بايدن في قاعدة عسكرية أميركية خلال زيارته للعراق عام 2009 حين كان نائبا للرئيس.
بايدن في قاعدة عسكرية أميركية خلال زيارته للعراق عام 2009 حين كان نائبا للرئيس.

قبل تسلمه لأي منصب حكومي بارز، فإن الرئيس الأميركي المرتقب، جوزيف بايدن، عُرف في منطقة الشرق الأوسط اعتباراً من العام 2007، حينما كان رئيساً للجنة العلاقات الخارجية داخل مجلس الشيوخ الأميركي، وقاد حملة سياسية وإعلامية شاملة وقتئذ، بما في ذلك الاتصال بالدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي، ترويجاً للخطة غير الملزمة التي تبنها مجلس الشيوخ الأميركي في خريف ذلك العام، التي كانت تدعو إدارة الرئيس جورج بوش الابن لـ"تقسيم" دولة العراق إلى ثلاثة كونفدراليات سياسية، تشغل كل واحدة منها أغلبية أهلية ما، شيعية جنوباً وكردية في الشمال وسُنية في الوسط، وأن تتحد الكونفدراليات الثلاث لتشكل دولة العراق الحديثة، تكون تلك الصيغة حلاً للحرب الأهلية العراقية، التي كانت في أوجها وقتئذ.

في ذلك العام، كانت الإدارة الأميركية تعيش ذروة تعرقل/فشل مشروعها السياسي الموعود للعراق، وتالياً للمنطقة، بعد نجاح سريع لخطة غزوها العسكري للعراق في ربيع العام 2003. فبعد الحرب مباشرة، أثبتت النخب السياسية العراقية سريعاً عدم قابليتها لأن تكون تنظيمات وقوى سياسية حداثوية، تكرس نظاماً سياسياً عراقياً مدنياً وديمقراطياً، يخلق من العراق نموذجاً كان متخيلاً في خطابات المحافظين الأميركيين الجدد، شيء شبيه بما جرى قبل قرابة نصف قرن في كُل من ألمانيا واليابان. بل على العكس تماماً، فقد كانت نُخبة الحُكم العراقية آلة عُظمى للنهب العام، إلى جانب ولاء إيديولوجي وسياسي لدولة خارجية –إيران- فاق بكثير أي ارتباط روحي أو سياسي لها ببلادها، الأمران اللذان حضراً الأرضية المناسبة تماماً لاندلاع الحرب الأهلية الطائفية، التي أغرقت العراق في بحر من الدماء، وما يزال. 

جزء وفير من النُخب السياسية الأميركية، بالذات عبر المؤسسات التشريعية الأميركية، كانت ترى في مشروع الكونفدرالية حلاً معقولاً لإنقاذ العراق، وتالياً إخراج الولايات المتحدة من أوحال تلك المنطقة. فمشروع بايدن وقتئذ لم يكن يتناقض مع النزعة الانسحابية للولايات المتحدة من الحروب العالمية، والتي كان الحزب الديمقراطية يرفعها لوائها منذ أعوام كثيرة، التي كرسها الرئيس أوباما بالانسحاب العسكري شبه الكامل من العراق، بعد اتفاق الإطار الاستراتيجي لعلاقة للصداقة والتعاون بين الولايات المتحدة والعراق. لكن أفكار بايدن كانت تدعو لانسحاب مسؤول، لا يترك فراغاً جيوسياسياً غير محسوب العواقب، وهم ما لم يلتزم به الرئيس أوباما، بالرغم من أن بايدن كان نائبه، لكن الرئيس فضل الالتزام الحرفي بما عرضه خلال حملته الانتخابية.

لم تكن إدارة الرئيس أوباما وحدها من حالت دون تنفيذ المشروع الكونفدرالي، بل أن تحالفاً سياسياً ثلاثياً شديد الصلابة، أعاق ذلك جوهرياً.

فالقوى السياسية الشيعية العراقية المركزية الحاكمة، كانت تتطلع إلى لحظة الخروج العسكري والسياسي الأميركي من العراق، لتكرس نظام حاكم مركزي، يغدو العراق بكله جزء من فضاء حُكمها وحدها. كانت تلك القوى الشيعية تخطط لذلك، وتعتبر الكونفدرالية مضاداً نوعياً لنزعاتها المركزية تلك.

