقدرة، أو حتى برغبة السلطات الفدرالية حل هذه المشاكل.

في الأسابيع العشرة المقبلة قبل تأدية اليمين وتنصيبه في العشرين من يناير المقبل، سوف يعكف الرئيس المنتخب وفريقه المعني بالمرحلة الانتقالية، على مواجهة تحديات أولية قد تكون مؤقتة، ولكن ربما تتحول إلى تحديات مزمنة. 

وهذه الاحتمالات تتوقف على سلوك الرئيس ترامب خلال هذه المرحلة الحساسة، وأيضا على نتائج الانتخابات الفرعية التي ستجري في الخامس من يناير في ولاية جورجيا لانتخاب عضوين لمجلس الشيوخ. 

وإذا جنحت جورجيا للجمهوريين، عندها سيبقى السناتور ميتش ماكونال، الذي عانى منه الرئيس أوباما ونائبه بايدن لستة سنوات، رئيسا للمجلس، وعقبة مفترضة ضد الرئيس الجديد. أما إذا جنحت جورجيا للديمقراطيين، فإنها ستخلق مجلسا منقسما سيسيطر عليه الديمقراطيون من خلال صوت نائبة الرئيس كامالا هاريس، التي ستحسم أي تعادل بين الحزبين لصالح الديمقراطيين.

حتى الآن يواصل الرئيس ترامب التشكيك بنزاهة نتائج الانتخابات، ويرفض الاعتراف بشرعية انتخاب بايدن، ويواصل اتهاماته، التي لا يقدم أي دليل على صحتها بان الديمقراطيين قد سرقوا الانتخابات منه. 

هذا الموقف سوف يعقد من نجاح العملية الانتقالية لأن ذلك يفترض التعاون بين الإدارة الموجودة في البيت الأبيض والأجهزة الحكومية الأخرى، وفريق الرئيس المنتخب، من أجل تحقيق انتقال مناسب وغير مشوب بالمشاكل بين ترامب وبايدن. وسوف يبقى ترامب خلال أكثر من سبعين يوما الرئيس الوحيد للولايات المتحدة والذي يتمتع بصلاحياته الكاملة حتى ظهر العشرين من يناير. فهو قادر مثلا على إصدار العفو عن أي شاهد في السجن أو خارجه يمكن أن يشهد ضده في الدعاوى التي سترفع ضده وضد أولاده وشركاته فور انتهاء ولايته بتهم تتراوح التهرب من دفع الضرائب إلى إساءة استخدام صلاحياته الدستورية. 

ولكن الأثر السلبي للترامبية، إن لم نقل خطرها السلبي على بايدن، يتمثل في حقيقة الرئيس ترامب المهزوم حصل على سبعين مليون ناخب، وهو أعلى رقم يحصل عليه مرشح خاسر في تاريخ الولايات المتحدة. حصول بايدن على حوالي 75 مليون صوت، هو تطور تاريخي، ولكنه لا يقلل من حجم قاعدة ترامب التي توسعت منذ انتخابه. 

لا أحد يعلم في هذا الوقت المبكر، إلى أي مدى أو لأي وقت سيواصل ترامب التمتع بمثل هذه الشعبية. ولكن يمكن القول ببعض اليقين إن أنصاره سيواصلون الالتفاف حوله ودعمه والعمل بإرشاداته، ما يعني أنه سيبقى الرئيس الفعلي للحزب الجمهوري، وخاصة في غياب أي شخصية جمهورية يمكن أن تحمل راية الحزب في المستقبل المنظور. ولن يكون من المستغرب أن يقوم ترامب بعد مغادرته للبيت الأبيض (وليس من الواضح في هذا الوقت المبكر ما هي الظروف التي سيخرج فيها ترامب من البيت الأبيض) بمواصلة التواصل مع أنصاره عبر تجمعات مماثلة لمهرجاناته الانتخابية، لتعزيز قاعدته والحفاظ عليها، ولكن أيضا لاستخدامها ضد الرئيس بايدن، وضد القادة الجمهوريين الذين يعارضونه او يحاولون خلق مسافة بينهم وبينه.

