الرئيس المنتخب بايدن يقول إنه حان الوقت لرأب الصدع بين الأميركيين
الرئيس المنتخب بايدن يقول إنه حان الوقت لرأب الصدع بين الأميركيين

تعهد الرئيس الأميركي المنتخب جوزف بايدن خلال حملته الانتخابية أنه في حال انتخابه سوف يقوم بإعادة النظر بالعلاقات الأميركية - السعودية بسبب انتهاكات الرياض الصارخة لحقوق الإنسان، وبوقف الدعم الأميركي "للحرب التي تقودها السعودية في اليمن". هذه خطوة ضرورية سياسيا وأخلاقيا، لأن السعودية في ظل حاكمها الفعلي، ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، قد حققت قفزة نوعية باتجاه التصلب والعسف الداخلي والخارجي، لم تشهدها المملكة منذ عقود. ولكن لماذا استثناء السعودية لمثل هذه المعاملة في الوقت الذي يقوم به حلفاء واشنطن التقليديين في المنطقة بانتهاكات مماثلة لحقوق الإنسان واستخدام القوة العسكرية والإكراه لفرض إراداتهم على جيرانهم؟ منذ سقوط النظام الملكي في إيران في 1979 والسياسية الأميركية في الشرق الأوسط عبر الحكومات الجمهورية والديمقراطية تعتمد على أربعة عواميد إقليمية لتعزيز مصالحها ونفوذها: الحلفاء القدامى: إسرائيل وتركيا والسعودية، والحليف الجديد الخارج لتوه من الفلك السوفياتي: مصر.

ولكن هذه العلاقات تعرضت خلال الأربعين سنة الماضية إلى هزات وتوترات عديدة ساهمت في تعديل وحتى تغيير أولويات الدول الخمسة المعنية، ولكن لم يحدث أن قامت واشنطن حتى الآن بإعادة نظر جدية بأي من هذه العلاقات وبالعمل بأي استنتاجات تخرج بها المراجعة النقدية. وحتى عندما كانت واشنطن تلجأ إلى التعبير عن استيائها من سياسة معينة من خلال تعليق تسليم أسلحة معينة لدولة مثل إسرائيل أو مصر، فإنها كانت تتراجع لاحقا لصيانة "العلاقة الخاصة" أو باسم "المصالح المشتركة" ضد عدو مشترك مثل التنظيمات الإرهابية. 

ولكن هذه الدول الأربعة حظيت بفترة سماح استمرت لأربعة سنوات خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب الذي اعتمد سياسات غير تقليدية، أبرزها تجاهله التام لانتهاكات حقوق الإنسان في هذه الدول، وتغاضيه عن انتهاكات بعض هذه الدول الحليفة لجيرانها، ونجاحه في "شخصنة" العلاقات الحميمة مع قادة أوتوقراطيين ومتسلطين يحكمون دول غير ديموقراطية. 

وحتى في إسرائيل التي لديها مؤسسات ديمقراطية وصحافة تحاسب حكامها، فإن رئيس الوزراء، بنيامين نتانياهو، لا يخفي ميوله الأوتوقراطية وهو المتهم بالفساد وبفرض نهج سياسي يميني شوفيني ضد الفلسطينيين، وضد نقاده الداخليين وخاصة في الصحافة الإسرائيلية التي يسميها كما يفعل الرئيس ترامب بالصحافة الملفقة. المفارقة هي أن مكانة هذه الدول في المجتمع الأميركي قد انحدرت كثيرا في السنوات الأخيرة، حيث لا يوجد هناك أصدقاء يدافعون عن السعودية وتركيا ومصر في الكونغرس، أو في معظم مؤسسات الأبحاث، وقطعا ليس في معظم وسائل الإعلام أو في صفوف المحللين. وحتى إسرائيل تتعرض إلى انتقادات كثيرة، وتزعزت مكانتها في الحزب الديمقراطي الذي كان تقليديا متعاطفا معها. وخلال حملته الانتخابية كان المرشح بيرني ساندرز الذي يمثل شريحة كبيرة في الحزب الديمقراطي يصف نتانياهو بالعنصري. مكانة إسرائيل حتى في أوساط الشباب اليهود تعرضت للاهتزاز بسبب سياساتها التوسعية والاستيطانية.