القوى الشيعية تلك، كانت تتلقى دعماً مفتوحاً من قِبل إيران، التي كانت تمني النفس بملء الفراغ الذي ستتركه الولايات المتحدة في العراق، وأن تكون هيمنتها كاملة، دون أية أعاقة سياسية أو دستورية، تلك الهيمنة التي يمكن للنظام الكونفدرالي أن يعرقلها تماماً. 

شكلت القوى والنخب السياسية السُنية العراقية رديفاً مباشرة لقوة الممانعة تلك. ففرط الحس الإيديولوجي القومي والطائفي المكتنز في ذوات تلك القوى والنخب السُنية، كان يحول بينها وبين الاعتراف بالوقائع العراقية المباشرة، التي كانت مفتوحة على مذبحة كبرى. 

لم يُترجم مشروع بايدن إلى أي واقع سياسي قط. بمعنى أوضح، انتصرت قوى الممانعة المركزية على أية رؤية تعترف بالوقائع وتحاول أن تضع حلولاً مناسبة. لكن، وغالباً لأجل ذلك بالضبط، جرى كل ما جرى منذ ذلك الوقت. بقي العراق غارقاً في حروب أهلية مفتوحة، منقسماً بشكل شاقولي، طائفياً وعرقياً ومناطقياً، وموطئاً لنهب عام دون حد وحساب، تعرض لغزوات وحشية وخاض حروباً حطمت مدنه وحواضره التاريخية، تراجعت فيه كل أشكال الحياة المدنية وأسس الديمقراطية، وأولاً بلداً محكوماً من مليشيات طائفية من خارج القانون. 

اليوم، تبدو منطقتنا غارقة تماماً في الكثير مما كان عليه العراق وقتئذ. فمن إيران إلى لبنان، مروراً بسوريا وتركيا والعراق، وحتى أبعد الكيانات التي مثل السودان وليبيا، تبدو المركزية السياسية والإيديولوجية منبعاً وعتبة أولية لتكريس الفشل وصرعات "الأخوة الأعداء" ضمن البلد الواحد، المركزية المستندة على تراث مريع من الخطابات القومية والوطنية والدينية والمذهبية، والتي هي في جوهرها نزعات لتكريس هيمنة واحدة من الحساسيات الأهلية ضمن هذه الكيانات، على حساب حقوق باقي المكونات الأهلية. وهي نفسها المركزية التي تنتج عملياً أنظمة شمولية تعتمد على الزبائنية وتحويل الأطراف والجهويات إلى مجرد مستعمرات داخلية، موردة للمواد الخام والعاطلين عن العمل فحسب، نحو المدن المركزية المتخمة بالعشوائيات. 

لكن في نفس الوقت الذي ما تزال فيه أوضاع منطقتنا هكذا تفصيلاً، فأن قوى الممانعة الثلاثة المذكورة سابقاً، ما تزال بكامل صحتها السياسية والإيديولوجية. فالنظام السياسي الإقليمي يمانع تماماً أي مشروع نحو كونفدراليات رحبة، تؤيده داخلياً قوتان سياسيتان ضخمتان، واحدة تعتبر المركزية أداة لهيمنتها على كافة حساسيات البلاد، وأخرى رومانسية مأخوذة بخطابات عصر الناصرية السياسية. في كلا الحالتين، يشكل البعثيون والإخوان المسلمون، وفي كل دولة حسب تنظيماتهما الخاصة، القوى الأكثر شبهاً بذلك الجوهر الناصري، وهي مستندة إلى دعم مطلق من قِبل القوى الإقليمية، أمثال ملالي طهران وسلاطين أنقرة.  

لأجل ذلك بالضبط، فأن الإدارة الأميركية أمام حلين قطبيين، فإما الانخراط التام في ملف هذه المنطقة "الموبوءة" ووضع حلول من مثل تلك الكونفدراليات، التي تضع حداً معقولاً لمنابع كل أشكال القيح الراهنة. أو أن تنسحب من ملفاتها، وتالياً تتحمل ما قد يترتب عن ذلك من آثار، وعلى كل بقعة في العالم.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.