تعهد الرئيس الأميركي المنتخب جوزف بايدن خلال حملته الانتخابية أنه في حال انتخابه سوف يقوم بإعادة النظر بالعلاقات الأميركية - السعودية بسبب انتهاكات الرياض الصارخة لحقوق الإنسان، وبوقف الدعم الأميركي "للحرب التي تقودها السعودية في اليمن". هذه خطوة ضرورية سياسيا وأخلاقيا، لأن السعودية في ظل حاكمها الفعلي، ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، قد حققت قفزة نوعية باتجاه التصلب والعسف الداخلي والخارجي، لم تشهدها المملكة منذ عقود. ولكن لماذا استثناء السعودية لمثل هذه المعاملة في الوقت الذي يقوم به حلفاء واشنطن التقليديين في المنطقة بانتهاكات مماثلة لحقوق الإنسان واستخدام القوة العسكرية والإكراه لفرض إراداتهم على جيرانهم؟ منذ سقوط النظام الملكي في إيران في 1979 والسياسية الأميركية في الشرق الأوسط عبر الحكومات الجمهورية والديمقراطية تعتمد على أربعة عواميد إقليمية لتعزيز مصالحها ونفوذها: الحلفاء القدامى: إسرائيل وتركيا والسعودية، والحليف الجديد الخارج لتوه من الفلك السوفياتي: مصر.
ولكن هذه العلاقات تعرضت خلال الأربعين سنة الماضية إلى هزات وتوترات عديدة ساهمت في تعديل وحتى تغيير أولويات الدول الخمسة المعنية، ولكن لم يحدث أن قامت واشنطن حتى الآن بإعادة نظر جدية بأي من هذه العلاقات وبالعمل بأي استنتاجات تخرج بها المراجعة النقدية. وحتى عندما كانت واشنطن تلجأ إلى التعبير عن استيائها من سياسة معينة من خلال تعليق تسليم أسلحة معينة لدولة مثل إسرائيل أو مصر، فإنها كانت تتراجع لاحقا لصيانة "العلاقة الخاصة" أو باسم "المصالح المشتركة" ضد عدو مشترك مثل التنظيمات الإرهابية.
ولكن هذه الدول الأربعة حظيت بفترة سماح استمرت لأربعة سنوات خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب الذي اعتمد سياسات غير تقليدية، أبرزها تجاهله التام لانتهاكات حقوق الإنسان في هذه الدول، وتغاضيه عن انتهاكات بعض هذه الدول الحليفة لجيرانها، ونجاحه في "شخصنة" العلاقات الحميمة مع قادة أوتوقراطيين ومتسلطين يحكمون دول غير ديموقراطية.
وحتى في إسرائيل التي لديها مؤسسات ديمقراطية وصحافة تحاسب حكامها، فإن رئيس الوزراء، بنيامين نتانياهو، لا يخفي ميوله الأوتوقراطية وهو المتهم بالفساد وبفرض نهج سياسي يميني شوفيني ضد الفلسطينيين، وضد نقاده الداخليين وخاصة في الصحافة الإسرائيلية التي يسميها كما يفعل الرئيس ترامب بالصحافة الملفقة. المفارقة هي أن مكانة هذه الدول في المجتمع الأميركي قد انحدرت كثيرا في السنوات الأخيرة، حيث لا يوجد هناك أصدقاء يدافعون عن السعودية وتركيا ومصر في الكونغرس، أو في معظم مؤسسات الأبحاث، وقطعا ليس في معظم وسائل الإعلام أو في صفوف المحللين. وحتى إسرائيل تتعرض إلى انتقادات كثيرة، وتزعزت مكانتها في الحزب الديمقراطي الذي كان تقليديا متعاطفا معها. وخلال حملته الانتخابية كان المرشح بيرني ساندرز الذي يمثل شريحة كبيرة في الحزب الديمقراطي يصف نتانياهو بالعنصري. مكانة إسرائيل حتى في أوساط الشباب اليهود تعرضت للاهتزاز بسبب سياساتها التوسعية والاستيطانية.
السعودية: تدخل جميع حكام السعودية في اليمن سياسيا وعسكريا ومارسوا الترهيب والترغيب بدرجات متفاوتة وعملوا على أضعاف اليمن وإبقائه مفككا. ولكن لم يحدث أن شنّ حاكم سعودي حربا وحشية ضد اليمن – باسم التصدي للحوثيين - كما فعل محمد بن سلمان. صحيح أن الحوثيين يمثلون قوة سياسية سلبية وقمعية ودخلت في تحالف تخريبي مع إيران التي تستخدم اليمن لتهديد دول الأخرى في الجزيرة العربية، إلا أن الحرب التي بدأتها السعودية – بمباركة مترددة من إدارة الرئيس السابق باراك أوباما (ونائبه جوزف بايدن) تحولت بسرعة إلى كارثة إنسانية للمدنيين اليمنيين، وتسببت بإحراج سياسي كبير للرياض، وأدت إلى نتائج عكسية في طليعتها تعزيز النفوذ الإيراني في اليمن.
