مظاهر احتفالية حلال انتخابات 2013.
مظاهر احتفالية حلال انتخابات 2013.

من بين كل المشاهد السوريالية الأردنية العجيبة، أحاول جاهدا تخيل ملامح وجه الملك الأردني عبدالله الثاني وهو يشاهد مقطع فيديو منتشر جدا، يصور سيارات دفع رباعي يستقلها مسلحون على وقع أغنية مطلعها: "الهدف مرصود والرشاش جاهز"، وهذا مقطع من مقاطع صادمة عدة (ليست صادمة للبعض أيضا)، وتعكس مآلات الدولة الأردنية في مئويتها، مآلات الاستنكاف نحو الخلف لا نحو الأمام.

مثل غيري أتساءل على خلفية "العرس الديمقراطي" في المقطع المنتشر: ما هو الهدف المرصود، والرشاش جاهز لأي غرض بالضبط؟

لقد حاول كاتب أردني قبل فترة أن يرسم سيناريو نصي قدم فيه مشهدا للملك على مكتبه وهو يتلقى مقطع فيديو لشاب أردني تعرض لاعتداء قطع أطرافه وفقأ عينيه في جريمة وحشية بشعة هزت الرأي العام الأردني، الذي رأى أن ما حدث "لا يمثل المجتمع!!". الكاتب واسع الخيال، كتب بدراما وصفية مشوقة مشهد الملك وهو يتلقى الفيديو ورد فعله الغاضب.

أحب أن أقرأ، ولو افتراضا أقرب للواقع، مشهدا مشابها للملك على كل تداعيات الفيديوهات والمقاطع المنتشرة التي سبقت ورافقت وأعقبت الانتخابات الأردنية الأخيرة.

لا أحاول هنا أن أقلل من رؤية الملك، على العكس، أنا أحترم رؤية الملك الساعية "بيأس" نحو تحقيق فكرة دولة المؤسسات التي تليق تماما بما يقوله ويعرفه ويعيه ويحمله من خبرة، وقد أشرت أكثر من مرة وسأظل أشير إلى ما سمعته منه شخصيا حول رؤيته لتحفيز الحياة الحزبية عبر مخطط منهجي جريء (ومغامر) يتعلق بتغيير قانوني الأحزاب والانتخابات ( لم يتغيرا طبعا حتى اللحظة)، والتغيير القانوني التشريعي حسب ما يراه الملك سيؤدي بل يجب أن يؤدي إلى تشكيل تيارات سياسية لا تتجاوز الثلاثة أو الأربعة، قد تخلق حياة حزبية منتظمة في البرلمان وباقي مؤسسات الدولة.

فعليا، ومع جائحة فيروس كورونا الثقيلة، وحظر تجول لا منهجي وثقيل، ومشاركة انتخابية لم تصل إلى الثلاثين بالمائة، انتهينا إلى مجلس نواب هزيل جدا، مفاجئ جدا، انتقامي من كل ما سبقه، وهو فعليا مجلس لوياجيركا أردني يمثل الواقع الاجتماعي والسياسي كما هو بكل سلبياته وإيجابياته، أكثر من أي مؤسسة أخرى يمكن لها أن تفعل ذلك.

هذا تحصيل حاصل طبيعي لسنوات طويلة من تزوير ومسخ وتشويه الوعي المجتمعي في كل المستويات، ويكشف حجم "العزلة" في رؤية الملك، رغم كل رجال الملك نفسه من حوله.

لقد كانت المخرجات بعد تلك الانتخابات الفانتازية العجيبة، قرارا "شعبيا" بوضع كل أوراق الملك النقاشية على الرف، ذات الرف الذي يحمل الأجندة الوطنية وقبله الميثاق الوطني، وربما الدستور الذي يغيب ويحضر حسب الرؤية الأمنية الحاضرة بقوة.

--

تواصلت مع كثير ممن أثق برأيهم في موضوع الانتخابات على تعدد الآراء والتوجهات وتباينها، لكن كانت ملاحظة الدكتور عامر بني عامر رئيس فريق "راصد" الذي راقب وحلل مخرجات العملية الانتخابية بجدارة مهمة وهو يلفت انتباهي إلى أن المجتمع الأردني المحبط من كل المجالس النيابية السابقة قام بعملية انتقام "سياسي" عبر الاقتراع ليطيح بمعظم الأسماء "الثقيلة" - حسب رأيه- من المجلس الحالي، ويخرج بأسماء جديدة، أو إعادة توليد أسماء استطاعت أن تعبر بمشقة وصعوبة. 

يضيف بني عامر أن المجتمع "الانتخابي" أيضا أقصى بانتقام الأحزاب وممثليها بما فيها الحركة الإسلامية الأكثر تنظيما في تاريخ الدولة، غير تيار الدولة المدنية الذي خرج غير مأسوف عليه من سباق الانتخابات بكثير من خيبة الأمل المنتشرة بين من آمنوا به أول مرة قبل سنوات.

شخصيا، لست بصدد تحليل الأسماء الناجحة في المجلس الحالي، والذي لا أزال أرى فيه انكفاء عن رؤية الدولة العصرية، وعندي تصور أن الطاقم الضيق للحكومة ورئيسها (ليس كلها) فيه بارقة أمل أكثر بكثير لما يمكن البناء عليه مستقبلا لحزمة قوانين سيمررها مجلس "اللوياجيركا" بصفته الدستورية، وهي قوانين قد تحمل من بينها ثورة بيضاء قادمة في تشريعي الانتخاب والأحزاب.

أدرك من جهة أخرى ارتياح الملك "والدولة السياسية" بعد نتائج الانتخابات الأميركية، وربما كان الإصرار على الاستحقاق الدستوري (على هزالة معطياته) إعادة تقديم أوراق اعتماد الإصلاح في الإدارة الديمقراطية القادمة (الشغوفة بالإصلاحات دوما)، وهذا يضع عدة تساؤلات مشروعة حول سيناريوهات الملك (المحبط من الراهن بلا شك)، في المستقبل.

هل سيكون عمر "اللوياجيركا" قصيرا بحل ملكي بعد الزيارة الأولى لواشنطن مطلع العام القادم؟

هل يكفي عمر المجلس القصير (مع شقيقه الغرفة العليا للأعيان) لتمرير حزم قوانين ناعمة وإصلاحية واجتماعية؟

مشروع الموازنة القادم والأكثر قسوة في تاريخ المملكة، هل سيكون بحد ذاته مقصلة رأس المجلس بعد تمريره؟

تساؤلات مطروحة وكثيرة ومتوالدة يوميا في واقع أردني يزداد بؤسا مع غياب مؤسسات الدولة أكثر وأكثر.. وحضور مؤسسات موازية تحاول أن تلقي بظلالها ثقيلة، ومع غياب تام ومؤسف لثقة المواطن بمفهوم المواطنة، وغياب ثقة ذات المواطن بمفهوم "الدولة".

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.