مؤيدون لبايدن في نيويورك يتابعون كلمته بعد إعلان فوزه في الانتخابات الأميركية
مؤيدون لبايدن في نيويورك يتابعون كلمته بعد إعلان فوزه في الانتخابات الأميركية

لأكثر من خمسة أيام متواصلة، تابع العالم سير العملية الانتخابية للرئاسة الأميركية، والتي يمكن وصفها بالأكثر إثارة في تاريخنا الحديث.

منصات التواصل الاجتماعي التي تفاعلت مع الحدث بشكل غير مسبوق، واشتعلت بالحماسة والمراهنات وكأنها تتابع مباراة ساخنة بين أشهر نجمين لكرة القدم، لم تكف عن إجراء المقارنات الساخرة المتعلقة بالديمقراطيات العريقة وانتخابات الدول الشمولية، وطرح الآراء والتحليلات الجادة أو الطريفة، فيما انخرطت المحطات الإخبارية العربية، شأنها شأن جميع المحطات الإخبارية العالمية، بالحدث الأميركي بأعلى جاهزيتها واستعدادها، ونقلته باهتمام كبير عبر بث متواصل ومحترف.

حدث المبارزة الأميركية الذي بدا مثل حرب أعصاب كبرى، وتكررت خلاله معارك حبس الأنفاس مع مستجدات فرز الأصوات في كل ولاية، سبق أن عاشه العالم مرات عدة في انتخابات سابقة، لكنه اختلف هذه المرة، بأن جميع الأنفاس الأميركية والعالمية كانت محبوسة خلف الكمامات بشكل حقيقي غير مجازي، بسبب مشاركة الزائر العالمي، غير المرحب بوجوده، كوفيد 19.

شبح كورونا الثقيل، وإن خيّم على سير العملية الانتخابية، فارضاً شروطه وتداعياته الصحية والاقتصادية والسياسية، السابقة والقادمة، إلا أنه منحها صفة الانتخابات التاريخية الاستثنائية في تحدياتها من حيث لايقصد، ومنحها أيضاً صفة الشجاعة التي ستلازمها إلى وقت طويل، وتمثلت في توجه ملايين الناخبين للاقتراع المباشر في المراكز المخصصة، وصمود واستمرار موظفي هذه المراكز في جاهزيتهم القصوى لأيام، رغم ضغط الكمامات والاجراءات الوقائية، وهواجس الاصابات المحتملة.

تحديات لم تكن بالسهلة عملياً أبداً، لكنها تعزز أكثر صورة الديمقراطية الأميركية ومعانيها في نظر العالم، وتمنح مفهوم المواطنة قيمة مضافة، بما يعنيه إدراك الفرد لمعنى صوته، ومقدرته على حسم النتيجة أو تغييرها، وهي هبة دستورية تربى الناخب الأميركي عليها، لكنها اتخذت بعداً أكبر هذه المرة، لجسارة هذا الناخب وعدم تردده أمام استحقاق ممارسة حقه رغم مخاطر الفايروس.

هذا الحدث الديمقراطي الذي انتهى بتعادل المرشَّحين بفارق بسيط، توبع برؤى ودوافع مختلفة، وفيما كان البعض دافعه الفضول المعرفي لملامح السنوات الأربع القادمة، تابعته الغالبية (دولاً وساسة) بترقب مصيري، حيث يمكنك وأنت تراقب المشهد العام، وتجرب تجميع تفاصيل الصورة الكاملة، أن تستشف ذائقة المزاج العالمي، الذي مال بوضوح، ومنذ انطلاق الحدث الأميركي، وحتى قبل استحقاقه، نحو خيار المرشح الديمقراطي جوزيف بايدن.

تجلى ذلك بوضوح في عدد من وسائل الإعلام العربية الكبرى المعروفة، التي غطت الحدث الأميركي باحترافية من حيث الأدوات، لكنها تخلت جهارة عن حيادية العمل الاعلامي من حيث الجوهر، وأبدت بعضها انحيازا ًمباشراً أو موارباً، ترجم بمؤشرات كثيرة، كان من أبرزها انتقائية الأخبار التي تم التركيز عليها، ونوعية الضيوف والمحللين وانتقائيتهم وتوجهاتهم، والتي تصب جميعها في النهاية في مصلحة بايدن، وتدعم صورته.

وإن كانت طبيعة العالم الالكتروني وفضاءاته غير منضبطة، ومن الصعب التحكم بها أو توجيهها بالمطلق، لابد أن تتوقف وتلحظ هذا التحيز الإعلامي غير المسبوق الذي مورس، والذي لاشك أنه هيأ مناخاً نفسياً للناخب الأميركي من أصول عربية أو إسلامية المتابع لهذه المحطات، دفعه ووجهه لتقبل الصورة النقية المطروحة للمرشح الديمقراطي والترحيب بها، مقابل شيطنة صورة نظيره الجمهوري دونالد ترامب. 

أمام هذه المبارزة الديمقراطية التي تتكرر كل أربع سنوات لأقوى دولة في العالم، ورغم إعجابك المعلن بمشهديتها وآليات ممارستها، تتوقف بدورك كل أربع سنوات، وتكرر طرح تساؤلك عن مدى وتأثير الاختلاف بين فوز هذا المرشح الأحمر أو ذاك الأزرق، وبخاصة إن كنت تنتمي إلى واحدة من بلاد تائهة مترامية، فقدت ألوانها وملامحها، وتداعت روحها، ولايلوح لها مستقبل مبشر في الأفق القريب.

وستنغمس مجدداً هذه المرة في لعبة المفاضلة التي يقوم بها العالم من حولك، وتتساءل عن أهمية الفروقات التي جعلت من بايدن شخصية أكثر قبولاً نفسياً لدى المزاج العالمي العام عن نظيره دونالد ترامب، رغم يقينك أن الجميع يعلم جيداً أن السياسة الأميركية ترتكز إلى ثوابت، لاتتغير بتبدل الوجوه أو قاطن البيت الأبيض، وأن أية فروقات قد تحدث، ستكون ثانوية بمثابة تعديلات طفيفة، أو انزياحات خفيفة، تترك كسياسة أميركية خارجية، تأثيراتها السلبية أو الايجابية على بعض دول العالم.

في النهاية، هذه المبارزة الديمقراطية الأميركية ونتائجها تعني أهلها، الذين قد يحصدون بعض التغييرات الايجابية أو يحصدون الندم لاختيارهم الخاطئ. لكن الأفق غير مسدود أمامهم مثل غيرهم من باقي الدول، وسيكررون هذه اللعبة الديمقراطية الشيقة كل أربع سنوات، فيما تغرق العديد من دول العالم بربط مصيرها مجدداً بخيط واهِ مع ذيول هذه اللعبة، دون أن تخطط لنفسها، كي تمارس لعبة ديمقراطية مشابهة تخصها، تعزز سيادتها واستقلالية قرارها، وتدفع بها لتضاف إلى الدول ذات القيمة والوزن والملامح، تتمتع بسخاء بألوان زرقاء وحمراء، وكل ألوان الطيف السياسي.    

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.