بقاء مجلس الشيوخ في يد الجمهوريين يعني أن الخطط التشريعية للرئيس بايدن سوف تواجه صعوبات كبيرة بسبب المعارضة المتوقعة من الجمهوريين الذين تعهدوا في 2008 بعد انتخاب باراك أوباما نائبه جوزف بايدن، بعدم التعاون معهما في المجال التشريعي. هذه المرة سوف يمثل ترامب من الخارج ضغطا قويا على الجمهوريين في المجلس.

ولهذه الأسباب سيلجأ الرئيس بايدن في بداية ولايته إلى إصدار سلسلة من الأوامر التنفيذية لنقض أو إلغاء الأوامر التنفيذية التي فرضها ترامب مثل إلغاء قرار الانسحاب من مؤتمر باريس للتغيير البيئي، والعودة إلى منظمة الصحة العالمية، وإلغاء قرار حظر سفر رعايا عدد من الدول ذات الأكثرية المسلمة إلى الولايات المتحدة، وكذلك إلغاء قرار الانسحاب من منظمة الشراكة الاقتصادية لدول حوض المحيط الهادئ، وكذلك إلغاء قرارات أخرى تتعلق بالهجرة. هذه القرارات لا تتطلب موافقة من الكونغرس ولكنها تبقى محدودة، ولا يمكن استخدامها لإلغاء قرارات وافق عليها الكونغرس مثل قانون تخفيض الضرائب الذي أقره الجمهوريون خلال ولاية ترامب والذي استفاد منه ذوي الدخل العالي والشركات.

انشغال الرئيس الجديد بمعالجة تحدياته الداخلية الضخمة والملحة، بدءا بمحاولة احتواء الخطر المتزايد لجائحة كورونا، واستعادة العافية للاقتصاد الأميركي عبر برامج إعانات اقتصادية، تحتم عليه أن يتفق مع مجلسي الكونغرس على إقرارها، وستقلص من قدرته على معالجة التحديات الخارجية باستثناء تلك التي تشكل خطرا لا يمكن تجاهله. الرئيس بايدن، الذي ترعرع في ظل النظام الدولي التي انشأته وأدارته الحكومات الأميركية من جمهورية وديمقراطية منذ عقود، سوف يسعى إلى تحسين العلاقات مع دول حلف الناتو والدول التي كانت تربطها علاقات اقتصادية قوية مع الولايات المتحدة مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، لمحاولة تحصين أوروبا ضد نفوذ وتدخل روسيا الاتحادية في شؤونها الداخلية. وهذا قد يؤدي إلى تأزم العلاقات بين واشنطن وموسكو، لأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، سوف يخسر المناعة التي تمتع بها خلال ولاية ترامب ضد الانتقادات الموجهة لسجله السافر في مجال حقوق الإنسان، ودوره السلبي السياسي والعسكري في دول مثل سوريا وليبيا. بايدن، سوف يتعامل مع الصين كمنافس اقتصادي كبير للولايات المتحدة، ولكنه سيتفادى شيطنة الصين أو قادتها، وإن كان عليه أن يتخذ مواقف متشددة أكثر ضد سياسات الصين التوسعية في شرق آسيا من خلال زيادة التعاون مع جيران الصين القلقين من هذا التوسع مثل فيتنام والفيليبين، إضافة إلى تعزيز العلاقات مع الحلفاء التقليديين مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلاند.

وسيواجه بايدن في الشرق الأوسط، وهي منطقة زار معظم دولها خلال عضويته في مجلس الشيوخ وسنواته الثمانية كنائب للرئيس أوباما، التحديات القديمة ذاتها، والتي ازدادات تفاقما منذ انتهاء ولاية أوباما. بايدن قال إنه يريد فتح القنوات السياسية مع إيران من أجل التوصل إلى تعديل الاتفاق النووي الموقع في 2015 بين إيران من جهة والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وروسيا والصين من جهة أخرى، والذي ألغاه الرئيس ترامب في 2018، ومحاولة إقناع إيران بقبول فترات أطول لتجميد نشاطاتها النووية. 

