ترامب وبايدن متفقان على أن الأنباء عن لقاح كورونا "سارة"
ترامب وبايدن متفقان على أن الأنباء عن لقاح كورونا "سارة"

ليس الأميركيون وحدهم من يستشعرون قلقاً بالغاً جراء استطالة حالة الغموض التي تلفّ لحظة الانتقال بين إدارتين... شعوب المشرق العربي وإيران، تعيش بدورها وضعاً كهذا، في ظل "تطاير" التقارير والتسريبات التي ترجح إمكانية قيام إدارة الرئيس دونالد ترامب، في ربع الساعة الأخير، باتخاذ خطوة أو خطوات، من شأنها أن تحدث تغييراً جوهرياً على مسار الأحداث والتطورات في الإقليم، يصعب احتواء نتائجه وتداعياته المستقبلية.

ومثلما تُقلّب وسائل إعلام أميركية، شتى الاحتمالات، ومن شتى الجوانب، لمسار "المحاكمات" و"المماحكات" الناشط في واشنطن، في مسعى منها للإجابة على سؤال: هل سيتم الانتقال، بسلاسة أم بغير بذلك، متى وكيف؟ فإن الأوساط السياسية والإعلامية في عواصم المنطقة، تتداول بدورها حزمة من السيناريوهات والاحتمالات، تغذيها وترجح بعضها التسريبات التي لا تتوقف لصحف ومواقع إخبارية أميركية، تتناول هذا الموضوع، بكثير من الجدية، وغالباً بالاعتماد على "مصادر أمنية موثوقة"، وتكاد معظم هذه التسريبات تدور في مسارين اثنين: إيران والمسألة الفلسطينية.

على المسار الإيراني؛ تبدأ التسريبات بالحديث عن احتمال قيام الولايات المتحدة أو إسرائيل، أو كلتاهما، بتوجيه ضربات نوعية مؤلمة لأهداف إيرانية، نووية بالأساس... لا تفاصيل تذكر حول "طبيعة" هذه الضربات، وما إن كان سيتم تنفيذها بوسائل "سيبرانية" أو بالأسلحة التقليدية المعتادة: صواريخ دقيقة وقنابل ذكية وقاذفات استراتيجية... أم أن المسألة ستقتصر على تنفيذ "اغتيالات" لشخصيات إيرانية وحليفة، داخل إيران أو في مناطق نفوذها.

رأينا مزيداً من العراقيل على طريق تشكيل حكومة لبنانية جديدة برئاسة سعد الحريري بعد الإجراء الأميركي الخاص بجبران باسيل، ومن المتوقع أن يزداد المشهد العراقي تأزماً في حال التوسع بفرض عقوبات إضافية على مسؤولين عراقيين من أصدقاء إيران

التكهنات على هذا الصعيد، لا تقتصر على إمكانية حدوث "الضربة" وطبيعتها فحسب، بل تشمل ردود الفعل المحتملة لإيران على عمل كهذا، وما إن كانت طهران سترد بضرب أهداف أميركية مباشرة، أم ستضرب العمق الإسرائيلي، وكيف سينعكس تطور كهذا على الوضع في العراق ولبنان، وربما في قطاع غزة واليمن ... باب التكهنات مفتوح على مصراعيه، وصناع القرار في الإقليم، يأخذون المسألة على محمل الجد.

لكن "سيناريو الضربة العسكرية" ليس السيناريو الوحيد المتداول على هذا المسار، فهناك تكهنات بحزمة جديدة من العقوبات ضد مؤسسات وشخصيات إيرانية، تستكمل تكتيك "أقصى الضغوط" الذي اعتمدته إدارة ترامب، أساساً في سياستها ضد طهران، على أن تشمل العقوبات هذه المرة، مروحة واسعة من أصدقاء طهران وحلفائها و"حلفاء حلفائها"، بدءاً بزعيم التيار الوطني الحر، صهر الرئيس ميشيل عون، النائب جبران باسيل، مروراً بحزمة العقوبات على شخصيات ومؤسسات سورية وعراقية. وربما يجري إدراج جماعة "أنصار الله" الحوثية، على القائمة الأميركية السوداء للجماعات الإرهابية.

هذا السيناريو، وإن كان أقل وطأة على إيران مباشرة، إلا أنه سيسهم في تعقيد الجهود الرامية التوصل لحلول سياسية لبعض أزمات المفتوحة، والتي من المحتمل أن تنشط حال تسلم جو بايدن مقاليد الرئاسة بعد العشرين من يناير القادم ... لقد رأينا مزيداً من العراقيل على طريق تشكيل حكومة لبنانية جديدة برئاسة سعد الحريري بعد الإجراء الأميركي الخاص بجبران باسيل، ومن المتوقع أن يزداد المشهد العراقي تأزماً في حال التوسع بفرض عقوبات إضافية على مسؤولين عراقيين من أصدقاء إيران، والمؤكد أن جهود حل الأزمة اليمنية ستصاب بطعنة نجلاء، حال إدراج الحوثيين على القائمة ذاتها، لاسيما وأنهم يمثلون طرفاً أساسياً، لا يمكن تصور أي حل سياسي لليمن من دون مشاركته.

