كورونا فرض نفسه على مشهد الانتخابات الأميركية.
كورونا فرض نفسه على مشهد الانتخابات الأميركية.

بعد أيام مليئة بالإثارة انتهت الانتخابات الأميركية إلى إعلان فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن، ولكن هذا السباق المشوق أوضح مجموعة من الحقائق، أولها أن الولايات المتحدة الأميركية منقسمة بشكل حاد على عدة مستويات تحت يافطتين عريضتين هما الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري، ففي الحزب الديمقراطي تصاعد نفوذ اليسار الذي يدفع الحزب لتبنّي سياسات تضع حدا للتباين الشديد بين واحد في المائة من الأميركيين الذين يملكون القسم الأكبر من الثروة، مقابل أغلبية واسعة تعمل على حدود دنيا من الأجور ولا تنال حقها من الرعاية الصحية أو فرصتها العادلة في التعليم، بينما كان للحزب الجمهوري توجّه آخر يركّز على تشجيع المبادرة الفردية وتحفيز الاقتصاد عبر تخفيض الضرائب والضوابط على الشركات، مما قد يشجعها على إعادة مصانعها إلى أميركا من الصين والمكسيك وغيرها مما سيخفض من نسبة البطالة ويرفع الناتج الوطني. 

بالإضافة إلى انقسام آخر بين المحافظين الذين يتركزون في الحزب الجمهوري والليبراليين في الحزب الديموقراطي، حيث يرفض المحافظون حق المرأة في اتخاذ القرار في ما يخص الإنجاب أو الإجهاض ويعتبرون أن للجنين الحق في الحياة، بما يخالف قرار أصدرته المحكمة الأميركية العليا عام 1973 وأباح الإجهاض، كما يرفض المحافظون زواج المثليين الذي تقرّه حاليا الولايات الأميركية الخمسين، ولكن مع زيادة نفوذ المحافظين الدينيين في المجتمع الأميركي الذي ترافق مع سيطرة المحافظين خلال رئاسة ترامب على أغلبية في المحكمة العليا جعل من غير المستبعد أن يتحينوا الفرصة للتراجع عن القوانين السابقة، ولذلك شارك المثليون في الاحتفالات بفوز بايدن. 

وخلف كل ذلك هناك الانقسام على أسس عرقية، حيث اصطفّت أغلبية كبيرة من الأميركيين من أصول أفريقية وبدرجة أقل من بقية الأقليات خلف الحزب الديمقراطي، بينما تحول الحزب الجمهوري إلى حزب للبيض بشكل رئيسي، ونتيجة هذا التباين الحاد في رؤية الحزبين للعديد من القضايا أصبح الخلاف بينهما حادا إلى درجة أنه من الصعب أن يؤيد الديمقراطيون أي سياسة للحزب الجمهوري وبالعكس، مما حوّل الخلاف السياسي إلى صراع وجعل استخدام كل الوسائل مباحا. 

ولذلك لم يقوت الديمقراطيون الفرصة التي منحهم إياها وباء كورونا، ليس لأن ترامب أخطأ أو قصّر في مواجهة هذا الوباء، بل لأن هذا الوباء قدّم ذريعة لا يمكن الاعتراض عليها لاعتماد التصويت المبكّر وعبر البريد بشكل واسع، مما أعطى الماكينة الانتخابية الكبيرة والمتحمّسة للحزب الديمقراطي الفرصة للقيام بجولات على المنازل ومراكز التسوق وتعبئة استمارات لملايين الناخبين للتصويت لبايدن. 

ورغم أن هؤلاء هم من جمهور الحزب الديمقراطي ولكن الكثيرين منهم لم يكن من عاداته الذهاب إلى مراكز الانتخاب والانتظار لساعات طويلة للإدلاء بصوته، فهذا التقليد منتشر بشكل أوسع بين البيض مقارنة مع بقية الأقليات، ونتيجة حملة الديمقراطيين هذه انتخب بشكل مبكر نحو مئة مليون أميركي مقابل أقل من خمسين مليون أدلوا بأصواتهم في يوم الانتخاب، وشاهد العالم كيف أدّى ذلك إلى قلب نتائج الانتخابات في الولايات الحاسمة التي كان ترامب متفوقا فيها بفارق كبير يوم التصويت ثم خسرها مع وصول نتائج التصويت عبر البريد. 

