(في محاولة للإجابة على سؤال الزميل توفيق حميد)
لم يأتِ صمويل هانتنغتون بالجديد. هو لم يكن أول من أشار إلى أن الهويات الحضارية الدينية من شأنها أن تزداد حدة واستقطاباً مع انحسار الحرب الباردة. ولكنه صعّد في التصور وتقدم بطرحه بشكل اختزالي تبسيطي، ما قد يفسّر شيوعه لتصبح مقولته وكأنها أساس القراءة المطلوبة للمرحلة لدى أوساط مؤثرة وفاعلة على حد سواء.
تبدو مقولة هانتنغتون مبنية على مقولة سابقة لها حول تمايز الحضارات، أكثر عمقاً وأقل زعماً، كان قد طورها البريطاني أرنولد توينبي. إلا أنه في حين كانت غاية توينبي، المؤرخ، السعي إلى استشفاف ملامح حركة التاريخ، فإن مسعى هانتنغتون، أستاذ السياسة، كان أقرب إلى التشخيص المؤسس للسياسات العملية إزاء الأحوال القائمة.
واقع الأمر أن الرجل كان تسطيحياً في أقواله وتعسفياً في تصوره.
في جلسة خاصة جمعت عدداً صغيراً من المعنيين بالشؤون الدولية، في إطار تحضير آل غور، وكان يومئذ نائب الرئيس، لحملته الانتخابية الرئاسية، تقدّم هانتنغتون بقراءة تتحصن بقدر من الهزل الترفيهي قبل أن تستولد التصورات السياسية الصارمة، حول أن الإنسانية تتقدم نحو النمو والازدهار، باستثناء العالم الإسلامي، وضمن هذا العالم الإسلامي معظم الدول تحقق بعض الترقي المتواضع، باستثناء الدول العربية.
كنت من المشاركين في هذا اللقاء، واعترضت على التعميم التسقيطي في الفكرتين المركبتين، مستدعيا تركيا وماليزيا وأفغانستان، كنماذج غير منسجمة مع الطرح المقدّم، جدياً كان أم هزلياً، الأولى والثانية كدول تسير باتجاه التنمية المستدامة، والثالثة كدولة غير عربية أقل نمواً من معظم الدول العربية. طعن هانتنغنون على الفور بتقدم تركيا وماليزيا على أنه سراب لن يدوم. أما جوابه على سؤال «كيف تفسّر أفغانستان؟»، فكان مقتضباً كاشفاً، إذ قال «فيها الكثير من العرب»، وهذا بالتالي سر تراجعها. كان واضحاً، من الحديث مع هانتنغتون أن إطلاعه على العالم العربي كان سطحياً عرضياً وغير منسجم على الإطلاق مع قوة آرائه بشأنه.
وفيما يتعدى استسهال القطع، فإن العلة في «صراع حضارات» هانتنغتون هو أنه يفترض تجانساً وأحادية في «حضارات» محددة مفترضة ذات شخصية وهوية ثابتة، في حين أن القراءة المتأنية، حتى التي لا تغوص إلى الأعماق، تبيّن أن الحدود الحضارية متداخلة ومتحركة. «الحضارة الإسلامية» كما رآها أرنولد توينبي، هي تركيبة فكرية لينة منتجة لتوضيح أوجه التواصل والاختلاف ضمن مساحة بحثية. أما «حضارات» هانتنغتون، وما تقتضيه من إلزامات قسرية وسياسات تعميمية، فهي وحسب تسرّع مجحف يتسبب بالأذى.
قد يتطلب الأمر دراسة جدية ضمن منهجية علم اجتماع المعرفة للكشف عن كامل الدوافع التي هيأت لطرح هانتنغتون الشعبية التي نالها في المحيطين العربي والإسلامي. أو قد يكون الأمر موافقته على التأحيد القسري الأهوائي، والذي يلجأ إليه العديد من المفكرين في هذين المحيطين، لكيان جامع، عربي أو إسلامي، تحت مسمّى «الأمة». هانتغتون طبعاً لا يلتقي مع هؤلاء المفكرين على زعم العظمة لأمتهم، بل يرى فيها بالضبط عكس ذلك: انحطاط وتخلف وجهل وقصور. ولكنه يتفق معهم حول وحدتها المزعومة. فقد يكون ذلك كافياً لهم لإقراره كمرجعية.
