الانتخابات الأميركية
.

يمكن اعتبار الكتاب الشهير" نهاية التاريخ والإنسان الأخير" للباحث الأمريكي المتميز، فرانسيس فوكوياما، من أهم ما كتب في مسألة الديمقراطية الليبرالية؛ على الأقل، من زاوية استشراف واقعها ومستقبلها؛ ظاهريا، من خلال تحولات مسار تحققّها في الواقع العيني؛ وباطنا، من خلال مقاربة الرؤى الفلسفية التي أسهمت في تطورها وتجذّرها في الوعي السياسي الغربي.   

الانطباع العام عن فوكوياما أنه متفائل بالمستقبل الديمقراطي، خاصة في حدود الحيّز الجغرافي/ الثقافي للغرب، الذي بدا منتصرا ـ أيديولوجيا ـ بعد انهيار المعسكر الشيوعي. فهو يرى ـ مستعينا بالفيلسوف الألماني/ هيغل ـ أن الديمقراطية الليبرالية/ الدولة الليبرالية هي غاية/ نهاية التطور الذي يمكن أن تصل إليه المجتمعات البشرية، تلك المجتمعات التي تطورت ـ عبر تاريخها الطويل ـ في مسارِ حراكٍ جدلي/ صراعي يتغيا تحقيق الذات/ الظفر بالاعتراف (التيموس)؛ لتنتهي بالديمقراطية الليبرالية التي حققّت الاعتراف الشامل المتبادل، الذي لا يقتضي السلامَ داخل المجتمع الواحد فحسب، وإنما يتجاوز ذلك ليحقق السلام العالمي؛ مستشهدا بحقيقة كون الديمقراطيات الليبرالية خلال القرنين الماضيين لم تتحارب فيما بينها؛ حتى في الوقت الذي كانت تخوض فيه حروبا مع الآخرين اللاّمنتمين إلى فضائها القِيمي.

إن هذا الانطباع صحيح إلى حد ما، ولكن هذا لا يعني أن فوكوياما يتمتع بروح التفاؤل التي تغمر مؤلفات الباحث الأميركي المتخصص في الديمقراطيات/ لاري دايموند. يتخلل التفاؤل العام لفوكوياما تشاؤم حذر. كما في تأكيده أن "المجتمعات التي يُشكّل الانتقاد المستمر جزءا لا يتجزأ منها هي الوحيدة القابلة للحياة، ولكنها الأكثر تعرضا للاهتزاز"(ص42). وإذا كان نصه هذا يوحي بأن "الاهتزاز" عرض طارئ، أو إفراز طبيعي لديناميكية المجتمع الديمقراطي، فإنه في موضع آخر، وبعد أن ينص على أن "العقول الأكثر اتزانا والأكثر جدية في هذا القرن [يقصد: القرن العشرين] لم تجد أي سبب للاعتقاد بأن العالم يتجه بمجمله نحو ما نعتبره في الغرب مؤسسات سياسية لائقة وإنسانية، أي الديمقراطية الليبرالية"، يدخل فيما يشبه الحيرة في قوله: "يبدو أن المستقبل يخفي مؤامرات جديدة لا يمكن تصورها"(ص37). وهكذا، بينما يعضد تفاؤله باحتشاده أقوى النصوص الفلسفية النسقية التي تمت صياغتها في بدايات القرن التاسع عشر، يجد نفسه متشائما إزاء الانكفاءة التشاؤمية (أو التفاؤل القلق/ المستريب) لكبار مفكري القرن العشرين.

ما الذي يعنيه كل هذا ؟ هل يعني أن الديمقراطية هي الخيار المُبَاطِن ضرورة لمسيرة التطور الإنساني ـ حتى وإن تعرض لتأزمات طارئة؛ كما أنها هي المحطة الأخيرة للتفاعلات التي تطمح لارتياد ما هو الأكمل إنسانية في الإنسان؟ أم أن الديمقراطية ـ ومن خلال ضرورات تنموية / اقتصادية ذات طابع عَولمي ـ تتمدّد بحكم الأمر الواقع؛ بعد أن أثبتت الشموليات التوتاليتارية فشلها الذريع، بصورة فاقعة الألوان/ كارثية في المعسكر الشيوعي المنهار نهاية الثمانينيات، وبصورة أقل كارثية في الجمهوريات العسكرية التي كانت أهم عوامل الانحطاط في أمريكا اللاتينية والجنوب الأوروبي ؟.

ربما يكون الجواب شيء من هذا، وشيء من هذا. وربما يطرح "آخرون" خيارات أخرى. ولكن، تبقى الحقيقة أن المعسكر الغربي/ معسكر الحضارة الغربية، ومنذ الثورتين: الثورة الأميركية والثورة الفرنسية، قد وضع خياره ـ وفقا للدساتير التي كتبت بروح هاتين الثورتين ـ في المسار الديمقراطي الذي نرى تحققاته الواقعية في الديمقراطيات الغربية ذات المنحى الليبرالي.