السعودية: تدخل جميع حكام السعودية في اليمن سياسيا وعسكريا ومارسوا الترهيب والترغيب بدرجات متفاوتة وعملوا على أضعاف اليمن وإبقائه مفككا. ولكن لم يحدث أن شنّ حاكم سعودي حربا وحشية ضد اليمن – باسم التصدي للحوثيين -  كما فعل محمد بن سلمان. صحيح أن الحوثيين يمثلون قوة سياسية سلبية وقمعية ودخلت في تحالف تخريبي مع إيران التي تستخدم اليمن لتهديد دول الأخرى في الجزيرة العربية، إلا أن الحرب التي بدأتها السعودية – بمباركة مترددة من إدارة الرئيس السابق باراك أوباما (ونائبه جوزف بايدن) تحولت بسرعة إلى كارثة إنسانية للمدنيين اليمنيين، وتسببت بإحراج سياسي كبير للرياض، وأدت إلى نتائج عكسية في طليعتها تعزيز النفوذ الإيراني في اليمن. 

الحرب المستمرة منذ أكثر من 5 سنوات قتلت أكثر من مئة ألف يمني، وشردت الملايين، وحولت أفقر دولة عربية إلى أرض يباب، وحولت اليمنيين إلى جياع. وأي قرار يتخذه بايدن بوقف الإمدادات العسكرية للسعودية سوف يحظى بتأييد واسع في الكونغرس ليس فقط من قبل الديمقراطيين، بل أيضا من بعض المشرعين الجمهوريين. وكان الرئيس ترامب قد استخدم حق النقض الفيتو لمنع تعليق بيع الأسلحة للسعودية.

انتهاكات محمد بن سلمان لحقوق السعوديين وصلت إلى مستوى غير معهود، وخاصة عندما استهدف عددا من الناشطات والأكاديميات اللواتي تجرأن على المطالبة بأبسط الحقوق، واعتقلهن دون أي تهم أو محاكمة، وعرضهن لمختلف أنواع التعذيب بما في ذلك استخدام الطاقة الكهربائية. وهذا تصعيد وقمع للمرأة السعودية غير معهود. 

آخر تقرير لوزارة الخارجية الأميركية حول انتهاكات حقوق الإنسان في السعودية خصص 58 صفحة فّصل فيها جرائم المملكة ضد مواطنيها. الرئيس ترامب وفر الغطاء للأمير محمد بن سلمان عندما خلصت وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أيه) بأن ولي العهد السعودي هو الذي أمر بتصفية الكاتب الصحفي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول. هذه الجريمة كانت من بين الأسباب التي دفعت بجوزف بايدن إلى التعهد بإعادة النظر في العلاقات مع السعودية. جنوح الأمير السعودي الشاب إلى اعتماد الأساليب العدائية في علاقاته مع جيرانه أدت إلى قرارات متهورة أحرجت المملكة وأظهرت نمطا خطيرا في التعامل مع المشاكل الخارجية. 

وهذا ما يفسر اختطاف رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري في السعودية وإرغامه على الاستقالة بطريقة مذلة. هذا الأسلوب أوصل الخلاف مع دولة خليجية، قطر إلى مستويات غير معهودة في علاقات دول الخليج العربية، وأدى إلى فرض حصار جوي وبري وبحري على قطر، التي كلفها الحصار كثيرا، ولكنه لم يرغمها للخضوع. حقيقة أن سياسات قطر المتعاطفة مع الحركات الإسلامية المتطرفة، وتحالفها الخطير مع تركيا، لا يمكن تبريرها، إلا أن الحصار أخفق، وأظهر مرة أخرى محدودية نفوذ السعودية.

إسرائيل: ارتبطت عبارة "العلاقات الخاصة" بالعلاقات الأميركية-الإسرائيلية منذ عقود، وخاصة بعد حرب 1967. المساعدات المالية الضخمة التي قدمتها الولايات المتحدة لإسرائيل بين 1949 و2008 وصلت إلى 103 مليار دولار. هذه المساعدات ساهمت بشكل غير مباشر في تمويل استعمار الضفة الغربية عبر بناء المستوطنات الإسرائيلية فيها، في انتهاك واضح للقانون الدولي. وقبل أشهر وافق الكونغرس على تقديم مساعدات عسكرية لإسرائيل بقيمة 38 مليار دولار تنفق خلال السنوات العشر المقبلة. 

احتلال الأراضي الفلسطينية مستمر منذ 53 سنة لأنه مبني على نظام من التعسف والانتهاكات والقمع بما فيها القتل غير القانوني، واقتلاع المدنيين من أراضيهم، والاعتقال التعسفي، والقيود المفروضة على التنقل، وبناء المستوطنات على أراض فلسطينية أخذت بالقوة. في الوقت ذاته قامت عناصر فلسطينية مسلحة بشن هجمات ضد مدنيين إسرائيليين، في انتهاكات واضحة لحقوقهم وللقانون الدولي. ولكن هذه الانتهاكات الفلسطينية التي يجب أن تشجب دون تردد، لا تبرر العنف الشامل الذي تلجأ إليه إسرائيل في التعامل مع الفلسطينيين. 

