.
.

يقول المفكر الفرنسي، آلان تورين، في كتابه "ما هي الديمقراطية": إن الديمقراطية التي تتحول إلى محْض سُّوق سياسية مفْتوحة، ولا تتحد بِكونها تسييراً متوازياً للتغيرات التاريخية ولِمصالح الأفراد والمجتمع معاً، ستَّضيع في النهاية في متاهةِ بيروقراطية الأحزاب والفساد السياسي".

وفي العراق لم يعد من الغرائب وصْف سّلوك الطبقة السياسية في العراق بأنه يجمع بين المتناقضات، ولعل موقفهم من الديمقراطية يُعد هو الأكثر تناقضاً وغرابة في الوقت نفسه. السياسيون في العراق يعملون ليلاً ونهاراً على تدمير كل ماله علاقة بأسس النظام الديمقراطي ولعل أهمها المسائلة والمحاسبة، لكنهم في الوقت ذاته يعتبرون وسائل الديمقراطية، وتحديداً الانتخابات، هي الوسيلة لبقائهم في السلطة وممارستهم الحكم.

وفي الوقت الذي يُفترض بالبرلمان أن يكون المؤسسة السياسية المعبَّرة عن إرادة الشَعب، والتي تأخذ على عاتقها حماية الديمقراطية. نجد أنه بدلاً من أن يكون منشغلاً بالبحث عن حلول للأزمات السياسية والاقتصادية باتت مهمته الرئيس الموافقة على تمرير مشاريع القوانين التي تأتي للبرلمان بعد التوافق عليها بين الزعامات السياسية، مع غياب تام للرقابة على السلطة التنفيذية! ومن ثمَّ بات البرلمان عاجز تماماً عن التعامل بمسؤولية إزاء الأزمات التي يُمكن وصفها بالأخطر والأكثر تعقيداً؛ لأنها كانت بمواجهة احتجاجات تُعبر عن رفضها لمنظومة سياسية تُراعي مصالح الطبقة السياسية وزعامتها وتتجاهل تماماً مصلحة المواطن.

ولم تترك هذه الطبقة السياسية مبدأ أو مفهوم سياسي يساهِم بتجاوز المرحلة الانتقالية نحو بناء النظام الديمقراطي إلا وعملت على تحريفه عن مبادئه الرئيسة وغاياته، انظروا إلى تجربتنا مع شعار(حكومة الشراكة الوطنية) التي لم تنتج إلا ترسيخ هيمنة الأوليغارشيات السياسية على الدولة ومؤسساتها. واليوم بدأت بتسقيط مفهوم (حكومة التكنوقراط)، إذ في الوقت الذي يفترض أن يكون التكنوقراط يملك رؤية وقدرة على إدارة مؤسسات الدولة، ومن ثمَّ يكون الاهتمام بتاريخ ومؤهلات الشخصية التي يُمكن لها أن تتبوأ منصب وزير أو مستشار، بات المعيار الرئيس الذي يؤهل التكنوقراط هو علاقاته مع قوى السلطة وقدرته في تمرير صفقاتها. ولذلك بات عنوان التكنوقراط لا يحظى بثقة المواطن لأنه مُتماه تماماً مع منظومة الخراب والفوضى والفساد التي تديرها الطبقة السياسية.

الفوضى التي خلفتها الطبقة السياسية أصبحت مهمة الحكومة الرئيسة إدارتها، والتي هي بالتأكيد شريك في انتاجها وديمومتها، وليس وضع حد لها أو التقليل من أضرارها والخراب الذي أنتجته. ولذلك لا نجد صِراع بين الحكومة والبرلمان يقوم على أساس ضمان مصلحة المواطن، وإنما صراع بين حكومة تريد التهرب من مسؤوليتها أو محاولتها توسيع صلاحيتها بهدف خلق زبائنية لها تكون جمهورها في مواسم الانتخابات. بالمقابل تسعى الأحزاب والقوى السياسية أن تكون هي المُستفيدة من التشريعات التي تساهم في توسيع دوائر نفوذها ومنافذ هيمنتها على المال العام. وبالنتيجة يتم حسم الخلافات عن طريق الصفقات والتوافقات بما يرتضيه زعماء الفرقاء السياسيين وليس عن طريق المؤسسات السياسية وقوانينها.

