Sri Lanka journalists hold a candlelight vigil to press international calls for an end to impunity for crimes against fellow…
.

قتل الصحفيين في العالم العربي ليست حالة طارئة وعابرة، فمنذ سبعينيات القرن الماضي قتل سليم اللوزي مؤسس مجلة الحوادث وقطعت أصابعه، ولم يسلم رسام الكاريكاتير الأبرز ناجي العلي، الذي هرب عن بلاد العرب من رصاصات الاغتيال في شوارع لندن.

عام 2013، اتخذت الأمم المتحدة قرارا بإعلان الثاني من نوفمبر اليوم العالمي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المُرتكبة ضد الصحفيين.

حين دُعيت من قبل مركز الأمم المتحدة للتدريب والتوثيق في مجال حقوق الإنسان، والتابع للمفوضية السامية لحقوق الإنسان، للمشاركة في حلقة نقاشية نظمها عبر الإنترنت تحت عنوان "سلامة الصحفيين وإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم التي تُرتكب بحقهم في حالات الصراع" تساءلت هل يكفي أن ترتفع أصواتنا في هذه الاحتفاليات ثم نعود لنكمل حياتنا، في حين أن قتلة آلاف من الصحفيين والصحفيات ما زالوا طلقاء دون مساءلة أو عقاب؟

يقول أمين عام الأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، "عندما يُستهدف الصحفيون تدفع المجتمعات بأسرها الثمن، وإذا لم نكن قادرين على حماية الصحفيين، تُصبح قدرتنا على البقاء على علم بما يجري حولنا وعلى المساهمة في اتخاذ القرارات محدودة، وإذا لم يكن الصحفيون قادرين على القيام بعملهم في أمان؛ فإننا سنواجه احتمال العيش في عالم يسوده اللبس والتضليل الإعلامي".

منذ 2006 وحتى 2019، فإن الإحصائيات المتوفرة من مؤسسات دولية موثوقة، تكشف عن مقتل 1200 صحفي وصحفية أثناء أدائهم لواجبهم المهني.

ووفق الأرقام، فإن تسعة حالات من كل عشرة يُفلت مرتكبو الجريمة من العقاب، وفي العقد الماضي لم يجرِ سوى إدانة واحدة من أصل عشر قضايا معروضة أمام السلطات القضائية في العالم.

تتعدد هويات قتلة الصحفيين طوال العقود الماضية، فمنهم أنظمة مُستبدة لا تُطيق إعلاما مستقلا يراقبها، إلى عصابات إجرامية لا تُريد للصحافة أن تكشف فظاعاتها، وصولا إلى تنظيمات إرهابية تفتك بكل صوت يُعارضها أو يُميط اللثام عن عوراتها وجرائمها.

حين يُقتل الصحفيون والصحفيات بدم بارد، ويُلاحقون ليقبعوا بالسجون فإنه يعمّ الخوف، وفي تقاريره عن الحريات الإعلامية في العالم العربي وثق مركز حماية وحرية الصحفيين تزايد حالات الرقابة الذاتية التي يُمارسها الصحفيون على أنفسهم، وتجنبهم الاقتراب من التابوهات والقضايا المسكوت عنها.

خطاب التحريض على العنف والكراهية أصبح حاضراً حتى في حديث زعماء يُعتبرون من دول العالم الديمقراطي، وحين يرفع زعيم دولة سلاح "كلاشينكوف" وهو يتحدث عن الإعلاميين والإعلاميات فإنه يعطي الضوء الأخضر لاستهدافهم والنيل منهم.

إذا كانت الدول الديمقراطية تشهد موجات عداء للصحافة، فإن العالم العربي يعد وفق كل مؤشرات المؤسسات الدولية المدافعة عن حرية الإعلام أكثر البلدان خطورة في العمل الصحفي.

30 بالمئة من جرائم القتل ضد الصحفيين تحدث في العالم العربي، لكن هذا ليس هو الوجه الوحيد لبشاعة الوضع الذي تعيشه الإعلاميات والإعلاميين هنا، فالاختطاف والاختفاء القسري والتعذيب والسجن مظاهر شائعة في كثير من البلدان العربية، وخاصة الدول التي شهدت نزاعات وصراعات وحروب مثل العراق وسوريا واليمن وليبيا.