الحرب المستمرة منذ أكثر من 5 سنوات قتلت أكثر من مئة ألف يمني، وشردت الملايين، وحولت أفقر دولة عربية إلى أرض يباب، وحولت اليمنيين إلى جياع. وأي قرار يتخذه بايدن بوقف الإمدادات العسكرية للسعودية سوف يحظى بتأييد واسع في الكونغرس ليس فقط من قبل الديمقراطيين، بل أيضا من بعض المشرعين الجمهوريين. وكان الرئيس ترامب قد استخدم حق النقض الفيتو لمنع تعليق بيع الأسلحة للسعودية.
انتهاكات محمد بن سلمان لحقوق السعوديين وصلت إلى مستوى غير معهود، وخاصة عندما استهدف عددا من الناشطات والأكاديميات اللواتي تجرأن على المطالبة بأبسط الحقوق، واعتقلهن دون أي تهم أو محاكمة، وعرضهن لمختلف أنواع التعذيب بما في ذلك استخدام الطاقة الكهربائية. وهذا تصعيد وقمع للمرأة السعودية غير معهود.
آخر تقرير لوزارة الخارجية الأميركية حول انتهاكات حقوق الإنسان في السعودية خصص 58 صفحة فّصل فيها جرائم المملكة ضد مواطنيها. الرئيس ترامب وفر الغطاء للأمير محمد بن سلمان عندما خلصت وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أيه) بأن ولي العهد السعودي هو الذي أمر بتصفية الكاتب الصحفي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول. هذه الجريمة كانت من بين الأسباب التي دفعت بجوزف بايدن إلى التعهد بإعادة النظر في العلاقات مع السعودية. جنوح الأمير السعودي الشاب إلى اعتماد الأساليب العدائية في علاقاته مع جيرانه أدت إلى قرارات متهورة أحرجت المملكة وأظهرت نمطا خطيرا في التعامل مع المشاكل الخارجية.
وهذا ما يفسر اختطاف رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري في السعودية وإرغامه على الاستقالة بطريقة مذلة. هذا الأسلوب أوصل الخلاف مع دولة خليجية، قطر إلى مستويات غير معهودة في علاقات دول الخليج العربية، وأدى إلى فرض حصار جوي وبري وبحري على قطر، التي كلفها الحصار كثيرا، ولكنه لم يرغمها للخضوع. حقيقة أن سياسات قطر المتعاطفة مع الحركات الإسلامية المتطرفة، وتحالفها الخطير مع تركيا، لا يمكن تبريرها، إلا أن الحصار أخفق، وأظهر مرة أخرى محدودية نفوذ السعودية.
إسرائيل: ارتبطت عبارة "العلاقات الخاصة" بالعلاقات الأميركية-الإسرائيلية منذ عقود، وخاصة بعد حرب 1967. المساعدات المالية الضخمة التي قدمتها الولايات المتحدة لإسرائيل بين 1949 و2008 وصلت إلى 103 مليار دولار. هذه المساعدات ساهمت بشكل غير مباشر في تمويل استعمار الضفة الغربية عبر بناء المستوطنات الإسرائيلية فيها، في انتهاك واضح للقانون الدولي. وقبل أشهر وافق الكونغرس على تقديم مساعدات عسكرية لإسرائيل بقيمة 38 مليار دولار تنفق خلال السنوات العشر المقبلة.
احتلال الأراضي الفلسطينية مستمر منذ 53 سنة لأنه مبني على نظام من التعسف والانتهاكات والقمع بما فيها القتل غير القانوني، واقتلاع المدنيين من أراضيهم، والاعتقال التعسفي، والقيود المفروضة على التنقل، وبناء المستوطنات على أراض فلسطينية أخذت بالقوة. في الوقت ذاته قامت عناصر فلسطينية مسلحة بشن هجمات ضد مدنيين إسرائيليين، في انتهاكات واضحة لحقوقهم وللقانون الدولي. ولكن هذه الانتهاكات الفلسطينية التي يجب أن تشجب دون تردد، لا تبرر العنف الشامل الذي تلجأ إليه إسرائيل في التعامل مع الفلسطينيين.
