الملك الأردني الراحل الحسين بن طلال (أرشيف)
الملك الأردني الراحل الحسين بن طلال (أرشيف)

الحكاية سمعتها كثيرا من معاصرين وشهود حاضرين، وتقول إن الملك الأردني الراحل، الحسين بن طلال، كان في مكتبه الملكي الصغير باجتماع مصغر مع اثنين من مستشاريه يعطيهم توجيهات وهم منهمكون بتدوينها، بينما هو منهمك بترتيب ملابسه العسكرية التي يحاول أن يهندمها قبل الخروج بسرعة، لارتباط مسبق مع وحدة من وحدات الجيش، في كل هذا المشهد المرتبك، يشعر الملك بالعطش فيطلب من "عبد الوهاب"-خادم المقصورة الخاصة- كوب ماء، والملك حين يطلب كوب ماء فالمعروف أنه يشرب المياه الغازية "بيرييه".

يذهب "عبد الوهاب" ويعود إلى المكتب الخاص بالملك يحمل كوب ماء عاديا "غير غازي"، يشرب الملك قليلا فيتفاجأ أن الماء على غير طلبه المعهود، ينظر إلى "عبد الوهاب" المتأهب حاملا صينيته، ويشير إلى الكأس معترضا، فيرد عبدالوهاب بهمس وعتب (!!): مولانا.. اشربها وخلص، بلاش تفضحنا مع مدير السفرجية اللي واقف برة.

مكتب العاهل الأردني الراحل (royalheritage)

يخرج عبد الوهاب، ويعود الملك إلى مستشاريه ضاحكا وهو يقول: عبد الوهاب حسبها صح، مدير السفرجية سيحاسبه، وأنا أكيد لن أتصرف معه بأي طريقة. تلك حكاية سمعتها كثيرا من أناس كانوا حول الملك الراحل، ومعه ومن طواقم العمل لديه.

وتلك حكاية، كثيرا ما أفكر فيها حين أتذكر ما قاله لي أحد مستشاري الملك الراحل عن طريقة إدارته وحكمه للأردن طوال حياته: كان مكتبه في عمان صغيرا، ولم يكن لديه دوام مبكر، غالبا يبدأ الدوام لديه قبل الظهر بقليل، وينتهي بعد الظهر بقليل. تلك الساعات القليلة كان يدير فيها مملكته.

قبل أيام، تحديدا في الرابع عشر من نوفمبر، كان الأردنيون لا يزالون يحتفلون بذكرة ميلاد الملك الذي مات قبل عقدين وعام، وكل مرة تنتشر صور الملك الراحل في مناسبة ميلاده، مع عبارة مقلقة ومنتشرة بقوة نصها: لو تعرف بغيبتك شو صار.

لا أعرف عن مشاعر الملك عبدالله، وريث عرش أبيه، وابنه البكر حول هذا الاستحضار الوجداني المكثف لذكرى والده، لكن بلا شك، فإن استحضارا بهذا التكثيف له دلالاته المقلقة.

لسنا بصدد "شو صار" بغيبة الملك الذي رحل. تلك وقائع إخبارية يمكن الرجوع إليها بسهولة لمعرفة حال ومآل الدولة الأردنية خلال عقدين.. وعام.

وليس من الإنصاف مطلقا المقارنة بين عهدين خصوصا أن الملك، عبدالله الثاني، كان واضحا بلا أي التباسات منذ البداية حين أعلن بحسم: أنا لست أبي!

لكن، من المفيد والممتع ربما أن نقرأ "الملك حسين" في ذكراه. وللرجل ما له وما عليه في كل تاريخه المديد، الذي انتهى بخسارة فادحة وموجعة أمام مرض السرطان الذي واجهه بشجاعة وشفافية، بل وأدرك "برباطة جأش" فكرة رحيله الوشيك، فرسم وخطط وهندس ولاية عهده، ثم جنازته التي كانت مشهدا دراميا يعكس نهاية مرحلة فاصلة في الشرق الأوسط، جنازة كان فيها أربع رؤساء أميركيين، وكل زعماء إسرائيل، وحافظ الأسد (وقد كان حينها أيضا مشروع ميت مؤجل قليلا)، وجموع زعماء العالم، بكل ما حملته من إشارات ودلالات ورموز.

--

لم تكن إدارة الملك حسين لمملكته بهذه البساطة التي صورها مستشاره، ربما كان المستشار المقرب يقصد أن الملك كان يعرف بالخبرة الطويلة والممارسة أسرار مملكته عن ظهر قلب، فكانت إدارته للعمل اليومي للدولة لا تتجاوز ساعات منتصف النهار، لكن الملك استنزف حياته واستهلكها كلها لاعبا إقليميا على وتر أعصاب مشدود طوال حياته.

تلك الإدارة الإقليمية والدولية التي كانت تتجاوز مكتبه الصغير في عاصمة ملكه، كان لها مساحاتها وساحاتها في جناحه الخاص "والمستأجر على الدوام مكتبا" في فندق "كلاريدجز" اللندني، فندق صغير المساحة وافر العراقة كان الملك يدير فيه علاقاته العامة والخاصة والسياسية، رغم امتلاكه لبيتين في العاصمة البريطانية.

الملك الهاشمي الذي اعتمد طوال حياته على حدسه نحو العشائر والقبائل التي شكلت أول خطوط الدفاع عن عرشه، كان يتقن غالبية اللهجات البدوية ويجلس في خيام القبائل يستمع للشعر البدوي ويأكل المناسف بيديه، حسب الأصول المرعية، وفي ذات الوقت كان يغادر تلك المضارب برفقة طاقمه إلى لندن لينضم إلى رفاقه في The Travellers Club اللندني العريق، بقواعده البروتوكولية الصارمة للجنتلمان الإنجليزي.