حتى مع عدم التسليم بالتأحيد الذي يلقيه هانتنغتون على الإسلام كحضارة كيانية، فإنه يعتمد أداة تحليلية كان قد أهملها الجيل السابق له.
هو، كما توينبي وغيرهما، يشيران إلى أهمية العامل المعنوي في توجيه الأفراد والجماعات، وصولاً إلى الحضارات، وذلك في مواجهة القراءات اليسارية التي تهمل هذا العامل وتجعل من الدوافع المادية المحرك الأساس.
الإشكالية في طرح هانتنغتون هي أن العامل المعنوي يرتقي (ينحدر؟) إلى درجة العنصر الجوهري الحصري والذي يكاد أن يُلغي ما دونه، أو أن يُخضعه له، بما يقارب المطلق.
وبالتالي، بما أن الداء معنوي، فإن الدواء عليه أن يكون كذلك معنوياً.
وقد كان لفكر هانتنغتون أثراً عملياً ملحوظاً. وكان له الأثر في الدعوات للإسلام «الوسطي»، ثم توالت الاجتهادات الداعية إلى الإصلاح الديني، وتكاثرت الاقتراحات «التنويرية»، وجلّها يتعاطى مع «عامة المسلمين» بفوقية لا تختلف البتة عن تلك التي يلقيها عليهم رجال الدين، وتفترض أن المطلوب هو ضخ المادة التي تنال رضا أصحاب الطرح في عقول الجمهور ليتبدل ما لا يرضون عنه من قناعات وسلوك.
ليس أن الإسلام، كدين وفكر وشعائر وممارسة منزّه عن الحاجة إلى الإصلاح. بل هو، في صيغته الفصيحة بالتأكيد، يعاني من ارتباكات متداخلة أصولية ومعرفية وفقهية ومنهجية. البعض منها يتطلب مراجعات ذاتية، لا يمكن أن تكون إلا طوعية، من جانب علماء الدين، في حين لا يبدو أكثرهم ميالاً إلى وجوب حصولها. والبعض الآخر يتوجب نقداً ونقضاً من خارج المؤسسة الدينية على أساس مرجعيات رديفة قائمة للتو، وطنية اجتماعية فكرية عائلية دولية. قد لا تكون المؤسسات الدينية اليوم مثلاً بموقع تحريم السبي أوتجريم قاتل من سبّ الرسول، فتقع بالتالي المسؤولية على المرجعية السياسية الوطنية، تشريعية وتنفيذية وقضائية، لتحظير الأفعال القبيحة، الاستعباد والاغتصاب والقتل، والاقتصاص من فاعلها.
حاجة من هم على دين الإسلام، كما غيره، في العديد من الدول التي يراد لها أن تنتهج إسلاماً إصلاحياً أو «تنويرياً» ليست عند أمسّها لدين متجدد أو جديد، بل لمقومات النهوض بمواطنية واضحة في تشخيصها للحقوق والواجبات، على أساس التوافق بين المصالح والمبادئ، وعلى قاعدة انتظام مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة. هو إطار قائم إلى حد ما للتوّ في كافة المجتمعات، وإلا لانفرط عقدها، ولكنه، باستثناء قلة منها، قاصر وضعيف الانتاج بذاته، ومهمل ومهمّش ممن لهم الطاقة على استنهاضه.
المشكلة في تشخيص هانتنغتون للداء بالشق المعنوي، وفي سعي العديدين إلى إيجاد الدواء في الإصلاح الديني هو الإهمال الحاصل إزاء الأوجه الأخرى لهذا الإطار القائم والمفتقد للتشخيص الواضح، وهي الأوجه الأكثر إلحاحاً. فتمكين المواطن في علاقته بدولته، ليرتفع من مقام الطفل المفعول به إلى موقع الراشد الفاعل، لا يتطلب الطعن بمعتقده ومطالبته بتبديل دينه. وإذا كان ثمة قدرة فوقية على الإصلاح، ليتها تصرف على هذا الوجه السياسي التأطيري، بدلاً من إقحامها باستفزاز المؤمن بدينه، بما يؤدي ذلك إلى نتائج عكسية.