ويبقى الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة الانتهاك الأخطر لحقوق الفلسطينيين. بعد احتلال الضفة الغربية في 1967 سارعت إسرائيل إلى بناء مستوطنتين في الضفة. مع حلول 2017 وصل عدد المستوطنات في الضفة الغربية إلى 237 مستوطنة وعدد المستوطنين إلى 600 ألف.

سياسات إسرائيل التوسعية تنتهك القوانين والقيم الأميركية. ويمكن لإدارة الرئيس بايدن أن تعلق بعض مبيعات الأسلحة لإسرائيل للضغط عليها لوقف الاستيطان أو ضم المستوطنات إليها، كما تعتزم حكومة نتانياهو. 
واشنطن لجأت إلى مثل هذه الإجراءات في السابق، حين قامت إدارة الرئيس رونالد ريغان بوقف تسليم القنابل العنقودية لإسرائيل بعد قصفها العشوائي لأهداف مدنية في بيروت. وفي 1991، اشترطت إدارة الرئيس جورج بوش الأب توفير ضمانات القروض لإسرائيل بوقف توسيع الاستيطان الإسرائيلي. 

مصر: منذ سقوط الملكية في مصر عام 1952 والمجتمع المصري رازح تحت حكم طبقة عسكرية مستبدة وفاسدة سلبته تدريجيا حرياته. ومنذ الانقلاب العسكري الدموي الذي قام به الجيش المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي ضد الرئيس الإسلامي محمد مرسي قبل 7 سنوات، ومصر تمر في مرحلة ازدادت خلالها انتهاكات حقوق الإنسان، وقمع جميع الأصوات المعارضة السلمية إن كانت من منظمات المجتمع المدني أو من الحقوقيين أو الإعلاميين. 

هذا النظام الذي تشكل ممارساته نقضا واضحا للقيم الأميركية لا يستحق المساعدات العسكرية التي تقدمها له الولايات المتحدة والبالغة 1.3 مليار دولار في السنة. القمع الذي يمارسه نظام السيسي يساهم في زيادة التطرف في البلاد. السيسي يدعي أنه يقوم بحركة إصلاحية داخل الإسلام، ولكنه في الواقع لم يقم بأي شيء في هذا المضمار، وخلال عهده ازدادت الأحكام القضائية ضد المتهمين بالكفر وبإهانة الدين الإسلامي، كما أن ممارسات التمييز ضد المسيحيين في مصر مستمرة دون كلل.

في السابق، لعبت القاهرة دورا مساعدا للسياسة الأميركية في المنطقة، إن كان في عملية السلام أو مكافحة الإرهاب أو مساعدة المجاهدين الأفغان ضد الاحتلال السوفياتي. ولكن نفوذ القاهرة الإقليمي اليوم قد انحسر كثيرا، ونظام السيسي عاجز حتى عن التخلص من التحدي الإرهابي الإسلامي في شبه جزيرة سيناء، إلى درجة أن مصر التي يفترض أن تكون دولة إقليمية هامة تلجأ أحيانا إلى الطلب من إسرائيل أن تشن غارات عسكرية ضد الإسلاميين المتطرفين في سيناء. مصر لا تحتاج إلى أسلحة أميركية جديدة لهزيمة الإرهابيين، بل تحتاج إلى تدريب عسكري مختلف، كما أن أنواع الأسلحة التي تشتريها من غواصات ودبابات وطائرات – لإرضاء غرور الضباط المصريين- غير مفيدة في مكافحة الإرهاب.

إدارة الرئيس المنتخب بايدن تستطيع تعليق أو تخفيض المساعدات العسكرية بشكل جذري للضغط على القاهرة لوقف انتهاكاتها لحقوق الإنسان، كما أنها قادرة على استخدام نفوذها في المؤسسات المالية الدولية التي تحتاجها مصر. 

وليس لدى مصر خيارات أخرى كما يدعي البعض مثل لجوئها إلى روسيا لتزويدها بالأسلحة، لأنها ستضطر إلى دفع ثمنها، كما أنها لن تنسجم مع الأنظمة العسكرية الأميركية في ترسانتها. وإذا هددت مصر بمنع سفن البحرية الأميركية من عبور قناة السويس، فإنها ستخسر الرسوم المالية التي تدفعها هذه السفن. نظريا، يمكن للولايات المتحدة في المستقبل المنظور أن تحاول التوسط بين مصر وأثيوبيا (والسودان) لإيجاد حل منصف لتقاسم مياه النيل وتفادي تأزميم العلاقات أكثر بين مصر واثيوبيا بسبب سد النهضة. وهذا يعني أن مصر سوف تحتاج الولايات المتحدة لحل هذه الأزمة التي يمكن أن تهدد أمنها القومي، لأن القاهرة تفتقد إلى الحل العسكري لهذه الأزمة.  وأي دعم أميركي لمصر يجب أن يكون مشروطا بوضع حقوق الإنسان.  مصر اليوم هي نسخة نحيلة جدا من مصر الأمس، والطبقة المصرية العسكرية والسياسية والإعلامية هي المسؤولة عن وضعها البائس اليوم.

