من بين كل المشاهد السوريالية الأردنية العجيبة، أحاول جاهدا تخيل ملامح وجه الملك الأردني عبدالله الثاني وهو يشاهد مقطع فيديو منتشر جدا، يصور سيارات دفع رباعي يستقلها مسلحون على وقع أغنية مطلعها: "الهدف مرصود والرشاش جاهز"، وهذا مقطع من مقاطع صادمة عدة (ليست صادمة للبعض أيضا)، وتعكس مآلات الدولة الأردنية في مئويتها، مآلات الاستنكاف نحو الخلف لا نحو الأمام.
مثل غيري أتساءل على خلفية "العرس الديمقراطي" في المقطع المنتشر: ما هو الهدف المرصود، والرشاش جاهز لأي غرض بالضبط؟
لقد حاول كاتب أردني قبل فترة أن يرسم سيناريو نصي قدم فيه مشهدا للملك على مكتبه وهو يتلقى مقطع فيديو لشاب أردني تعرض لاعتداء قطع أطرافه وفقأ عينيه في جريمة وحشية بشعة هزت الرأي العام الأردني، الذي رأى أن ما حدث "لا يمثل المجتمع!!". الكاتب واسع الخيال، كتب بدراما وصفية مشوقة مشهد الملك وهو يتلقى الفيديو ورد فعله الغاضب.
أحب أن أقرأ، ولو افتراضا أقرب للواقع، مشهدا مشابها للملك على كل تداعيات الفيديوهات والمقاطع المنتشرة التي سبقت ورافقت وأعقبت الانتخابات الأردنية الأخيرة.
لا أحاول هنا أن أقلل من رؤية الملك، على العكس، أنا أحترم رؤية الملك الساعية "بيأس" نحو تحقيق فكرة دولة المؤسسات التي تليق تماما بما يقوله ويعرفه ويعيه ويحمله من خبرة، وقد أشرت أكثر من مرة وسأظل أشير إلى ما سمعته منه شخصيا حول رؤيته لتحفيز الحياة الحزبية عبر مخطط منهجي جريء (ومغامر) يتعلق بتغيير قانوني الأحزاب والانتخابات ( لم يتغيرا طبعا حتى اللحظة)، والتغيير القانوني التشريعي حسب ما يراه الملك سيؤدي بل يجب أن يؤدي إلى تشكيل تيارات سياسية لا تتجاوز الثلاثة أو الأربعة، قد تخلق حياة حزبية منتظمة في البرلمان وباقي مؤسسات الدولة.
فعليا، ومع جائحة فيروس كورونا الثقيلة، وحظر تجول لا منهجي وثقيل، ومشاركة انتخابية لم تصل إلى الثلاثين بالمائة، انتهينا إلى مجلس نواب هزيل جدا، مفاجئ جدا، انتقامي من كل ما سبقه، وهو فعليا مجلس لوياجيركا أردني يمثل الواقع الاجتماعي والسياسي كما هو بكل سلبياته وإيجابياته، أكثر من أي مؤسسة أخرى يمكن لها أن تفعل ذلك.
هذا تحصيل حاصل طبيعي لسنوات طويلة من تزوير ومسخ وتشويه الوعي المجتمعي في كل المستويات، ويكشف حجم "العزلة" في رؤية الملك، رغم كل رجال الملك نفسه من حوله.
لقد كانت المخرجات بعد تلك الانتخابات الفانتازية العجيبة، قرارا "شعبيا" بوضع كل أوراق الملك النقاشية على الرف، ذات الرف الذي يحمل الأجندة الوطنية وقبله الميثاق الوطني، وربما الدستور الذي يغيب ويحضر حسب الرؤية الأمنية الحاضرة بقوة.
--
تواصلت مع كثير ممن أثق برأيهم في موضوع الانتخابات على تعدد الآراء والتوجهات وتباينها، لكن كانت ملاحظة الدكتور عامر بني عامر رئيس فريق "راصد" الذي راقب وحلل مخرجات العملية الانتخابية بجدارة مهمة وهو يلفت انتباهي إلى أن المجتمع الأردني المحبط من كل المجالس النيابية السابقة قام بعملية انتقام "سياسي" عبر الاقتراع ليطيح بمعظم الأسماء "الثقيلة" - حسب رأيه- من المجلس الحالي، ويخرج بأسماء جديدة، أو إعادة توليد أسماء استطاعت أن تعبر بمشقة وصعوبة.
يضيف بني عامر أن المجتمع "الانتخابي" أيضا أقصى بانتقام الأحزاب وممثليها بما فيها الحركة الإسلامية الأكثر تنظيما في تاريخ الدولة، غير تيار الدولة المدنية الذي خرج غير مأسوف عليه من سباق الانتخابات بكثير من خيبة الأمل المنتشرة بين من آمنوا به أول مرة قبل سنوات.
شخصيا، لست بصدد تحليل الأسماء الناجحة في المجلس الحالي، والذي لا أزال أرى فيه انكفاء عن رؤية الدولة العصرية، وعندي تصور أن الطاقم الضيق للحكومة ورئيسها (ليس كلها) فيه بارقة أمل أكثر بكثير لما يمكن البناء عليه مستقبلا لحزمة قوانين سيمررها مجلس "اللوياجيركا" بصفته الدستورية، وهي قوانين قد تحمل من بينها ثورة بيضاء قادمة في تشريعي الانتخاب والأحزاب.
أدرك من جهة أخرى ارتياح الملك "والدولة السياسية" بعد نتائج الانتخابات الأميركية، وربما كان الإصرار على الاستحقاق الدستوري (على هزالة معطياته) إعادة تقديم أوراق اعتماد الإصلاح في الإدارة الديمقراطية القادمة (الشغوفة بالإصلاحات دوما)، وهذا يضع عدة تساؤلات مشروعة حول سيناريوهات الملك (المحبط من الراهن بلا شك)، في المستقبل.
هل سيكون عمر "اللوياجيركا" قصيرا بحل ملكي بعد الزيارة الأولى لواشنطن مطلع العام القادم؟
هل يكفي عمر المجلس القصير (مع شقيقه الغرفة العليا للأعيان) لتمرير حزم قوانين ناعمة وإصلاحية واجتماعية؟
مشروع الموازنة القادم والأكثر قسوة في تاريخ المملكة، هل سيكون بحد ذاته مقصلة رأس المجلس بعد تمريره؟
تساؤلات مطروحة وكثيرة ومتوالدة يوميا في واقع أردني يزداد بؤسا مع غياب مؤسسات الدولة أكثر وأكثر.. وحضور مؤسسات موازية تحاول أن تلقي بظلالها ثقيلة، ومع غياب تام ومؤسف لثقة المواطن بمفهوم المواطنة، وغياب ثقة ذات المواطن بمفهوم "الدولة".