ويبقى الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة الانتهاك الأخطر لحقوق الفلسطينيين. بعد احتلال الضفة الغربية في 1967 سارعت إسرائيل إلى بناء مستوطنتين في الضفة. مع حلول 2017 وصل عدد المستوطنات في الضفة الغربية إلى 237 مستوطنة وعدد المستوطنين إلى 600 ألف.
سياسات إسرائيل التوسعية تنتهك القوانين والقيم الأميركية. ويمكن لإدارة الرئيس بايدن أن تعلق بعض مبيعات الأسلحة لإسرائيل للضغط عليها لوقف الاستيطان أو ضم المستوطنات إليها، كما تعتزم حكومة نتانياهو.
واشنطن لجأت إلى مثل هذه الإجراءات في السابق، حين قامت إدارة الرئيس رونالد ريغان بوقف تسليم القنابل العنقودية لإسرائيل بعد قصفها العشوائي لأهداف مدنية في بيروت. وفي 1991، اشترطت إدارة الرئيس جورج بوش الأب توفير ضمانات القروض لإسرائيل بوقف توسيع الاستيطان الإسرائيلي.
مصر: منذ سقوط الملكية في مصر عام 1952 والمجتمع المصري رازح تحت حكم طبقة عسكرية مستبدة وفاسدة سلبته تدريجيا حرياته. ومنذ الانقلاب العسكري الدموي الذي قام به الجيش المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي ضد الرئيس الإسلامي محمد مرسي قبل 7 سنوات، ومصر تمر في مرحلة ازدادت خلالها انتهاكات حقوق الإنسان، وقمع جميع الأصوات المعارضة السلمية إن كانت من منظمات المجتمع المدني أو من الحقوقيين أو الإعلاميين.
هذا النظام الذي تشكل ممارساته نقضا واضحا للقيم الأميركية لا يستحق المساعدات العسكرية التي تقدمها له الولايات المتحدة والبالغة 1.3 مليار دولار في السنة. القمع الذي يمارسه نظام السيسي يساهم في زيادة التطرف في البلاد. السيسي يدعي أنه يقوم بحركة إصلاحية داخل الإسلام، ولكنه في الواقع لم يقم بأي شيء في هذا المضمار، وخلال عهده ازدادت الأحكام القضائية ضد المتهمين بالكفر وبإهانة الدين الإسلامي، كما أن ممارسات التمييز ضد المسيحيين في مصر مستمرة دون كلل.
في السابق، لعبت القاهرة دورا مساعدا للسياسة الأميركية في المنطقة، إن كان في عملية السلام أو مكافحة الإرهاب أو مساعدة المجاهدين الأفغان ضد الاحتلال السوفياتي. ولكن نفوذ القاهرة الإقليمي اليوم قد انحسر كثيرا، ونظام السيسي عاجز حتى عن التخلص من التحدي الإرهابي الإسلامي في شبه جزيرة سيناء، إلى درجة أن مصر التي يفترض أن تكون دولة إقليمية هامة تلجأ أحيانا إلى الطلب من إسرائيل أن تشن غارات عسكرية ضد الإسلاميين المتطرفين في سيناء. مصر لا تحتاج إلى أسلحة أميركية جديدة لهزيمة الإرهابيين، بل تحتاج إلى تدريب عسكري مختلف، كما أن أنواع الأسلحة التي تشتريها من غواصات ودبابات وطائرات – لإرضاء غرور الضباط المصريين- غير مفيدة في مكافحة الإرهاب.
إدارة الرئيس المنتخب بايدن تستطيع تعليق أو تخفيض المساعدات العسكرية بشكل جذري للضغط على القاهرة لوقف انتهاكاتها لحقوق الإنسان، كما أنها قادرة على استخدام نفوذها في المؤسسات المالية الدولية التي تحتاجها مصر.
وليس لدى مصر خيارات أخرى كما يدعي البعض مثل لجوئها إلى روسيا لتزويدها بالأسلحة، لأنها ستضطر إلى دفع ثمنها، كما أنها لن تنسجم مع الأنظمة العسكرية الأميركية في ترسانتها. وإذا هددت مصر بمنع سفن البحرية الأميركية من عبور قناة السويس، فإنها ستخسر الرسوم المالية التي تدفعها هذه السفن. نظريا، يمكن للولايات المتحدة في المستقبل المنظور أن تحاول التوسط بين مصر وأثيوبيا (والسودان) لإيجاد حل منصف لتقاسم مياه النيل وتفادي تأزميم العلاقات أكثر بين مصر واثيوبيا بسبب سد النهضة. وهذا يعني أن مصر سوف تحتاج الولايات المتحدة لحل هذه الأزمة التي يمكن أن تهدد أمنها القومي، لأن القاهرة تفتقد إلى الحل العسكري لهذه الأزمة. وأي دعم أميركي لمصر يجب أن يكون مشروطا بوضع حقوق الإنسان. مصر اليوم هي نسخة نحيلة جدا من مصر الأمس، والطبقة المصرية العسكرية والسياسية والإعلامية هي المسؤولة عن وضعها البائس اليوم.