ولكن التوصل إلى أي اتفاق جديد أو تعديل الاتفاق القديم بشكل جذري سوف يكون مهمة شبه مستحيلة في ضوء التوتر العميق بين واشنطن وطهران، والإضرار الكبيرة التي ألحقتها سياسة "الضغوط القصوى" بإيران التي فرضتها إدارة ترامب. إعادة إحياء التعاون بين الدول الستة ككتلة تتفاوض مع إيران، هو أيضا مهمة صعبة للغاية إن لم تكن مستحيلة. 

كما أنه إذا أراد بايدن التصدي للنفوذ الإيراني التخريبي في العراق وسوريا، ليس من الواضح كيف يمكنه تحقيق ذلك دون المجازفة بمواجهة عسكرية ضد إيران أو حلفائها في العراق. ومنذ عملية قتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني في بغداد والتي أمر بها الرئيس ترامب في مطلع السنة الحالية، وإيران تقوم بتعزيز نفوذها العسكري والسياسي في العراق ومواصلة تحدي الوجود العسكري والديبلوماسي الأميركي في العراق، الأمر الذي دفع المسؤولين الأميركيين في واشنطن في الأشهر الأخيرة إلى مناقشة خيار إغلاق السفارة الأميركية في بغداد بعد 17 سنة من غزو العراق.

ووفقا لمواقف بايدن خلال الحملة الانتخابية، من المتوقع أن تتعرض العلاقات بين واشنطن والرياض للتوتر، لأن الرئيس الجديد تعهد "بإعادة تقويم" العلاقات مع السعودية عقب جريمة اغتيال الصحفي السعودي، جمال خاشقجي، الذي كان يقيم في الولايات المتحدة وينشر دوريا في صحيفة واشنطن بوست. وكان الرئيس ترامب قد وفر الغطاء السياسي لولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان، الذي اعتبرته الاستخبارات الأميركية الطرف الذي كان وراء قرار تصفية خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول، تركيا قبل أكثر من سنتين. كما انتقد بايدن الحرب التي شنتها السعودية ضد الحوثيين في اليمن وأدت إلى مقتل آلاف المدنيين في الغارات التي قام بها سلاح الجو السعودي. طبعا، لا يستطيع بايدن شخصيا تفادي المسؤولية الأخلاقية عن هذه الحرب، لأنه كان في السلطة حين وافق الرئيس أوباما على هذه الحرب، لأنه كان بحاجة إلى دعم دول الخليج العربية لاتفاقه النووي مع إيران.

الرئيس المنتخب قال خلال حملته إنه سيسعى إلى إحياء "عملية السلام" بين الفلسطينيين وإسرائيل، وإنه يعارض ضم الكتل الاستيطانية الكبيرة في الضفة الغربية، التي وافقت عليها إدارة ترامب، كما سيعيد فتح القنصلية الأميركية في القدس التي كانت تخدم مصالح الفلسطينيين، وإعادة فتح مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن الذي أغلقته إدارة ترامب واستئناف المساعدات الإنسانية والاقتصادية التي قطعها ترامب، ولكنه تعهد بإبقاء السفارة الأميركية في القدس، بعد أن نقلها ترامب من تل أبيب. ولكن بايدن يعرف شخصيا وبشكل مباشر مدى قدرة رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتانياهو على مقاومة رغبات الرئيس الأميركي لأنه فعل ذلك بنجاح خلال سنوات باراك أوباما في البيت الأبيض. وليس واضحا في هذا الوقت ما هي الحوافز التي يمكن أن يستخدمها بايدن لإعادة إسرائيل والفلسطينيين إلى طاولة المفاوضات.

ولكن يمكن القول إن بايدن سوف يواصل بشكل عام السياسة التي بدأ أوباما في تطبيقها في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، أي تخفيض الوجود العسكري في أفغانستان والشرق الأوسط، وأيضا الاهتمام الديبلوماسي بها، والتركيز في المقابل على منطقة شرق آسيا لصيانة المصالح الاقتصادية الأهم للولايات المتحدة في تلك المنطقة، وللتصدي للنفوذ الصيني فيها.
 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.