بايدن يفوز بولاية نيفادا بحسب وكالة أسوشيتد برس الأميركية
بايدن يواجه تحديات صعبة.

الهزيمة التي ألحقها جوزف بايدن الرئيس المنتخب السادس والأربعين للولايات المتحدة بالرئيس دونالد ترامب الذي أصبح الرئيس العاشر في تاريخ الولايات المتحدة الذي يفشل بالتجديد لنفسه لولاية ثانية، لا تعني قطعا هزيمة "الترامبية السياسية" التي جعلها ترامب رديفا للحزب الجمهوري خلال سنواته الأربعة في البيت الأبيض. 

الترامبية، ليست حركة سياسية أو أيديولوجية، أكثر مما هي مزاج سياسي أو مجموعة من النزوات التي لخصت نظرة دونالد ترامب للمجتمع الأميركي وللعالم. ترامب لم يأت ليكمل، بل لينقض، ولذلك دخل في نزاع ملحمي مع المؤسسات والأعراف والتقاليد الديمقراطية الأميركية وحاول إما الالتفاف عليها أو تقويضها وتحييدها عندما كانت تقاوم مزاجه ونزواته وتهوره. 

ترامب اعتمد الموقف ذاته ضد التقاليد التي ورثها واحترمها إلى حد كبير جميع الرؤساء الأميركيين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أي صيانة نظام التحالفات الاستراتيجية والاقتصادية التي أنشأتها واشنطن لتعزيز علاقاتها مع الدول الأوروبية في ظل حلف شمال الأطلسي (الناتو) ودول آسيوية مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، إضافة إلى المنظمات الدولية التي استخدمتها الولايات المتحدة وحلفائها في مواجهتهم مع الاتحاد السوفياتي وحلفائه ولاحقا الصين، مثل الأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرها.

وسوف يواجه بايدن تحديا بعيد المدى، يتمثل في إعادة بناء وتحصين المؤسسات الديمقراطية التي حاول ترامب تعطيلها أو تحييدها، وإعادة الاعتبار إلى الأعراف والتقاليد السياسية الأميركية، بما في ذلك إقناع شريحة كبيرة من الناخبين الذين صوتوا لترامب، أن المؤسسات السياسية والقضائية والتشريعية تخدم مصالحهم كمواطنين ويجب أن يثقوا بها وبصدقيتها، وبأهمية وجود إعلام أميركي متيقظ وحر لكي يقوم بمراقبة عمل هذه المؤسسات، وكشف أي تقاعس أو أي فساد فيها. 

وجاء في استطلاع لمؤسسة بيو في 2019 ان 75 بالمئة من الأميركيين يقولون إن ثقتهم بالسلطات الفدرالية قد انحسرت. استعادة هذه الثقة لن تكون سهلة، وسوف تستغرق الكثير من الوقت لأن الحروب الثقافية المستعرة في البلاد منذ سنوات عديدة، حول حق المرأة بالإجهاض، وحق اقتناء الأسلحة النارية دون قيود كثيرة، وزواج المثليين، ومعارضة الهجرة، ومخاوف العديد من الأميركيين من المهاجرين من أميركا اللاتينية وأفريقيا والدول ذات الأغلبية المسلمة. هذه المخاوف عمّقت الانقسامات والاستقطابات في المجتمع الأميركي وقللت من ثقة شريحة هامة من الأميركيين بقدرة، أو حتى برغبة السلطات الفدرالية حل هذه المشاكل.

في الأسابيع العشرة المقبلة قبل تأدية اليمين وتنصيبه في العشرين من يناير المقبل، سوف يعكف الرئيس المنتخب وفريقه المعني بالمرحلة الانتقالية، على مواجهة تحديات أولية قد تكون مؤقتة، ولكن ربما تتحول إلى تحديات مزمنة. 