وإذا كان من المؤكد أن أنباء كهذا، تسعد أصدقاء الرئيس ترامب وإدارته في المنطقة، وبالذات في إسرائيل والسعودية والإمارات، فإن من المرجح أن يكون المسؤول الأميركي عن الملف الإيراني، إليوت إبرامز، الذي جال في المنطقة، قد بحث أموراً كهذه، مع قادة الدول التي زارها. ولقد كان لافتاً أن الرياض دعت في ختام اجتماع أخير لمجلس الوزراء السعودي، وعلى لسان العاهل السعودي، المجتمع الدولي للتصدي لدور إيران المزعزع للاستقرار في المنطقة، والتصدي لطموحاتها النووية والصاروخية.

ولقد فسّر محللون أميركيون وإسرائيليون التردد (والتأخر) في قيام قادة هذه الدول بتقديم التهنئة للرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن، على أنه "استمهال" لمعرفة ما في جعبة الموفد الأميركي، وما الذي تنتوي إدارة ترامب أن تفعله في الأسابيع العشرة الأخيرة من ولايتها، وحتى لا يتسبب أي موقف متسرع يصدر عن هذه الدول، بإزعاج إدارة ترامب، ويثنيها عمّا يمكن أن تفعله، أو تنوي فعله... وفي هذا السياق فقط، يمكن تفسير "تسريع" إقرار صفقة طائرات "F 35" وملحقاتها التي أبرمتها دولة الإمارات مع واشنطن وبقيمة تخطت 23 مليار دولار.

على المسار الفلسطيني، لخصت المصادر الإسرائيلية بثلاث نقاط، ما الذي يمكن أن تنتظره إسرائيل في الأسابيع العشرة القادمة، أو بالأحرى ما الذي يمكن أن تطلبه من إدارة ترامب، بوصفه "خدمة أخيرة"، يمكن تقديمها لها فيما تبقى لها من وقت في البيت الأبيض:

الأولى؛ اعتراف أميركي فوري بقيام إسرائيل بضم أجزاء من الضفة الغربية، سواء تلك التي أجازت خرائط "صفقة القرن" ضمها، أو في حال الاكتفاء بضم "المستوطنات الكبرى"، على اعتبار أن أي حل سياسي مستقبلي للمسألة الفلسطينية لن يشمل تفكيك هذه الكتل الاستيطانية.

أياً تكن، الخطوة التي ستقدم عليها إدارة ترامب في "الوقت المستقطع"، بدفع من "تيار آيديولوجي" نافذ في أوساطها، وبتشجيع من حلفائها في الإقليم، فسيترتب عليها نتائج وتداعيات قد يصعب على إدارة بايدن احتواء آثارها

الثانية؛ وكتعويض لها عن إقرار واشنطن صفقة F35 مع الإمارات، فإن إسرائيل ستطلب من إدارة ترامب تزويدها بأسلحة نوعية وذخائر أكثر تطوراً، لتعزيز "تفوقها الاستراتيجي" في المنطقة، على أن يجري إبرام صفقة بهذا الشأن، في المرحلة الانتقالية، وقبل تولي جو بايدن زمام الإدارة، علماً بأن الإدارات الأميركية الديمقراطية لم تظهر يوماً "التزاماً أقل" بأمن إسرائيل وتفوقها النوعي.

الثالثة؛ وتخص إيران، وهي كما سبقت الإشارة، تتصل بتوجيه ضربات نوعية ضد منشآت وأهداف تتعلق ببرنامجي إيران النووي والصاروخي، إن لم يكن الهدف منها منع إيران من الحصول على "القنبلة" و"وسائط نقلها"، فعلى الأقل، تأخير هذا المسعى وعرقلته لسنوات إضافية قادمة، لاسيما وأن إسرائيل تخشى "انفراجاً" في علاقات واشنطن بطهران، وعودة إدارة جو بايدن للاتفاق النووي، وخروج إيران من قبضة "أقصى الضغوط" التي أنهكت اقتصادها، وقلصت مواردها، وأضعفت قدرتها على دعم وإسناد حلفائها في الإقليم.

أياً تكن، الخطوة التي ستقدم عليها إدارة ترامب في "الوقت المستقطع"، بدفع من "تيار آيديولوجي" نافذ في أوساطها، وبتشجيع من حلفائها في الإقليم، فسيترتب عليها نتائج وتداعيات قد يصعب على إدارة بايدن احتواء آثارها، لكأننا أمام محاولة فرض وقائع على الأرض، وبصورة استباقية، تزرع مزيداً من الألغام على دروب الرئيس المنتخب في السياسة الخارجية، بعد أن تم "تفخيخ" طريق انتقاله إلى البيت الأبيض، بكثير من العقد والتعقيدات.
 

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.