.
.

الاختلاف طبيعة بشرية لا يمكن إنكارها. ولو تأملنا جيداً لوجدنا أن المشكلة التي تواجهنا في الكثير من الأحيان هي عدم قبول الاختلاف وليس الاختلاف في حد ذاته. فعلى سبيل المثال لا الحصر فإن عدم قبول الآخر لأنه مختلف عنا (أو عني) تسبب في جرائم كثيرة عبر التاريخ. 

فبسبب عدم قبول الآخر، اندلعت حروب على أساس ديني أتت على الأخضر واليابس وبسببه تم قتل وحرق المختلفين دينياً وعقائدياً كما رأينا في الهولوكوست وبسببه يتم كراهية الآخر بدرجة قد تصل لتبرير العمليات الإرهابية ضده كما رأينا في تفجيرات الكنائس والصراع الدموي بين السنة والشيعة وغير ذلك من الصراعات باسم الدين والتي تكاد لا تنتهي.

وفي حقيقة الأمر، فإن الاختلاف الفكري بين البشر يمكن تحويله إلى طاقة إيجابية بدلاً من سلبية إذا تأملنا في أسبابه وأدركنا أعماقه.

فعلى سبيل المثال، أنا قد أرفض الآخر وأظن أنه مخطئاً أو في ضلال فقط لأني أنظر من منظور آخر لنفس الشيء فأراه بصورة تختلف عن كيفية رؤية الأخر له. ويحضرني هنا تصوراً أن رجلين يقتتلان على "حقيقة" الرقم المكتوب هل هو سبعة أم ثمانية باللغة العربية. 

وبعد صراع مرير، يتضح أن أحدهما يقف في ناحية فيراه "سبعة" والآخر يراه من الناحية المقابلة فيراه "ثمانية". فهما في حقيقة الأمر ينظران لنفس الشيء وكلاهما صادق في وصفه لما يرى ولو تفضل أحد الأطراف للذهاب ليرى الرقم من الناحية الأخرى أو "من زاوية أخرى" لتبين له أن الصراع لا أساس ولا مبرر له.

ولا أزال أتذكر وأنا ألقي ذات يوم محاضرة عن "التعايش بين البشر والحضارات" كيف طلبت من أربعة من الحاضرين أن يصور كل واحد منهم المدرج الذي تلقى فيه المحاضرة. 

وكان كل واحد منهم في موقع مختلف تماماً عن الآخرين. ثم سألتهم بعد ذلك: هل الصورة التي ترونها في هاتفكم الجوال الآن هي مثل الصورة التي التقطها الآخرون؟ وكانت الإجابة: لا. فسألتهم بعد ذلك وهل الاختلاف بينكم يعني أن أحدكم خطأ أو كاذب؟ وكانت الإجابة أيضا لا. ثم عقبت بعد ذلك بسؤال آخر وهو هل ستدركون الصورة الحقيقية للمدرج بصورة أفضل إذا رأيتم كيف ظهرت الصورة عند الآخرين والمختلفين عنكم؟ وكانت الإجابة بنعم لأن كل واحد ممن التقط الصور ببساطة لم يلتقط صورة لما وراؤه. وهنا قلت للجميع الآن ترون كيف أن الاختلاف قد يكون رحمة - فمعرفتكم بالصورة التى يراها المختلفين عنكم قد يساعدك على رؤية الأشياء بصورة أفضل.

ومن الجميل أن نتذكر هنا بعض التعبيرات المجتمعية التي وصفت هذا الأمر بصورة مبسطة مثل "الاختلاف لا يفسد للود قضية"، فعلى الرغم من بساطة التعبير إلا أنه يحمل في طياته عمقاً فكرياً يستحق الإشادة به.

ومن الجدير بالذكر أيضاً القول إن الاختلاف سواء كان دينياً أم سياسياً قد ينشأ من تأثير المجتمع على فكر الإنسان. وتأثير المجتمع على فكر الإنسان مثل تأثير "النظارة الملونة" على الرؤية وهو مثل أن تعطي ثلاثة نظارات ذات زجاج ملون لثلاثة أفراد وتطلب منهم وصف لون كرة تنس بيضاء. فمن يلبس نظارة زجاجها أحمر سيرى الكرة حمراء ومن يلبس النظارة ذات الزجاج الأزرق سيراها زرقاء ومن يلبس النظارة ذات الزجاج الأخضر سيراها خضراء. فهل يبرر ذلك أن يتصارعوا ويتعاركوا مع بعضهم البعض لأن كل واحد منهم يراها بصورة مختلفة عن الآخرين؟ بالقطع لا!

ولذا، فإن وجود الاختلاف هو أمر لا مفر منه والأهم من وجود الاختلاف هو كيف سنرى هذا الاختلاف وهل سيكون اختلافنا في وجهات النظر سبباً لصراعات دموية كما حدث في التاريخ بين الحضارات وكما يحدث بين البشر في الكثير من الأحيان أم أننا سنجعل منه قوة إيجابية تجعلنا نرى الأشياء بصورة قد تكون أفضل. والاختيار في نهاية الأمر لنا!
وللحديث بقية!  

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.