حملة ترامب تعلن عن حصول الرئيس الأميركي على مئتي ألف صوت في ولاية بنسيلفانيا
ترامب يؤكد أن المعركة لم تنته بعد.

بعد أسابيع وأشهر من الترقب والقلق الذي رافق حملة الانتخابات الرئاسية، يتطلع الأميركيون إلى العودة مجددا إلى الحياة الطبيعية وترك الحديث عن الانتخابات وراءهم. لكن ذلك لن يحدث إلا بعد أن يستنفد الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب جميع محاولاته، التي لا طائل من ورائها، لتغيير نتيجة الانتخابات، ويقر بهزيمته ويسلم السلطة بشكل متحضر إلى جو بايدن. وكلما حدث ذلك أسرع كلما كان أفضل.

مصلحة البلد

هذا الكلام لا أقوله أنا فقط، بل يقوله أكثر من نصف الشعب الأميركي، بمن في ذلك العديد من العقلاء في أوساط الحزب الجمهوري ممن يقدمون مصالح البلاد والعباد على مصالحهم الشخصية، مثل عضو مجلس الشيوخ عن ولاية يوتا ميت رومني وكذلك الرئيس الأسبق جورج بوش وغيرهم.

بالطبع، سوف يظل هناك من يعتقد بأن الانتخابات زورت أو سرقت وما شابه، ولا يوجد شيء في الكون يستطيع أن يقنع هؤلاء بخلاف ذلك. فحتى الآن ثمة من لا يزال يعتقد بأن فوز الرئيس أوباما جاء نتيجة التزوير!

هؤلاء سوف يواصلون تعبئة الفضاء الإلكتروني والإعلامي بشتى أنواع القصص ونظريات المؤامرة وسوف يتحدثون عن صناديق اقتراع جرى اخفاؤها وعن بطاقات اقتراع تم حرقها وعن أموات شاركوا في الاقتراع.. الخ. ورغم أن مسؤولي الانتخابات في العديد من الولايات المستهدفة، وبينهم جمهوريون وديمقراطيون، سعوا لتفنيد هذه الشائعات وتوضيح ما غمض منها، بما في ذلك حقيقة أن التغير الذي حدث في نتيجة التصويت جاء بسبب أولويات الفرز في بعض الولايات، التي تبدأ أولا بفرز أصوات يوم الانتخاب ثم تليها بطاقات التصويت المبكر (سواء الشخصي أو عبر البريد)، أو العكس.   

كل ذلك سوف يستمر معنا في الأشهر والسنوات القادمة ولا بأس في ذلك.

التشكيك في الديمقراطية

لكن هناك فرق بطبيعة الحال بين الشكوى من وقوع مخالفات انتخابية أو ارتكاب أخطاء في بعض الدوائر وبين التشكيك في النظام الانتخابي أو في العملية الديمقراطية. الشكاوى والطعون هي أمور طبيعية وهي تحدث في أي بلد تجري فيه انتخابات ولها طريق معروف وهو المحاكم. أما الحديث عن تزوير وسرقة الانتخابات فهذه ترقى إلى محاولة التشكيك في العملية الديمقراطية برمتها، والإيحاء بفساد جميع المسؤولين عن العملية الانتخابية. وهي من الخطورة بمكان أنها لا تعرّض فقط السلم الأهلي للخطر، وإنما تشوه أيضا صورة الولايات المتحدة وتخدم الأنظمة الديكتاتورية حول العالم.

وما يزيد الطين بله في مثل هذه التصرفات غير المسؤولة هي أنها تخلق مشكلة في الاعتراف بشرعية الرئيس الجديد والتعامل معه، من جانب الأميركيين الذين صوتوا لصالح ترامب، ما يعني إدامة الانقسامات والاستقطاب السياسي الحاد في المجتمع الأميركي. وهو استقطاب أهدر في السابق الكثير من الفرص لمعالجة القضايا الملحة التي تشغل اهتمام المواطن الأميركي. وهو يهدد اليوم التعاون المطلوب من جميع الاميركيين لمواجهة وباء كورونا واستعادة الاقتصاد لعافيته.

صمت الجمهوريين

كثيرون يأملون هنا بأن يخرج الجمهوريون وخاصة في الكونغرس عن صمتهم ويسعون إلى إقناع ترامب بالاعتراف بالهزيمة والتعاون مع الرئيس الجديد لإنجاح الفترة الانتقالية. خاصة أن أسماء النواب الجمهوريين (وعدد من أعضاء مجلس الشيوخ) الفائزين في الانتخابات، كانت هي الأخرى على نفس بطاقات الاقتراع، التي يجري الحديث عن تزويرها، إذ لو كان ذلك صحيحا فكيف تمكنوا إذا من الفوز وانتزاع عدد من المقاعد من الديمقراطيين!

لا شك أن كثيرا من النواب الجمهوريين يقرون بفوز بادين، لكن المشكلة هي أنهم لا يستطيعون التصريح بذلك علنا، لأن سيطرة ترامب على الحزب الجمهوري بلغت درجة مخيفة وهي ترعب كل من يخالفه أو يحاول الخروج على خطه. وهناك شائعات في واشنطن بأن ترامب بعد خروجه من البيت الأبيض ربما يسعى إلى إحكام نفوذه على الحزب الجمهوري، وربما يسعى إلى إنشاء جناح خاص به داخل الحزب، على غرار "تي بارتي" مدعوم بوسائل إعلام ينشئها خصيصا لهذا الغرض.

بقاء ترامب في سماء الحزب الجمهوري يعني أنه لا أمل قريب في إصلاح هذا الحزب أو توقع منه الالتقاء في منتصف الطريق مع الديمقراطيين والوصول لحلول وسط بشأن مجمل القضايا الكبيرة التي تهم البلاد. الأرجح أننا سوف نشهد المزيد من الانقسامات والاستقطاب والصراعات الحزبية، أكثر بكثير مما شهدناه في الفترات الماضية. ولن تجد للأسف رسائل التصالح والسلام التي يبعث بها بايدن أي آذان صاغية.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.