.
.

توجد قناعة راسخة لدى طيف من السودانيين، خصوصا في أوساط المتعلمين والمثقفين، أن المصريين يتخذون من السودانيين على الدوام مادة للسخرية ويتعاملون معهم باستعلاء شديد ولا يعرفون شيئا عن السودان، كما أن صورة السوداني في المخيلة المصرية لا تتعدى شخصية حارس العمارة "عثمان البوَّاب".

ويقول هؤلاء أن العلاقة بين البلدين لم تقم أصلا على التكافؤ بل كانت دوما تميل لصالح الكفة المصرية التي كانت في يوم من الأيام دولة مستعمرة للسودان، وشواهد ذلك لديهم كثيرة متمثلة في ضياع أراضي وادي حلفا واحتلال حلايب واتفاق المياه المجحف وغير ذلك من الأمور.

من جانب آخر، توجد قطاعات من السودانيين تنظر للمصريين باعتبارهم الأخوة الأشقاء الأقرب لوجدانهم والذين لا يشعرون في بلدهم بغربة الوجه واليد واللسان، ومصر في نظر هؤلاء كانت على الدوام بوابة السودان للعالم ومصدر الثقافة والفنون والتعليم فهي بلد الأزهر وجامعة القاهرة فرع الخرطوم والبعثة التعليمية والبلد الذي تعلم في جامعاته عشرات الآلاف من السودانيين وغير ذلك من الصلات.

هذا الانقسام في أوساط السودانيين تجاه طبيعة العلاقة مع مصر يقابله من جانب آخر انقسام شبيه في أوساط مواطني دولة "جنوب السودان"، نحو العلاقة مع السودان وأهل الشمال.

تنظر فئة من الجنوبيين لأهل الشمال بأنهم ظلوا يعاملونهم بازدراء شديد وأنهم لم يعترفوا بهم أصلا كمواطنين عندما كانوا جزءا من السودان، ويمضون أكثر من هذا ليصنفوا الشماليين كغزاة ومستعمرين طارئين على أفريقيا ولذا لم يتوانوا عن مطالبتهم بالرجوع إلى جزيرة العرب التي وفدوا منها.

في مقابل تلك الفئة، يوجد قطاع من الجنوبيين تعايش وتداخل مع أهل الشمال واندمج في مجتمعاتهم ورأى أن صلة القربى والعادات واللسان التي تربطه بهم أقوى بكثير من صلة اللون التي تجمعه باليوغنديين أو الكينيين، وظل هؤلاء يطمحون ببلد موحد يجمعهم مع أهل الشمال.

هذا الالتباس في التوجه والنظرة للآخر ساهمت في صنعه حقب طويلة من التاريخ المشترك والعلاقات الثقافية الشائكة والسياسات والمصالح المتضاربة، خلقت تراكما لسُحبٍ كثيفة من المشاعر المتناقضة أخفت كثيرا من الحقائق الموضوعية المتعلقة بالقضايا التي تهم البلاد موضوع المقال.

ويمكننا في هذا الإطار تناول بعض الأمثلة التي توضح هذه الفكرة.

تنظر بعض النخب المصرية لعملية استقلال السودان التي وقعت عام 1956 على أنها كانت انفصالا عن مصر نتج عن مؤامرة استعمارية قادتها بريطانيا بالتعاون مع النخب السياسية السودانية، وتسوق في ذلك شواهد وأدلة تاريخية موضوعية كثيرة تعضد بها رأيها.

هذا الرأي يثير حفيظة كثير من السودانيين أصحاب الرأي السالب تجاه مصر، فينبري أحدهم، دون تفنيد حجج القائلين بذلك الرأي بموضوعية، ليتحدث عن العقلية الخديوية التي لا ترى في السودان سوى تابع لمصر ولا تعترف بكيان السودانيين واستقلالهم ومن ثم يتم تعميم ذلك الحكم على مصر والشعب المصري.

ذات الشخص تجده يُسمي استقلال جنوب السودان الذي وقع عام 2011 انفصالاً عن السودان ويقول إنه كان نتيجة مؤامرة أميركية - صهيونية بالتعاون مع النخب السياسية الجنوبية، ويقوم كذلك بتقديم حجج موضوعية تعضِّد رأيه.

كيف يمكننا تفسير هذا التناقض في رؤية شخص بعينه لقضيتين متشابهتين؟

قبل عدة أعوام شن عدد كبير من الكتاب والصحفيين السودانيين هجوما كاسحا على الصحفي المصري الراحل محمد حسنين هيكل، لقوله إن السودان عبارة عن "جغرافيا" وقد تزامن ذلك الهجوم مع مناوشات إعلامية متزايدة حول موضوع حلايب وقضية سد النهضة الأثيوبي ومستقبل العلاقة بين البلدين.

قد طغت النزعة العاطفية على النظرة العقلانية المتأنية في ردة فعل الصحفيين السودانيين، مما يشي بأن الموضوع لم يكن متعلقاً فقط برفض عبارة الأستاذ هيكل بل يمتد للتعبير عن طبيعة العلاقة بين مصر والسودان والكيفية التي يتعامل بها قطاع كبير من السودانيين مع كل ما يصدر عن مصر تجاه السودان.