وهذه الاحتمالات تتوقف على سلوك الرئيس ترامب خلال هذه المرحلة الحساسة، وأيضا على نتائج الانتخابات الفرعية التي ستجري في الخامس من يناير في ولاية جورجيا لانتخاب عضوين لمجلس الشيوخ. 

وإذا جنحت جورجيا للجمهوريين، عندها سيبقى السناتور ميتش ماكونال، الذي عانى منه الرئيس أوباما ونائبه بايدن لستة سنوات، رئيسا للمجلس، وعقبة مفترضة ضد الرئيس الجديد. أما إذا جنحت جورجيا للديمقراطيين، فإنها ستخلق مجلسا منقسما سيسيطر عليه الديمقراطيون من خلال صوت نائبة الرئيس كامالا هاريس، التي ستحسم أي تعادل بين الحزبين لصالح الديمقراطيين.

حتى الآن يواصل الرئيس ترامب التشكيك بنزاهة نتائج الانتخابات، ويرفض الاعتراف بشرعية انتخاب بايدن، ويواصل اتهاماته، التي لا يقدم أي دليل على صحتها بان الديمقراطيين قد سرقوا الانتخابات منه. 

هذا الموقف سوف يعقد من نجاح العملية الانتقالية لأن ذلك يفترض التعاون بين الإدارة الموجودة في البيت الأبيض والأجهزة الحكومية الأخرى، وفريق الرئيس المنتخب، من أجل تحقيق انتقال مناسب وغير مشوب بالمشاكل بين ترامب وبايدن. وسوف يبقى ترامب خلال أكثر من سبعين يوما الرئيس الوحيد للولايات المتحدة والذي يتمتع بصلاحياته الكاملة حتى ظهر العشرين من يناير. فهو قادر مثلا على إصدار العفو عن أي شاهد في السجن أو خارجه يمكن أن يشهد ضده في الدعاوى التي سترفع ضده وضد أولاده وشركاته فور انتهاء ولايته بتهم تتراوح التهرب من دفع الضرائب إلى إساءة استخدام صلاحياته الدستورية. 

ولكن الأثر السلبي للترامبية، إن لم نقل خطرها السلبي على بايدن، يتمثل في حقيقة الرئيس ترامب المهزوم حصل على سبعين مليون ناخب، وهو أعلى رقم يحصل عليه مرشح خاسر في تاريخ الولايات المتحدة. حصول بايدن على حوالي 75 مليون صوت، هو تطور تاريخي، ولكنه لا يقلل من حجم قاعدة ترامب التي توسعت منذ انتخابه. 

لا أحد يعلم في هذا الوقت المبكر، إلى أي مدى أو لأي وقت سيواصل ترامب التمتع بمثل هذه الشعبية. ولكن يمكن القول ببعض اليقين إن أنصاره سيواصلون الالتفاف حوله ودعمه والعمل بإرشاداته، ما يعني أنه سيبقى الرئيس الفعلي للحزب الجمهوري، وخاصة في غياب أي شخصية جمهورية يمكن أن تحمل راية الحزب في المستقبل المنظور. ولن يكون من المستغرب أن يقوم ترامب بعد مغادرته للبيت الأبيض (وليس من الواضح في هذا الوقت المبكر ما هي الظروف التي سيخرج فيها ترامب من البيت الأبيض) بمواصلة التواصل مع أنصاره عبر تجمعات مماثلة لمهرجاناته الانتخابية، لتعزيز قاعدته والحفاظ عليها، ولكن أيضا لاستخدامها ضد الرئيس بايدن، وضد القادة الجمهوريين الذين يعارضونه او يحاولون خلق مسافة بينهم وبينه.

بقاء مجلس الشيوخ في يد الجمهوريين يعني أن الخطط التشريعية للرئيس بايدن سوف تواجه صعوبات كبيرة بسبب المعارضة المتوقعة من الجمهوريين الذين تعهدوا في 2008 بعد انتخاب باراك أوباما نائبه جوزف بايدن، بعدم التعاون معهما في المجال التشريعي. هذه المرة سوف يمثل ترامب من الخارج ضغطا قويا على الجمهوريين في المجلس.