اليوم، ديمقراطية الولايات المتحدة الأميركية هي الأكثر جاذبية، الأكثر إثارة، لا بحكم أنها الأشد احتكاما لمسارات تحقق مقولات التنوير ذات المرجعية العقلية/ الإنسانية التي غيرت مجرى التاريخ الإنساني (وهي المقولات التي تقف خلف الإيديولوجيا العامة للثورتين: الأمريكية والفرنسية)، وبالتالي، الأكثر لَبْرَلة/ انفتاحا (أي تمدد الفضاء الإنساني/ اتساع نطاق القبول والتشارك) فحسب، وإنما بحكم أن الولايات المتحدة اليوم هي الدولة المَرْكز/ الدولة الأكثر تأثيرا في العالم كله، إذ هي الأقوى عسكريا ـ وبفارق كبير جدا عن الآخرين، والأقوى اقتصاديا، والأكثر حيوية في مجال العلوم/ الإبداع، وفي مجال الإعلام والتواصل...إلخ تمظهرات القوة (القوة الصلبة والقوة الناعمة)، التي تجعل العالم مهتما بها، باقتصادها وسياستها خاصة، لا باعتبارهما شأنين داخليين يراقبها المراقب من الخارج كمتطفل فضولي، وإنما باعتبارهما شأنين عامين، يراقبهما المراقب ـ وبحماس ـ كمُهْتمٍّ بشأنه الخاص؛ من خلال الاهتمام بالشأن العام، الذي هو ـ بالدرجة الأولى ـ شأن أمريكي.  

العالم العربي، كبقية العالم، راقب الانتخابات الأميركية باهتمام بالغ. وهذا طبيعي؛ إذا ما أراد أن يكون منفعلا ومتفاعلا مع العالم في أكثر محاوره قوة وتأثيرا، أي إذا ما أراد أن يتمثل عصره؛ ليكون حاضرا ـ ولو كموضوع ـ في المشهد الكوني. 

طوال فترة الانتخابات والعالم العالم العربي ـ بمفكريه، ومحلليه السياسيين، وإعلاميّيه ـ يحاول قراءة المشهد الديمقراطي، يحاول أن يقرأ الديمقراطية كأنموذج كما تتجلى في أكثر مساراتها حيوية، وأكثرها مساراتها إشكالا أيضا. لكن، إذا كانت كل الشعوب/ كل الأمم تُنْتِج قراءاتها لهذا المشهد الديمقراطي الباذخ إثارة، فإن القراءة العربية ـ على تنوّعها النسبي ـ تميّزت بما يلي:

1ـ غياب الرؤية الفلسفية/ التاريخية في مقاربة المشهد الديمقراطي/ الانتخابي. ما سبق ذكره عن إشكالية الديمقراطية في تشكّلها كرؤية عامة/ عمومية ذات جذر فلسفي، وعن إشكاليتها في مسار تحققّاتها الواقعية، وعن التحليلات المعمقة التي تعاين التاريخي من خلال الفلسفي، والفلسفي من خلال التاريخي، كل هذا غائب عن الأغلبية الساحقة من القراءات العربية لهذا المشهد؛ حتى لتبدو القراءة العربية ـ في مجملها ـ مجرد اشتغال عابر على الظرفي/ الآني والمباشر، بل وعلى المحدود جغرافيا بـ"ديمقراطية الولايات المتحدة"؛ بينما الديمقراطية الأميركية؛ مع أهميتها البالغة، ليست إلا جزءا لا يتجزأ من مجمل النسق الديمقراطي الغربي، ولا يمكن فصله ذلك النسق إلا بفصل المجتمع الأمريكي ذاته عن سياقه في الحضارة الغربية. وهذا مستحيل بطبيعة الحال.
لقد نتج عن هذه المقاربات ذات الطابع الإعلامي الخفيف ـ ولكن المثير ! ـ، الذي يعزل الظاهرة الانتخابية عن عمقها التاريخي (لا أقصد التاريخ الأمريكي فحسب)، وعن امتدادها الجغرافي، وعن الجذور الفلسفية لهذا العمق وهذا الامتداد، أن أصبح "المحلل العربي" يتحدث عن المشكلات والتأزمات التي رافقت المسيرة الانتخابية الأمريكية وكأنها تعني سقوط الديمقراطية الغربية ككل، بل وتجاوز بعضهم ليشير إلى سقوط/ نهاية/ انهيار الحضارة الغربية، هذا الانهيار الذي سيبدأ ـ كما يزعم ! ـ بانهيار/ تفكك الولايات المتحدة، فالاتحاد الأوروبي.   
هذا ما كنت أسميه في مناسبات أخرى بـ"التفكير اللحظوي"، وهو التفكير الذي أنتج هنا هذه الرؤية التشاؤمية لمسار الديمقراطية الغربية/ مسار الحضارة الغربية في نهاية المطاف. وأفصد بـ"التفكير اللحظوي" هذا التفكير الذي يقع في أسر "اللحظة العابرة"/ "اللحظة الاستثناء"، فتصبح هذه اللحظة هي "كل شيء"، هي أصل الظاهرة وامتدادها وفلسفتها...إلخ؛ مع أنها ـ في موقعها من مجمل مكونات الظاهرة ـ مجرد إفراز عابر، مجرد استثناء/ هامش من عشرات الهوامش والاستثناءات التي تحمل دلالات مضادة، وهذه الدلالات المضادة هي ـ بحكم كونها الأكثر اتساقا مع السياق الجغرافي والتاريخي والفكري ـ المعبر الأصدق عن حقيقة المسار في خطه العام.