كما سلّطت هذه الانتخابات الضوء على ظاهرة ترامب الذي حصل على 47.7 في المائة من أصوات الناخبين الأميركيين، رغم كل ما حدث خلال السنوات الماضية، وخاصة براعته في خلق الأعداء ليس مع خصومه السياسيين فقط بل مع القادة التقليديين للحزب الجمهوري مثل جون ماكين والذي كان خلافه معه قبل وفاته سبب خسارته ولاية أريزونا الحاسمة بفارق بسيط عن جو بايدن، وكذلك مع عائلة بوش وميت رومني والكثير من قادة الحزب وأعضاء الكونغرس الجمهوريين، بالإضافة إلى أغلبية من عمل معه ضمن إدارته نفسها مما دفع بعضهم للتفرّغ لمهاجمته، فلسبب ما كانت علاقاته تنتهي في أغلب الأحيان إلى شكل من العداء، ولذلك كان حصوله على هذه النسبة العالية من الأصوات مع وجود كل هؤلاء الأعداء من الحزبين تأكيدا على عدم ثقة الكثير من الأميركيين بالطبقة السياسية التقليدية في واشنطن. 

كما أكّدت كذلك على نقص ثقة المواطن الأميركي بوسائل الإعلام التقليدية، التي كانت طوال السنوات الماضية تستغل كل كلمة يقولها ترامب أو تصرف يقوم به لمهاجمته، وخصوصا مع ما رافق فترة رئاسته من تحقيقات تناولت الكثير من جوانب حياته الشخصية وأعماله التجارية والتي تحتوي على الكثير من الأمور المثيرة للريبة، واقتصرت وسيلته في الرد على تلك الإمبراطوريات الإعلامية المحترفة على التغريد على تويتر والخطابات والتي كان يستخدم فيهما مفردات غير دبلوماسية، ولكنها مع ذلك كانت تجد طريقها لقلوب جمهوره، مما جعل من ترامب ظاهرة تستحق الدراسة لمعرفة كيف يفكر الكثير من الأميركيين. 

ولكن في نفس الوقت أكدت الانتخابات الأميركية الأخيرة على قوة الديمقراطية الأميركية ومؤسساتها العريقة النزيهة التي تعلو فوق الانقسامات الحزبية، كما أظهرت القبول والتسليم الشعبي بنتائج العملية الديمقراطية مهما كانت، ولذلك كانت الاحتفالات بانتخاب بايدن هي السائدة دون ظهور احتجاجات شعبية ذات قيمة من أنصار ترامب، فعلى ما يبدو أن مشاعر الفرح تتغلب في الديمقراطيات على مظاهرات الغضب والكراهية التي لا تجد بيئتها المناسبة إلّا في الديكتاتوريات. 

كما أظهرت المتابعة العالمية اللصيقة لهذه الانتخابات التسليم بحقيقة أنها ستنعكس على حياة كل العالم، بما يؤكد على الأهمية التي تمثلها الولايات المتحدة للعالم وأمنه واستقراره، كما أظهرت الحجم المتواضع للديكتاتوريات وأدواتها وعملائها الذين يروجون بلا أساس لأكذوبة انتهاء عصر القطب الواحد، فمصير الكثير من الأنظمة والأفراد يعتمد على تقلبات مواقف الناخب الأميركي، إذ رغم أن الحزبين يتفقان على طريقة مواجهة بعض الأعداء مثل تنظيم القاعدة مثلا، ولكن الحزبين يختلفان في كيفية مواجهة خصوم آخرين، فعندما انتخب الأميركيون ترامب حدّدوا مصير قاسم سليماني، كما حددوا قبله مصير صدام حسين عندما انتخبوا جورج بوش الابن، فالكثير من ما ينتظر الشعوب في مناطق مختلفة من العالم يتعلق بنتائج الانتخابات الأميركية، وعبّر عن ذلك الأستاذ الجامعي الإيراني محسن محمدي "من حيث تأثير التصويت في الولايات المتحدة فإن إيران أصبحت وكأنها الولاية الأميركية 51".  

كما كانت الانتخابات الأميركية درسا حيا للعالم حول أهمية الديمقراطية وما تعنيه من احترام رأي كل مواطن، وأجواء الترقب والإثارة التي عايشتها الكثير من الشعوب عكست توقها للديمقراطية، خصوصا تلك القابعة تحت حكم أنظمة ديكتاتورية، كما قدم خطاب النصر الوطني الجامع لبايدن تأكيدا على أن الديمقراطيات تجد دائما مخارج مناسبة عندما تواجهها الأزمات، وبذلك كانت النتيجة الأولى لهذه الانتخابات هي انتصار الديمقراطية الأميركية.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.