ولهذه الأسباب سيلجأ الرئيس بايدن في بداية ولايته إلى إصدار سلسلة من الأوامر التنفيذية لنقض أو إلغاء الأوامر التنفيذية التي فرضها ترامب مثل إلغاء قرار الانسحاب من مؤتمر باريس للتغيير البيئي، والعودة إلى منظمة الصحة العالمية، وإلغاء قرار حظر سفر رعايا عدد من الدول ذات الأكثرية المسلمة إلى الولايات المتحدة، وكذلك إلغاء قرار الانسحاب من منظمة الشراكة الاقتصادية لدول حوض المحيط الهادئ، وكذلك إلغاء قرارات أخرى تتعلق بالهجرة. هذه القرارات لا تتطلب موافقة من الكونغرس ولكنها تبقى محدودة، ولا يمكن استخدامها لإلغاء قرارات وافق عليها الكونغرس مثل قانون تخفيض الضرائب الذي أقره الجمهوريون خلال ولاية ترامب والذي استفاد منه ذوي الدخل العالي والشركات.

انشغال الرئيس الجديد بمعالجة تحدياته الداخلية الضخمة والملحة، بدءا بمحاولة احتواء الخطر المتزايد لجائحة كورونا، واستعادة العافية للاقتصاد الأميركي عبر برامج إعانات اقتصادية، تحتم عليه أن يتفق مع مجلسي الكونغرس على إقرارها، وستقلص من قدرته على معالجة التحديات الخارجية باستثناء تلك التي تشكل خطرا لا يمكن تجاهله. الرئيس بايدن، الذي ترعرع في ظل النظام الدولي التي انشأته وأدارته الحكومات الأميركية من جمهورية وديمقراطية منذ عقود، سوف يسعى إلى تحسين العلاقات مع دول حلف الناتو والدول التي كانت تربطها علاقات اقتصادية قوية مع الولايات المتحدة مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، لمحاولة تحصين أوروبا ضد نفوذ وتدخل روسيا الاتحادية في شؤونها الداخلية. وهذا قد يؤدي إلى تأزم العلاقات بين واشنطن وموسكو، لأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، سوف يخسر المناعة التي تمتع بها خلال ولاية ترامب ضد الانتقادات الموجهة لسجله السافر في مجال حقوق الإنسان، ودوره السلبي السياسي والعسكري في دول مثل سوريا وليبيا. بايدن، سوف يتعامل مع الصين كمنافس اقتصادي كبير للولايات المتحدة، ولكنه سيتفادى شيطنة الصين أو قادتها، وإن كان عليه أن يتخذ مواقف متشددة أكثر ضد سياسات الصين التوسعية في شرق آسيا من خلال زيادة التعاون مع جيران الصين القلقين من هذا التوسع مثل فيتنام والفيليبين، إضافة إلى تعزيز العلاقات مع الحلفاء التقليديين مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلاند.

وسيواجه بايدن في الشرق الأوسط، وهي منطقة زار معظم دولها خلال عضويته في مجلس الشيوخ وسنواته الثمانية كنائب للرئيس أوباما، التحديات القديمة ذاتها، والتي ازدادات تفاقما منذ انتهاء ولاية أوباما. بايدن قال إنه يريد فتح القنوات السياسية مع إيران من أجل التوصل إلى تعديل الاتفاق النووي الموقع في 2015 بين إيران من جهة والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وروسيا والصين من جهة أخرى، والذي ألغاه الرئيس ترامب في 2018، ومحاولة إقناع إيران بقبول فترات أطول لتجميد نشاطاتها النووية. 