التوجهات الإصلاحية التي تسعى الى تأصيل العلاقة الحسنة بين الديانات اليهودية والمسيحية والإسلامية على أساس أبوة النبي إبراهيم لها وفق القصص الديني، وهي التي يسِمُها خصومها، مسلمين ومسيحيين، بأنها «دين جديد»، هو «الإبراهيمية»، يهدف إلى اختراق وإفساد للدين الحق، كما «القرآنية» ، والتي تعتمد منهجاً نقدياً موجهاً لإرساء النص القرآني عند القناعات الإنسانية، فيما هي تطعن بصحة ما دونه، هذه وتلك، في محاولات تعميمهما والترويج لهما وإخراجهما عن نطاق المراجعة النقدية الذاتية، لا تشكلان البديل للقناعات الدينية السائدة، بقدر ما تتسببان بالاستفزاز وإتاحة المجال للتوظيف والتعبئة المضادة من الجهات المتشددة والقطعية.
والإشكالية المضاعفة في «الإبراهيمية» و «القرآنية» أن العديد من دعاتهما متهَمون بأنهم يسعون إلى ما يزيد عن هذه وتلك، أي إلى الخروج عن الدين، أقله بصيغته القائمة، وأنهم ينافقون ويدلسون من باب التدرج.
كما أنه في «الإبراهيمية» جانب آخر يجعلها أكثر عرضة للاستثمار المضاد. ذلك أن فكرتها قد وردت أولاً في أوساط دينية يهودية، في سعي لإيجاد القواسم المشتركة مع المسلمين، ولكن على أساس «أستاذية» أولاد الحرة سارة، أي اليهود، على أولاد جاريتها هاجر، أي المسلمين.
و «النوحية» أو «وصايا نوح»، هي بدورها قراءة يهودية، ذات أصول تعود إلى دراسة التلمود البابلي لبعض الإصحاحات التوراتية، حول ما يتوجب على البشرية جمعاء من فروض كي لا تحرم تماماً من الرحمة الربانية، مع وضوح عقدي بأن كامل النعمة الإلهية تبقى من حصة اليهود وحدهم. جرى تطوير هذا المفهوم في القرن التاسع عشر من جانب بعض المفكرين الدينيين التقدميين اليهود، في إطار السعي إلى إقامة دين عالمي موحد، مع إعادة تفسير مفهوم «الشعب المختار» ليصبح الاختيار الإلهي في أن يتولى دور الكهانة للبشرية كلها، أي مسؤولية لا امتياز. على أن التوجهات الدينية اليهودية المنفتحة سرعان ما استعاضت عن محاولة الجمع هذه بأخرى تستوعب تعدد المسارات الروحية دون الدعوة إلى توحيدها.
أما اليوم، فاستدعاء «وصايا نوح» يكاد أن يرتبط بجماعة «خاباد» اليهودية الناموسية الصوفية، في عودة إلى رغبة تقديم سبيل لسائر البشرية للخلاص الرباني، وإن أقل اكتمالاً مما هو خاص باليهود.
يحسب للزميل الكريم توفيق حميد أنه يثابر، بإخلاص جلّي، على مسعى إيجاد المخارج من النص الأول ومن الإيمان المنسجم مع الخلق السليم، لتحقيق توافق بين الواقع والإسلام. وكما المعتزلة في العصور الإسلامية الأولى، والذين اعتبروا أن الخالق ألزم نفسه بالعدل، فجعلوا العدل مقياساً ومعياراً للتفسير والتأويل والتدبير، فإن الزميل توفيق حميد كذلك يتعامل مع المخزون النصي على أساس أن القراءة التي تتوافق مع المقصد الذي رست لديه القناعة بسلامته تبقى وإن كانت مرجوحة، وتلك التي تتعارض معه تُزال وإن كانت راجحة.
