لأكثر من خمسة أيام متواصلة، تابع العالم سير العملية الانتخابية للرئاسة الأميركية، والتي يمكن وصفها بالأكثر إثارة في تاريخنا الحديث.
منصات التواصل الاجتماعي التي تفاعلت مع الحدث بشكل غير مسبوق، واشتعلت بالحماسة والمراهنات وكأنها تتابع مباراة ساخنة بين أشهر نجمين لكرة القدم، لم تكف عن إجراء المقارنات الساخرة المتعلقة بالديمقراطيات العريقة وانتخابات الدول الشمولية، وطرح الآراء والتحليلات الجادة أو الطريفة، فيما انخرطت المحطات الإخبارية العربية، شأنها شأن جميع المحطات الإخبارية العالمية، بالحدث الأميركي بأعلى جاهزيتها واستعدادها، ونقلته باهتمام كبير عبر بث متواصل ومحترف.
حدث المبارزة الأميركية الذي بدا مثل حرب أعصاب كبرى، وتكررت خلاله معارك حبس الأنفاس مع مستجدات فرز الأصوات في كل ولاية، سبق أن عاشه العالم مرات عدة في انتخابات سابقة، لكنه اختلف هذه المرة، بأن جميع الأنفاس الأميركية والعالمية كانت محبوسة خلف الكمامات بشكل حقيقي غير مجازي، بسبب مشاركة الزائر العالمي، غير المرحب بوجوده، كوفيد 19.
شبح كورونا الثقيل، وإن خيّم على سير العملية الانتخابية، فارضاً شروطه وتداعياته الصحية والاقتصادية والسياسية، السابقة والقادمة، إلا أنه منحها صفة الانتخابات التاريخية الاستثنائية في تحدياتها من حيث لايقصد، ومنحها أيضاً صفة الشجاعة التي ستلازمها إلى وقت طويل، وتمثلت في توجه ملايين الناخبين للاقتراع المباشر في المراكز المخصصة، وصمود واستمرار موظفي هذه المراكز في جاهزيتهم القصوى لأيام، رغم ضغط الكمامات والاجراءات الوقائية، وهواجس الاصابات المحتملة.
تحديات لم تكن بالسهلة عملياً أبداً، لكنها تعزز أكثر صورة الديمقراطية الأميركية ومعانيها في نظر العالم، وتمنح مفهوم المواطنة قيمة مضافة، بما يعنيه إدراك الفرد لمعنى صوته، ومقدرته على حسم النتيجة أو تغييرها، وهي هبة دستورية تربى الناخب الأميركي عليها، لكنها اتخذت بعداً أكبر هذه المرة، لجسارة هذا الناخب وعدم تردده أمام استحقاق ممارسة حقه رغم مخاطر الفايروس.
هذا الحدث الديمقراطي الذي انتهى بتعادل المرشَّحين بفارق بسيط، توبع برؤى ودوافع مختلفة، وفيما كان البعض دافعه الفضول المعرفي لملامح السنوات الأربع القادمة، تابعته الغالبية (دولاً وساسة) بترقب مصيري، حيث يمكنك وأنت تراقب المشهد العام، وتجرب تجميع تفاصيل الصورة الكاملة، أن تستشف ذائقة المزاج العالمي، الذي مال بوضوح، ومنذ انطلاق الحدث الأميركي، وحتى قبل استحقاقه، نحو خيار المرشح الديمقراطي جوزيف بايدن.
تجلى ذلك بوضوح في عدد من وسائل الإعلام العربية الكبرى المعروفة، التي غطت الحدث الأميركي باحترافية من حيث الأدوات، لكنها تخلت جهارة عن حيادية العمل الاعلامي من حيث الجوهر، وأبدت بعضها انحيازا ًمباشراً أو موارباً، ترجم بمؤشرات كثيرة، كان من أبرزها انتقائية الأخبار التي تم التركيز عليها، ونوعية الضيوف والمحللين وانتقائيتهم وتوجهاتهم، والتي تصب جميعها في النهاية في مصلحة بايدن، وتدعم صورته.
وإن كانت طبيعة العالم الالكتروني وفضاءاته غير منضبطة، ومن الصعب التحكم بها أو توجيهها بالمطلق، لابد أن تتوقف وتلحظ هذا التحيز الإعلامي غير المسبوق الذي مورس، والذي لاشك أنه هيأ مناخاً نفسياً للناخب الأميركي من أصول عربية أو إسلامية المتابع لهذه المحطات، دفعه ووجهه لتقبل الصورة النقية المطروحة للمرشح الديمقراطي والترحيب بها، مقابل شيطنة صورة نظيره الجمهوري دونالد ترامب.
أمام هذه المبارزة الديمقراطية التي تتكرر كل أربع سنوات لأقوى دولة في العالم، ورغم إعجابك المعلن بمشهديتها وآليات ممارستها، تتوقف بدورك كل أربع سنوات، وتكرر طرح تساؤلك عن مدى وتأثير الاختلاف بين فوز هذا المرشح الأحمر أو ذاك الأزرق، وبخاصة إن كنت تنتمي إلى واحدة من بلاد تائهة مترامية، فقدت ألوانها وملامحها، وتداعت روحها، ولايلوح لها مستقبل مبشر في الأفق القريب.
وستنغمس مجدداً هذه المرة في لعبة المفاضلة التي يقوم بها العالم من حولك، وتتساءل عن أهمية الفروقات التي جعلت من بايدن شخصية أكثر قبولاً نفسياً لدى المزاج العالمي العام عن نظيره دونالد ترامب، رغم يقينك أن الجميع يعلم جيداً أن السياسة الأميركية ترتكز إلى ثوابت، لاتتغير بتبدل الوجوه أو قاطن البيت الأبيض، وأن أية فروقات قد تحدث، ستكون ثانوية بمثابة تعديلات طفيفة، أو انزياحات خفيفة، تترك كسياسة أميركية خارجية، تأثيراتها السلبية أو الايجابية على بعض دول العالم.
في النهاية، هذه المبارزة الديمقراطية الأميركية ونتائجها تعني أهلها، الذين قد يحصدون بعض التغييرات الايجابية أو يحصدون الندم لاختيارهم الخاطئ. لكن الأفق غير مسدود أمامهم مثل غيرهم من باقي الدول، وسيكررون هذه اللعبة الديمقراطية الشيقة كل أربع سنوات، فيما تغرق العديد من دول العالم بربط مصيرها مجدداً بخيط واهِ مع ذيول هذه اللعبة، دون أن تخطط لنفسها، كي تمارس لعبة ديمقراطية مشابهة تخصها، تعزز سيادتها واستقلالية قرارها، وتدفع بها لتضاف إلى الدول ذات القيمة والوزن والملامح، تتمتع بسخاء بألوان زرقاء وحمراء، وكل ألوان الطيف السياسي.