ولكن التوصل إلى أي اتفاق جديد أو تعديل الاتفاق القديم بشكل جذري سوف يكون مهمة شبه مستحيلة في ضوء التوتر العميق بين واشنطن وطهران، والإضرار الكبيرة التي ألحقتها سياسة "الضغوط القصوى" بإيران التي فرضتها إدارة ترامب. إعادة إحياء التعاون بين الدول الستة ككتلة تتفاوض مع إيران، هو أيضا مهمة صعبة للغاية إن لم تكن مستحيلة. 

كما أنه إذا أراد بايدن التصدي للنفوذ الإيراني التخريبي في العراق وسوريا، ليس من الواضح كيف يمكنه تحقيق ذلك دون المجازفة بمواجهة عسكرية ضد إيران أو حلفائها في العراق. ومنذ عملية قتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني في بغداد والتي أمر بها الرئيس ترامب في مطلع السنة الحالية، وإيران تقوم بتعزيز نفوذها العسكري والسياسي في العراق ومواصلة تحدي الوجود العسكري والديبلوماسي الأميركي في العراق، الأمر الذي دفع المسؤولين الأميركيين في واشنطن في الأشهر الأخيرة إلى مناقشة خيار إغلاق السفارة الأميركية في بغداد بعد 17 سنة من غزو العراق.

ووفقا لمواقف بايدن خلال الحملة الانتخابية، من المتوقع أن تتعرض العلاقات بين واشنطن والرياض للتوتر، لأن الرئيس الجديد تعهد "بإعادة تقويم" العلاقات مع السعودية عقب جريمة اغتيال الصحفي السعودي، جمال خاشقجي، الذي كان يقيم في الولايات المتحدة وينشر دوريا في صحيفة واشنطن بوست. وكان الرئيس ترامب قد وفر الغطاء السياسي لولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان، الذي اعتبرته الاستخبارات الأميركية الطرف الذي كان وراء قرار تصفية خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول، تركيا قبل أكثر من سنتين. كما انتقد بايدن الحرب التي شنتها السعودية ضد الحوثيين في اليمن وأدت إلى مقتل آلاف المدنيين في الغارات التي قام بها سلاح الجو السعودي. طبعا، لا يستطيع بايدن شخصيا تفادي المسؤولية الأخلاقية عن هذه الحرب، لأنه كان في السلطة حين وافق الرئيس أوباما على هذه الحرب، لأنه كان بحاجة إلى دعم دول الخليج العربية لاتفاقه النووي مع إيران.

الرئيس المنتخب قال خلال حملته إنه سيسعى إلى إحياء "عملية السلام" بين الفلسطينيين وإسرائيل، وإنه يعارض ضم الكتل الاستيطانية الكبيرة في الضفة الغربية، التي وافقت عليها إدارة ترامب، كما سيعيد فتح القنصلية الأميركية في القدس التي كانت تخدم مصالح الفلسطينيين، وإعادة فتح مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن الذي أغلقته إدارة ترامب واستئناف المساعدات الإنسانية والاقتصادية التي قطعها ترامب، ولكنه تعهد بإبقاء السفارة الأميركية في القدس، بعد أن نقلها ترامب من تل أبيب. ولكن بايدن يعرف شخصيا وبشكل مباشر مدى قدرة رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتانياهو على مقاومة رغبات الرئيس الأميركي لأنه فعل ذلك بنجاح خلال سنوات باراك أوباما في البيت الأبيض. وليس واضحا في هذا الوقت ما هي الحوافز التي يمكن أن يستخدمها بايدن لإعادة إسرائيل والفلسطينيين إلى طاولة المفاوضات.

ولكن يمكن القول إن بايدن سوف يواصل بشكل عام السياسة التي بدأ أوباما في تطبيقها في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، أي تخفيض الوجود العسكري في أفغانستان والشرق الأوسط، وأيضا الاهتمام الديبلوماسي بها، والتركيز في المقابل على منطقة شرق آسيا لصيانة المصالح الاقتصادية الأهم للولايات المتحدة في تلك المنطقة، وللتصدي للنفوذ الصيني فيها.
 

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.