بايدن دعا إلى "تنحية الحزبية والخطاب المصمم لتشويه صورة بعضنا البعض"
بايدن دعا إلى "تنحية الحزبية والخطاب المصمم لتشويه صورة بعضنا البعض"

تكاثر في الأسبوعين الماضيين حجم الشائعات، ونظريات المؤامرة، ومبالغات من هم بعيدون عن الوسط الأميركي، في قراءة السياسة الخارجية لنائب الرئيس السابق جوزيف بايدن الذي يقف على عتبة تولي سدة الرئاسة الأميركية.

هناك من وصفه بأنه "حليف إيران" أو أنه "متواطئ مع الأخوان المسلمين"، وهي اتهامات أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها ساذجة، وتنبع من جهل عميق في آلية صنع السياسة الخارجية الأميركية أولا، وفي تاريخ بايدن نفسه. التنظيرات السطحية تخطئ في قراءة بايدن، فهو ليس باراك أوباما ولا دونالد ترامب، وخبرته على مدى أربعة عقود لا يمكن اختصارها بلاعب إقليمي أو حركة إسلامية.

الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن سيكون الرئيس الأكثر خبرة في السياسة الخارجية في تاريخ أميركا الحديث. فهو عضو في الكونغرس من 1973 وحتى دخوله البيت الأبيض كنائب للرئيس مع باراك أوباما في 2008. وخلال وجوده في الكونغرس كان بايدن عضوا في لجان الخارجية والقضاء ومكافحة الاتجار بالمخدرات، وترأس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ قبل الانتقال للبيت الأبيض وتولي ملف العراق والعلاقة مع الأوروبيين كنائب للرئيس.

بايدن وسطي التوجه، وهو ابن المؤسسة الحزبية الديموقراطية التي بنى أسس سياستها الخارجية رؤساء بحجم فرانكلين روزفيلت الذي قضى على النازية، وجيمي كارتر عراب اتفاق كامب ديفيد، وبيل كلينتون عراب اتفاق السلام في آيرلندا الشمالية واسقاط ميليسوفيتش. إن اختصار المدرسة الديموقراطية برئاسة أوباما هو تبسيط يصل حد الجهل بالتاريخ الأميركي، وبايدن عاصر نجاحات وإخفاقات السياسة الأميركية عن كثب في العقود الأربعة الماضية.

الشرق الأوسط لن يكون في أولويات بايدن الرئاسية في الخارج.

ما نعرفه عن تاريخ بايدن ومواقفه، هو أنه تقليدي، إنما يغرد خارج السرب أحيانا. فهو تضارب مع أوباما في قرار زيادة عدد القوات في أفغانستان، وفضل الانسحاب المبكر من الحرب، وأيد الانسحاب من العراق، وكانت له تحفظات كبيرة على عمليات "الناتو" في ليبيا، وهو بذلك أقرب لترامب منه لأوباما. لكن بايدن دعا أيضا لتقسيم العراق في 2007 بين السنة والأكراد والشيعة، ومن ثم اعتذر وتراجع عن ذلك، ولم يكن من الأصوات الحاضرة بقوة في زمن الربيع العربي.

حقيقة الأمر، أن الشرق الأوسط لن يكون في أولويات بايدن الرئاسية في الخارج. قضايا مكافحة الوباء، وإصلاح العلاقة مع الأوروبيين واحتواء النفوذ الصيني واتزان الاقتصاد الدولي هي أكثر محورية من أي ملف شرق أوسطي لمصالح الولايات المتحدة اليوم. وقد انعكس ذلك في اتصالات أجراها بايدن مع قيادات خارجية كان أولها زعماء كندا ثم فرنسا ثم ألمانيا ثم بريطانيا. إعادة تمتين حلف "الناتو" والتعاون في ملفات حيوية مع الأوروبيين بينها التبادل التجاري والانتشار النووي، ستكون في صلب أولوياته الخارجية.

في لبنان وسورية، من المتوقع أن يستمر بايدن بالنهج الحالي، مع احتمال زيادة المساعدات الإنسانية لبيروت، وخوض مبادرة ديبلوماسية دولية في سورية من دون الانخراط مباشرة مع الأسد.

في الشرق الأوسط، لن يكون هناك مفاجآت من بايدن، لأن الاهتمام الأميركي ونفوذ واشنطن تراجع في المنطقة. سيحاول بايدن العودة للاتفاق النووي الإيراني، إنما فقط في حال التزام إيران، وسيصطدم بالبيروقراطية الأميركية والكونغرس في حال قرر رفع العقوبات عنها. أما في سورية والعراق، فهو يحبذ إبقاء قوة عسكرية محدودة، لكن لا يريد زيادة الحضور الأميركي عما هو عليه. الحاجة لاحتواء نفوذ روسيا والصين ستدفعه أيضا باتجاه مراجعة السياسة مع تركيا، والاتجاه إلى فرض عقوبات الكونغرس على أنقرة ـ والتي أخرها ترامب ـ لشرائها منظومة أس-400 الروسية الدفاعية، وفي نفس الوقت ستسعى الإدارة المقبلة إلى إبعاد أردوغان عن موسكو، وهي مهمة أصعب مما تبدو عليه.

في لبنان وسورية، من المتوقع الاستمرارية بالنهج الحالي، مع احتمال زيادة المساعدات الإنسانية لبيروت، وخوض مبادرة ديبلوماسية دولية في سورية من دون الانخراط مباشرة مع الأسد. أما في إسرائيل وفلسطين، فسيفترق بايدن عن نهج ترامب القريب جدا من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، ولكن من المستبعد أن يضع جهدا كبيرا في عملية السلام.

الكثير سيعتمد، في حال تولى بايدن الرئاسة، على من سيشغل حقيبة الخارجية، فالفرق شاسع بين مستشارة الأمن القومي سابقا سوزان رايس والسناتور كريس كونز، أي بين أسلوبي مواجهة ومصالحة. الشرق الأوسط بحروبه ونزاعاته ونموه لن يكون الهم الأول للرئيس المقبل، وبايدن سيستمر بنهج براغماتي ووسطي، يحمي فيه أولا وأخيرا المصالح الأميركية.
 

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.