تركيا: التحولات السياسية والثقافية التي جرت في ظل حكم الرئيس رجب طيب أردوغان وحزبه الإسلامي، نقلت تركيا من موقع الحليف الذي ربطته علاقات مضطربة مع واشنطن وحلف شمال الأطلسي، إلى دولة إسلامية تعتمد سياسات متناقضة، إن لم نقل معادية لسياسات ومصالح الولايات المتحدة في المنطقة الممتدة من الخليج إلى شرق المتوسط إلى ليبيا. داخليا، قضى إردوغان عمليا على الإرث العلماني للدولة التي أسسها مصطفى كمال، وعندما أدرك أن أبواب القارة الأوروبية قد أغلقت بوجه تركيا (دول أوروبية كما تركيا مسؤولة عن هذا الإخفاق) بدأ يعامل بعض الدول الأوروبية وكأنها دول معادية، يهددها بارسال موجات المهاجرين والنازحين من دول المشرق والقارة الأفريقية في محاولات استفزازية وابتزازية رخيصة.
مع نهاية العقد الأول من حكمه، أطبق إردوغان وعائلته السيطرة على الحياة السياسية في تركيا، وعلى نواح اقتصادية عززت من فساد عائلته والمقربين منه. وفي الوقت ذاته، بدأ إردوغان بتفريغ المؤسسات التركية التي كانت شبه ديمقراطية من محتواها، وبدأ بتقليص رقعة الحريات المحدودة أصلا وسلطة القانون، واتسم إسلامه السياسي بالمزيد من التعصب والانغلاق، وهي ممارسات عززت من سلطته. وفي أعقاب محاولة الانقلاب العسكري الفاشل في 2016، قام إردوغان بقفزة سلطوية جديدة حين شن حملة ترهيب واسعة قام خلالها "بتطهير" مؤسسات الدولة من آلاف مناوئيه الحقيقيين والمتخيلين. استهتار إردوغان بالقوانين وصل إلى حد محاولة التلاعب العلني بنتائج انتخابات بلدية إسطنبول.
يجب أن لا يكون هناك مكان لتركيا في حلف شمال الأطلسي، وعلى الحلف التوصل إلى آلية (غير موجودة اليوم) تسمح بطرد تركيا من الحلف. التعاون والتنسيق التركي-الروسي في سوريا وفي منطقة القوقاز، وحصول تركيا على منظمة صواريخ مضادة للصواريخ من روسيا يعني أن تركيا قد تجد نفسها في الفلك الروسي في حال حدوث نزاع بين روسيا وأي دولة حليفة لواشنطن في المنطقة. وليس من الواضح ما هو مبرر بقاء عشرات الرؤوس الحربية النووية التابعة لحلف الناتو في قاعدة أنجرليك التركية؟ الولايات المتحدة التي لديها قواعد عسكرية في منطقة الخليج تستطيع التخلي عن قاعدة أنجرليك. وسوف تواجه إدارة الرئيس بايدن أسئلة من نوع: لماذا السماح لتركيا بالبقاء في الناتو في الوقت الذي تحافظ فيه على علاقاتها العسكرية مع روسيا. حرمان أنقرة من السلاح الأميركي يجب أن يكون خيارا عمليا وملحا.
أخيرا، تلعب تركيا دورا توسعيا خطيرا في سوريا وليبيا وحتى في الخليج من خلال تعاونها مع قطر، وهي ترغب بتوسيع وجودها العسكري في البحر الأحمر. سياسات تركيا وممارساتها في سوريا وليبيا تتعارض مع المصالح الأميركية والأوروبية والعربية البعيدة المدى في المنطقة الممتدة من الخليج إلى شرق المتوسط وانتهاء بليبيا. لقد حان الوقت للولايات المتحدة أن تضع حدا لطموحات إردوغان التوسعية.
بغض النظر عما إذا كانت إدارة المقبلة لبايدن ستعيد النظر بعلاقاتها مع هذه الدول الأربعة، إلا أنه من الضروري على الأقل في هذا الوقت المبكر إلقاء نظرة نقدية وموضوعية على علاقات الولايات المتحدة بهذه الدول التي تريد الحصول على الهبات والمساعدات الأميركية، ولكنها تصر على اعتماد سياسات تخدم مصالحها الضيقة، ونادرا ما تأخذ بعين الاعتبار مصالح الولايات المتحدة.