تلك المساحات الواسعة من الثقافات والسلوكيات والبروتوكولات والعلاقات بعموميتها وخصوصيتها التي شكلت هالة الملك حسين، وشيئا من أسطوريته الشخصية بين الأردنيين، وهي التي شكلت قاعدة الاطمئنان الأردنية طوال عهده، قاعدة قد تكون واهمة ووهمية، لكنها كانت راسخة عند الأردنيين بغالبيتهم، موالاة ومعارضة، ومفادها أنه كان هناك ثقة عامة ويقينية على أنه في الدقيقة الأخيرة دوما لدى الملك الحل!! ولأي أزمة كانت أو ستكون!!

تلك قاعدة تشبه إيمان الصوفيين بالأولياء، درجت عند غالبية الأردنيين، لا قاعدة علمية لها، لكنها كانت تعكس رؤية الأردنيين وعكست فيما بعد ذلك الرعب والخوف والهلع يوم وفاته وجنازته.

أتخيل أن الملك الراحل الذي تأثر كثيرا بجده مؤسس الدولة الأردنية (إمارة ثم مملكة فيما بعد)، ورث عنه قناعة كان الملك، عبد الله الأول، المؤسس يرددها كثيرا ويلقيها أمام مجالسيه بكثرة معبرا عن مرارة وخيبة أمل في داخله، حيث كان دوما يردد أن هناك ملوكا بلا ممالك، وممالك بلا ملوك.

تلك ربما كانت نواة الفرق عند الملك حسين، والتي جعلته دوما يحمل في داخله طوال حكمه حتى يوم مماته مشروعه السياسي الإقليمي الخاص به، لم يكن الملك حسين بالمطلق ليكون موظفا في أي مشروع للغير، كان يحمل مشروعه الإقليمي السياسي، ويسعى دوما لتغيير كل قواعد اللعبة في سبيل تحقيق أي مرحلة منه، وفعليا كان الرجل "شخصا وملكا" أكبر دافع ضرائب لكل مآسي وأزمات المنطقة.

كان الملك يحمل مرارة شديدة منذ نكسة 1967، تلك التي خسر فيها نصف جغرافية مملكته في الضفة الغربية، كانت الضفة ضمن مشروعه الشخصي جدا، حتى بعد قراره الغاضب بفك الارتباط القانوني والإداري.

كان الملك أيضا يحمل إرث أجداده في الحجاز بكل جدية، كانت له سيطرته على الأشراف في مكة حتى في ظل العهد السعودي، وكان يحاول دوما ألا يقطع تلك الصلة. ومما يروى في أيامه الأخيرة في مستشفى مايو كلينيك أن الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز زاره هناك (كان أيامها أميرا وولي عهد الملك فهد)، وحسب الرواة في غرفة الملك فإن الأمير السعودي أخرج من كيس حمله معه، أعشابا برية وأمر بغليها وإسقائها للملك المريض، منوها للملك المتعب من شدة المرض أن تلك الأعشاب "من أرضكم في الحجاز". كانت تلك لفتة لها أثرها المعنوي على ملك أتعبه الإرث العميق.

وكان الملك يحمل في داخله، مرارة كربلائية خاصة من بغداد، التي كادت أن تكون ضمن عرشه في طموح مبكر شارك فيه ابن عمه، الملك فيصل قبل مذبحة قصر الرحاب الدموية وثورة العراقيين على حكم الهاشميين والتي انتهت بمأساة بقيت محفورة في وجدان الملك الراحل حتى رحل هو نفسه، في جنازة حملت كل الإشارات والرموز التي كان يحب الملك الراحل أن يتلاعب بها ويتقنها.

جنازة أرخت فعلا لبداية "عولمة" عبر قرب إسكتلندية تعزف في حضور جثمانه المجثى على عربة عسكرية، وجزمة الفارس المقلوبة على جانبي فرسه المكلومة بفقده كتقليد مأخوذ من الحرب الأهلية الأميركية، ومسيرة عسكرية بانضباط إنجليزي صارم، وأبناؤه الأمراء بما فيهم وريثه الملك، عبد الله الثاني، يستقبلون بأيديهم تعازي الآلاف من المعزين في العراء تحت المطر، بتقليد عربي قبلي قديم.

في تلك الجنازة، التي حاول الكاتب الراحل، محمد حسنين هيكل، أن يعمل على تشريحها بمباضع وأدوات جراحية لم يراع فيها التعقيم كثيرا، كان الرد على كل ما كتبه هيكل أبلغ ما يكون على لسان وقلم واحد من أكثر معارضي الملك الراحل شراسة واحتراما بنفس الوقت.

وفي كتيب صغير أصدره البنك الأهلي الأردني، وكتبه الكاتب السياسي الأردني الراحل، ناهض حتر، تحت عنوان مثير "الملك حسين.. بقلم يساري أردني" كانت هناك عبارة أجترحها ناهض حتر، وهو سيد المفردة النثرية فقال بما يوجز كل ذلك الغياب للملك الراحل: (.. كنا مع الملك حسين، نعصف الأفكار، ونتجذر، ونخوض المعارك السياسية، وكأننا في حسن من الحسابات الإقليمية والدولية. كنا نعارضه.. ونترك الحسابات له. واليوم، مات الملك حسين.. وينبغي أن نحسب، وأن نتحسب).

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.