له طبعاً مطلق الحرية باعتماد هذه المنهجية، والتي جرى استشفافها هنا استقرائياً، وإن جانب هذا التوصيف الصواب فله الاعتذار. والواقع أن فعل الموازنة في اعتبار الطروحات هو أساس كل رأي. وما يبدو تغليباً مدفوعاً بالنسبة للبعض يظهر وكأنه تغلباً تلقائياً دون دفع للبعض الآخر. غير أنه قد يكون من المفيد إدراج أكبر قدر ممكن من السياق، بما لا يشتت الموضوع، ليجنب طرحه تهمة التدليس، بما يحرف الجهد عن غرضه.
توفيق حميد يريد الخير والوئام. هو يوافق هانتنغتون في تشخيصه، ويرى في «وصايا نوح» سبيلاً للعلاج. الإشكالية أنه حين يوافق هانتنغتون، فإنه يلتقي ويتماهى مع الإسلاميين كذلك في رؤيتهم لطبيعة الأزمة العالمية، إذ أنهم جميعاً، هانتنغتون وحميد والإسلاميين، يعتبرون أنها مواجهة بين «الإسلام» و «الغرب».
والنتيجة المباشرة لهذا التشخيص هو إنهاك خطوط التماس الحضارية والفكرية والمعنوية المتداخلة بين المجتمعات وفرز كافة المجتمعات بعد تأحيدها إلى «فسطاطين». ومعه يمسي أي ناقد لأي شأن يلامس أي من الطرفين محسوب على الطرف الآخر، بالأصالة أو العمالة أو بالجهل المفيد للخصم.
لا إجماع ولا تسليم بأن المواجهة العالمية اليوم هي بين "الإسلام" و "الغرب" بل هي بين توجهات متضادة داخل كل من المجتمعات التي تشهر أحدهما أو الآخر كهوية، إن فعلت، وإن ناسب البعض اختزال المواجهة إلى "صراع حضارات".
ولكن، وإن جرى التسليم جدلاً بأن خطوط التماس هي فعلاً بين «الإسلام» و «الغرب»، كما يفعل الزميل توفيق حميد،، فإن «صراع الحضارات» لا يمتنع بدعوة «الإسلام» إلى الانضواء تحت راية دينية تستوعبه من موقع الفوقية.
قد لا يكون هذا ما أراده توفيق حميد قط، ولكنه في استدعائه لـ «وصايا نوح»، إذ لم يأت على ذكر خلفيتها الدينية اليهودية، حيث هي الدعوة التبشيرية اليهودية العامة ضمن منظومة دينية تقصر «وصايا موسى» على اليهود، وتقدّم للأميين «وصايا نوح» الأقل عدداً والأخف وطأة، فإنه يعرّض نفسه وطرحه الهادف إلى التوفيق للاستهداف التعبوي، في بيئة فكرية عربية منشغلة للتوّ بسبر أغوار «المؤامرة» اليهودية.
ثم أن «وصايا نوح» لا تضيف إلى الرصيد الديني الإسلامي أية مادة، ما عدا التي يقدمها توفيق حميد نفسه من خلال تأويلاته لها، والتي أراد بها الارتقاء بنص الوصايا (على اقتضاب هذا النص واختصار مضمونه) إلى مستوى الشراكة الإنسانية. ولكن الحصيلة أن تأويل حميد يظلم الشراكة الإنسانية حين يلزمها بالإيمان الديني، فيسقطها فعلياً عن اللادينيين واللاإلهيين، كما يظلم «وصايا نوح» إذ يقوّلها في كل حالة ما لم تقل.
لا حاجة لـ «وصايا نوح»، والبديل عنها متوفر ومتوافق عليه في الفطرة الإنسانية أولاً ثم في العلاقات بين الأفراد والمجتمعات والمعاهدات بين الدول، والتي ترتقت في القرنين الماضيين إلى توافق ضمني ثم تعاقدي على الحقوق والقيم.
وإذا كانت هذه الأفكار تشير إلى اختلاف في الأصول والفروع مع توفيق حميد بشأن تشخيص الداء وأقتراح الدواء، فإن الالتقاء معه قائم بالتأكيد عند رغبته المتواصلة والحثيثة لرسم معالم شراكة إنسانية جامعة.
مجدداً، كل التقدير للزميل العزيز.