انْظروا إلى المناصب العليا في الدولة التي تدار في الأغلب منها بالوكالة، وهو المنفذ الذي سعت الأحزاب السياسية والحكومة لتعيين شخصياتها في المناصب الحكومة وإدارة مؤسسات الدولة. ويعد هذا الموضوع فرصة تستثمرها الحكومة والطبقة السياسية لتعيين الشخصيات القريبة منها وليس من يملك الكفاءة والمؤهلات الإدارية، إذ تعتبر هذه المناصب هبة تمنحها لمن يدين بالولاء، ليس للدولة، وإنما للزعيم أو الحزب.

وإلى الآن لا تُعط الطبقة السياسية أولوية لإعادة الاعتبار للمؤسسات التي لها علاقة مباشرة مع حاجات المواطن، ولا حتى المؤسسات التي يعد وجودها ضروري لتحقيق الفصل بين السلطات. إذ لدينا الآن مجالس محافظات معطلة منذ احتجاجات تشرين الأول/ أكتوبر في العام الماضي، وإلى الآن لم تتم مناقشة الجدوى من وجودها وتقييم تجربتها. كذلك المحكمة الاتّحادية العليا باتت معطلة وتنتظر اسْتِكمال تشريع قانونها من قبل مجلس النواب، وتدرك تماماً القوى السياسية بأن تعطيل المحكمة الاتّحادية يعني وجود خلل في بُنية النظام السياسي ولا يمكن إجراء الانتخابات من دون عودتها للعمل، لكن الفوضى وليس بناء الدولة على أسس صحيحة هو خيار الطبقة السياسية.

ولم تكتفِ الطبقة السياسية بإنْتاج الفوضى، وإنما اختارت نظرية المؤامرة باعتبارها وهماً تستجير به لتبرير فشلها وحماقاتها، وباتت تسوقها للرأي العام بصراخ غوغائي وتفسيرات أيديولوجية، وتريد من العراقيين التعايش مع اللابديل، أو بديلها الفوضى! ولا أعرف أي فوضى يمكن أن تكون أقسى وأكثر دماراً من التي يعيش فيها المواطن العراقي!

ومع كلّ مشاهد الفوضى التي أنتجتها الطبقة السياسية طوال سنوات تغيير النظام لا تزال خيارات المراجعة وتقويم التجربة غائبة تماماً عن تفكير أحزاب السلطة وزعاماتها، وما يتم تداوله من خطابات سياسية هو نوع من خطابات التسويف والمماطلة وليس محاولات حقيقة لتقيم ما وصل إليه حال البلاد بعد 17 سنة من ممارسة السلطة. إذ لا يزال نقد الذات والتاريخ ومراجعة ما حصل وطرح الأسئلة الصعبة والثقيلة من القضايا اللامفكر فيها في تفكير زعامات وشخصيات الطبقة السياسية، لأن غالبيتهم اختاروا العيش في حالة الإنْكار، بل والسعي نحو مزيد من الدمار تحت شعار حماية حقوق المكونات.

إذا، لا يمكن أن نتوقع حلول حقيقة لمعضلة العراق في ظل انْعدام ثقة المجتمع بالطبقة السياسية، لأن هذه الطبقة فشلت في التأسيس لعلاقة ترابط بينها وبين المجتمع في أن تكون معبرة عن مصالحة، رغم فشلها وفسادها وسوء إدارتها لا تزال ترفض الإقرار بعجزها عن إحياء الثقة المفقودة، أو قدرتها على إعادة إنتاجها. لكن تبقى مسألة البديل عن هذه الطبقة السياسية بحاجة إلى تقادم الممارسة الديمقراطية، ونضوج الخيارات المجتمعية.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.