عندما قال هيكل إن السودان مجرد جغرافيا، كان يعبر عن رؤية موضوعية مفادها أن هناك أزمة انصهار قومي وتكامل وطني شواهدها ماثلة في التباينات الأثنية والقبلية والجهوية الكثيرة التي لم تتم إدارتها بحكمة فأدت للحروب الأهلية المتطاولة ولذهاب جنوب السودان وربما تؤدي لذهاب أجزاء أخرى.

هذه الرؤية الموضوعية وقعت على عقول محملة بشحنات سالبة نحو كل ما يصدر عن مصر، فتم تصنيفها في إطار رؤية العقلية الخديوية والنظرة الاستعلائية مع أنها لم تخرج عن نطاق الحديث الذي ظلت تردده النخب السودانية نفسها بكثافة في العقدين الأخيرين وتعبر عنه بقضية "أزمة الهوية الجامعة".

الذين هاجموا الأستاذ هيكل هم أنفسهم من ظلوا يدافعون عن وحدة السودان ويرفضون انفصال الجنوب، باعتبار أنه لا يملك مقومات الدولة فهو في نظرهم مجرد قبائل لا تجمع بينها لغة أو هوية مشتركة.

وعلى الرغم من أن الرأي أعلاه تسنده حقائق موضوعية، فإن الجنوبيين المعبئين بكراهية السودان يرفضونه عندما يطرح من قبل الشماليين ويعتبرونه مجرد نظرة استعلائية لا ترى فيهم سوى مجموعات بدائية متخلفة عاجزة عن حكم نفسها، بينما تعكس الحرب الأهلية التي وقعت في جنوب السودان بسبب الأبعاد القبلية صواب هذا الرأي. 

المثالان أعلاه يوضحان أن الحساسية في نظرة قطاعات من الشعب والمثقفين السودانيين لمصر تقابلها من الناحية الأخرى نظرة متطابقة تحملها قطاعات شعبية ومثقفين جنوبيين تجاه السودان، بينما لا نجد ذات المشاعر السلبية في العلاقة بين المصريين والجنوبيين.

إذا، السودانيون يقعون بين مطرقة الشعور بالاستعلاء المصري تجاههم وسندان الاتهام الجنوبي لهم بممارسة الاستعلاء على الجنوبيين وهذا مأزق تجب دراسته بكثير من الموضوعية والعقلانية بعيدا عن العاطفة.

مدخل علاج هذه الإشكالية النفسية يتمثل في السعي لتحقيق مصالح الشعوب الثلاثة وعلى رأسها المصالح الاقتصادية التي أثبتت شواهد التاريخ أنها قادرة على تجاوز الإحساس بالمرارة والشكوك والكراهية المتراكمة عبر السنين، إذا ما تم توظيفها بطريقة سليمة لا يشعر فيها أي طرف باستغلال الطرف الآخر له.

مجالات التكامل الاقتصادي بين البلدان الثلاثة كثيرة فكل واحد منها لديه ميز نسبية يمكن استغلالها لتعود بالنفع على الجميع، ويمكن للسودان أن يلعب دور رُمَّانة الميزان في هذا التكامل بحكم موقعه الوسط وبحكم علاقاته التاريخية بمصر وجنوب السودان.

بالطبع لن يؤدي تحقيق المصالح المشتركة للشعوب الثلاثة إلى اختفاء المشاعر السالبة بصورة سريعة ونهائية، ولكنه بالقطع سيخفف كثيرا من غلوائها الذي يُعيق التواصل الطبيعي والاندماج والتفاعل والتنمية.

عندما كنت طالبا للدراسات العليا بجامعة دينفر، حضرتُ درسا عن الآثار النفسية للنزاعات، وقد عرضت المُحاضِرة تجربة شخصية حول استمرار الأثر النفسي للكراهية المتولدة عن العلاقات التي اتسمت بالتشاحن لسنوات طويلة، وقالت إن نقاشا جمعها مع شاب ينتمي لإحدى ولايات الجنوب الأميركي حول بعض السياسات الداخلية لإدارة الرئيس جورج بوش الابن، وقد فاجأها ذلك الشاب بسؤال خارج السياق: هل تظنون أنكم انتصرتم علينا؟  فقالت له انتصرنا في ماذا؟ فأجابها بالقول "في الحرب الأهلية"، ثم قالت معلقة " لقد بدا عليه حنقا شديدا تجاهي وكأنني قتلت أحد أقاربه في تلك الحرب".

كان سؤال ذلك الشاب في العام 2005 أي بعد مرور 140 سنة على انتهاء الحرب الأهلية الأميركية، فتأمل ! 

ومع ذلك، فإن ذلك الأثر النفسي السالب لمرارات الحرب لم يعق مسيرة تطور وتقدم الإمبراطورية الأميركية، وهو الأمر الذي نأمل أن نراه في تشكيل مستقبل العلاقة التي تجمع بين السودان ومصر وجنوب السودان.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.