2ـ  يلاحظ أيضا على القراءات العربية أنها تقرأ الغرب عموما، والمشهد الديمقراطي الغربي خصوصا، والمشهد الديمقراطي الأميركي على نحو أخص، بواسطة "نموذج إدراكي عالمثالثي"، أي نموذج إدراكي ينتمي إلى عالم مغاير تماما للمشهد موضوع القراءة. وهذا النموذج لا يفتقر فقط لتلك المكونات الفكرية العميقة التي تقف وراء ذلك المشهد الغربي، وإنما يفتقر أيضا لتلك "الروح الإنسانية" التي هي الطاقة الفاعلة الملهمة للمفكرين الكبار الذين أسهموا في صياغة تلك الأفكار، وهي أيضا الطاقة الملهمة ـ لمجمل الفاعلين المؤثرين في صياغة المشهد على مستوى الواقع المتعين.
وليست المشكلة في أن القراءة عبر هذا "النموذج الإدراكي العالمثالثي" تُخْطئ حتما في قراءة المشهد، أو تجعله ملتبسا فحسب، وإنما هي قراءة ـ بحكم مستوى الوثوقية الكامن فيها ـ تُسْقِط على مسار وقائع المشهد، بل وعلى الأفكار المُؤسِّسة، كل تصوراتها البدائية، أقصد تلك  التصورات التي توارت منذ قرون عن المجال الحيوي للغرب، بينما هي لا تزال فاعلة ومؤثرة في المجال الحيوي للعالم الثالث، بل هي التي يتنمّط بها نظام الوعي العام في العالم الثالث، وتتحكّم ـ من وراء ذلك ـ بكل خيارات المسلك العملي: الواقعي/ الوقائعي.

3ـ أيضا، يبدو القارئ العربي/ المحلل العربي، وبالتساوق مع مجمل الاهتمام الجماهيري، ليس مجرد مراقب من الخارج. أي لا يضع نفسه كمراقب/ مُتفاعل خارجي، كما هو الحال في بقية العالم، بل يضع نفسه كمشارك حقيقي؛ ولو على سبيل الوهم أو التوهم. إنه لا يقرأ المشهد بمرشحيه ومُنتخبيه وقوانين اللعبة فيه؛ كظاهرة/ كموضوع للقراءة، بل يندمج فيه كذات؛ فينتخب، ويتحيّز، ويفرح، ويغضب، ويُناصِر ويُعادي؛ كأي مرشح أو ناخب أمريكي في قبل المشهد، بل ربما أكثر من الغالبية الساحقة من الأميركيين!   

لا يعكس هذا غياب شرط الموضوعية فحسب، وإنما يعكس أيضا ـ وعلى المستوى السيكولوجي ـ حالة تعويض بائسة، حالة تعويض من ناحيتين: من حيث هو يخوض التجربة الانتخابية المثيرة حقيقة، بكل تفاصيلها وإشكالياتها، بكل أفراحها وأحزانها، بكل آمالها وآلامها، وأيضا، حالة تعويض من حيث هو شعور الهامش بالارتقاء ـ تواصلاً حيويّا ـ إلى مستوى المتن. فالمجتمع العربي يكاد يكون ـ بكل أطيافه ـ مشاركا في الانتخابات الأمريكية بأعلى درجات المشاركة، مشارك أكثر مما هو قارئ/ مُشاهِد يفضل هذا الفريق أو ذاك؛ على سبيل الاختيار السياسي من باب المصلحة المتوقعة، أو على سبيل الاختيارات المَبَادِئيّة التي تفرض نفسها كضرورة من ضرورات الاتساق الأيديولوجي.
 

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.