قتل الصحفيين في العالم العربي ليست حالة طارئة وعابرة، فمنذ سبعينيات القرن الماضي قتل سليم اللوزي مؤسس مجلة الحوادث وقطعت أصابعه، ولم يسلم رسام الكاريكاتير الأبرز ناجي العلي، الذي هرب عن بلاد العرب من رصاصات الاغتيال في شوارع لندن.

ما سُميّ "الربيع العربي" رغم أنه كسر حاجز خوف الناس في مواجهة السلطة، ووسع هوامش حرية التعبير والإعلام، إلا أنه وبعد أعوامه الأولى كان نذير شؤم على الصحافة؛ ففي ظل انهيارات السلطة السياسية، وتعمق الصراعات بين القوى المتناحرة، تمددت العديد من التنظيمات الإرهابية التي وضعت الصحافة كعدو رقم واحد لها، و"داعش" مثال حي لا ينسى.

في آخر 10 سنوات قُتل في العالم العربي ما يُقارب 347 صحفياً وصحفية، وتعرض للاختطاف 380 إعلامياً وإعلامية، وفي سوريا وحدها قُتل 134 صحفياً منذ بداية الربيع العربي، بسبب الصراع المُحتدم بين الأطراف المتنازعة على السلطة.

حين تُناقش قضية الإفلات من العقاب في معظم دول العالم العربي لا يمكن إغفال البيئة المُنظمة لعمل وسائل الإعلام، فالقوانين تحولت لحقول ألغام، وتستخدم كأداة تقييد لحرية الإعلام، والسياسات التي تتبناها السلطة تحاصر الصحافة ولا تفتح نوافذ المعلومات لها، والممارسات ترمي بسلة المهملات كل الحقوق الدستورية، والاتفاقيات، والمعاهدات الدولية التي صادقت عليها وتحمي حرية التعبير والإعلام.

استهداف حرية الإعلام في العالم العربي ليست مبالغة أو قصص خيالية تخترعها مؤسسات المجتمع المدني، والتدقيق بالمشهد يشي على سبيل المثال أن الصحفيين أول من تلاحقهم الهراوات في الاحتجاجات، وأول من يتم توقيفهم وسجنهم، ومنعهم من التصوير والتوثيق لمنع وصول الحقيقة للناس.

الشواهد كثيرة في كل التظاهرات والاعتصامات على القوة المُفرطة التي يستخدمها رجال الأمن للتصدي لكاميرات الصحفيين وأجسادهم، ولا يتذكر رجال إنفاذ القانون مدونات وقواعد السلوك التي تمنعهم من استخدام العنف ضد المتظاهرين وفي مقدمتهم الصحفيين الذين يقفون على الحياد وليسوا طرفاً في الهتافات والنزاع.

حتى الآن لم تنجح الجهود لإقرار اتفاقية دولية لحماية الصحفيين، وما زال الصحفيون يتمتعون فقط بالحماية التي ينص عليها القانون الدولي لحماية المدنيين في مناطق النزاع والحروب، ولا يبدو هذا الوضع منصفاً وعادلاً ورادعاً، فالمدنيون عند الحروب والنزاعات يتحصنون بملاجئ آمنة في الغالب، في حين يذهب الصحفيون لخطوط المواجهة الأمامية، ويكونوا أكثر عرضة للاستهداف والتصفية.

في عام 2012؛ وضعت اليونسكو بالتعاون مع المفوضية السامية لحقوق الإنسان ما سمي "خطة الأمم المتحدة بشأن سلامة الصحفيين"، وترمي إلى تهيئة بيئة من الأمان والحماية للصحفيين والعاملين في مجال الإعلام، لكن الحقائق تؤكد أن الصحافة أصبحت في خطر أكثر، وأن أدبيات الأمم المتحدة ليست سوى حبر على ورق لا يخشاها أعداء الصحافة الذين يواصلون إعدام الإعلاميين في وضح النهار، ولا يخشون ملاحقتهم ومعاقبتهم.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.