تركيا: التحولات السياسية والثقافية التي جرت في ظل حكم الرئيس رجب طيب أردوغان وحزبه الإسلامي، نقلت تركيا من موقع الحليف الذي ربطته علاقات مضطربة مع واشنطن وحلف شمال الأطلسي، إلى دولة إسلامية تعتمد سياسات متناقضة، إن لم نقل معادية لسياسات ومصالح الولايات المتحدة في المنطقة الممتدة من الخليج إلى شرق المتوسط إلى ليبيا. داخليا، قضى إردوغان عمليا على الإرث العلماني للدولة التي أسسها مصطفى كمال، وعندما أدرك أن أبواب القارة الأوروبية قد أغلقت بوجه تركيا (دول أوروبية كما تركيا مسؤولة عن هذا الإخفاق) بدأ يعامل بعض الدول الأوروبية وكأنها دول معادية، يهددها بارسال موجات المهاجرين والنازحين من دول المشرق والقارة الأفريقية في محاولات استفزازية وابتزازية رخيصة.

مع نهاية العقد الأول من حكمه، أطبق إردوغان وعائلته السيطرة على الحياة السياسية في تركيا، وعلى نواح اقتصادية عززت من فساد عائلته والمقربين منه. وفي الوقت ذاته، بدأ إردوغان بتفريغ المؤسسات التركية التي كانت شبه ديمقراطية من محتواها، وبدأ بتقليص رقعة الحريات المحدودة أصلا وسلطة القانون، واتسم إسلامه السياسي بالمزيد من التعصب والانغلاق، وهي ممارسات عززت من سلطته. وفي أعقاب محاولة الانقلاب العسكري الفاشل في 2016، قام إردوغان بقفزة سلطوية جديدة حين شن حملة ترهيب واسعة قام خلالها "بتطهير" مؤسسات الدولة من آلاف مناوئيه الحقيقيين والمتخيلين. استهتار إردوغان بالقوانين وصل إلى حد محاولة التلاعب العلني بنتائج انتخابات بلدية إسطنبول. 

يجب أن لا يكون هناك مكان لتركيا في حلف شمال الأطلسي، وعلى الحلف التوصل إلى آلية (غير موجودة اليوم) تسمح بطرد تركيا من الحلف. التعاون والتنسيق التركي-الروسي في سوريا وفي منطقة القوقاز، وحصول تركيا على منظمة صواريخ مضادة للصواريخ من روسيا يعني أن تركيا قد تجد نفسها في الفلك الروسي في حال حدوث نزاع بين روسيا وأي دولة حليفة لواشنطن في المنطقة. وليس من الواضح ما هو مبرر بقاء عشرات الرؤوس الحربية النووية التابعة لحلف الناتو في قاعدة أنجرليك التركية؟ الولايات المتحدة التي لديها قواعد عسكرية في منطقة الخليج تستطيع التخلي عن قاعدة أنجرليك. وسوف تواجه إدارة الرئيس بايدن أسئلة من نوع: لماذا السماح لتركيا بالبقاء في الناتو في الوقت الذي تحافظ فيه على علاقاتها العسكرية مع روسيا. حرمان أنقرة من السلاح الأميركي يجب أن يكون خيارا عمليا وملحا.

أخيرا، تلعب تركيا دورا توسعيا خطيرا في سوريا وليبيا وحتى في الخليج من خلال تعاونها مع قطر، وهي ترغب بتوسيع وجودها العسكري في البحر الأحمر. سياسات تركيا وممارساتها في سوريا وليبيا تتعارض مع المصالح الأميركية والأوروبية والعربية البعيدة المدى في المنطقة الممتدة من الخليج إلى شرق المتوسط وانتهاء بليبيا. لقد حان الوقت للولايات المتحدة أن تضع حدا لطموحات إردوغان التوسعية. 

بغض النظر عما إذا كانت إدارة المقبلة لبايدن ستعيد النظر بعلاقاتها مع هذه الدول الأربعة، إلا أنه من الضروري على الأقل في هذا الوقت المبكر إلقاء نظرة نقدية وموضوعية على علاقات الولايات المتحدة بهذه الدول التي تريد الحصول على الهبات والمساعدات الأميركية، ولكنها تصر على اعتماد سياسات تخدم مصالحها الضيقة، ونادرا ما تأخذ بعين الاعتبار مصالح الولايات المتحدة.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.